بن سلمان يشارك في تحسين صورة النظام الإيراني.. وهكذا زاد من شعبية الحرس الثوري

تم النشر: تم التحديث:
S
s

تهيمن على أكثر الساحات ازدحاماً في طهران لوحةٌ إعلانية ضخمة تحمل رسماً لشابٍ يرتدي زي فيلق الحرس الثوري، يمد يده ويدعو الإيرانيين لأن يسلكوا طريقه. أمام اللوحة، يصطف المراهقون وتعلو أيديهم علامات النصر بينما يلتقطون صور سيلفي مع الخلفية.

في واقع الأمر، كان الرجل على اللوحة هو محسن هوجاجي، البالغ من العمر 26 عاماً. كان محسن مجهولاً تماماً مثل الآلاف من الإيرانيين الآخرين الذين تناوبوا داخل وخارج مناطق الحرب بالعراق وسوريا في السنوات الأخيرة، لكن بعد أن اعتقله أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم صوروه، وقطعوا رأسه بالنهاية في أغسطس/آب الماضي 2017، جعلت الحكومة الإيراني من هوجاجي بطلَ حربٍ، ورمزاً لموجة جديدة من النزعة القومية الإيرانية.

بعد سنوات من اللامبالاة، أو الاحتقار، أو تجاهل كل ما هو متعلق بالسياسة، اكتسحت موجة من الحماسة القومية الطبقات المتوسطة المدنية في إيران، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ويمكن أن يرجع هذا التغيير، الذي كانوا يتهيأون له سنوات، إلى عاملين أساسيين: انتخاب دونالد ترامب رئيساً، والمنافسة المتزايدة مع السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، منافس إيران الطائفي على الهيمنة الإقليمية.


أسوأ صفقة


واستمع الإيرانيون في الحملة الانتخابية لعام 2016 إلى ترامب وهو يندد بالمعاهدة النووية الإيرانية، واصفاً إياها بأنَّها "أسوأ الصفقات التي جرى التفاوض بشأنها على الإطلاق" ووعد بتمزيقها.

وتابعوه وهم مرتعبون عندما باع، بصفته رئيساً، أسلحة تبلغ قيمتها أكثر من 100 مليار دولار إلى المملكة العربية السعودية، وشارك في رقصة العرضة التراثية السعودية بالرياض. فيما يشعرون بالقلق تجاه تحركات السياسة الخارجية التي يقوم بها ولي العهد السعودي الشاب، محمد بن سلمان، الذي يرون أنَّه متهور وعديم الخبرة.

وفي الوقت نفسه، يعتقدون أنَّ لديهم الآن ما يفخرون به، بعدما لعبت الميليشيات بقيادة إيران دوراً مركزياً في هزيمة تنظيم داعش المسلح بسوريا والعراق، مما يزيد من التأثير الإقليمي لإيران.

النجمان الأكثر شعبية
إنَّ النجمين الأكثر شعبية في إيران اليوم -وهي دولة ذات صناعات سينمائية ومسرحية وموسيقية مزدهرة (حسب وصف "نيويورك تايمز")- ليسا ممثلين أو مغنيين، لكنَّهما اثنان من شخصيات المؤسسة الدينية: الجنرال قاسم سليماني، زعيم الجهد العسكري الإقليمي لإيران، الذي يرى الناس من جميع أنحاء العالم أنَّه حقق نجاحاً ساحقاً؛ ومحمد جواد ظريف، وزير الشؤون الخارجية، رمز العقل والحكمة في إيران.

وباختصار، يبدو أنَّ ترامب والسعوديين ساعدوا الحكومة على تحقيق ما لم تتمكن سنوات القمع التي عاناها الشعب الإيراني من تحقيقه: الدعم الشعبي الواسع للرأي المتشدد، الذي يقول إنَّ الولايات المتحدة والرياض لا يمكن الوثوق بهما، وأنَّ إيران الآن دولة قوية وقادرة على مواجهة أعدائها.

وفي يوم الاحتفال الذي نظمته الدولة تكريماً لهوجاجي، جاء مرتزى حسين زاده، وهو خريج دراسات مسرحية بجامعة طهران، يبلغ من العمر 33 عاماً ويعتبر نفسه إصلاحياً، في وقت مبكر؛ ليقدم تحيته وإجلاله.

وبدا في ثيابه السوداء، ممسكاً بملصق يحمل صورة الشهيد الجديد في يده، تماماً كأحد المؤيدين المتشددين للحكومة الدينية.

وقال: "لا يهتم كثير من الإيرانيين مثلي بالجمهورية الإسلامية وقواعدها. لكنَّ الأمر اليوم يتعلق بشيء أكبر من ذلك، فقد قُتل أحدنا. وفي الوقت نفسه، يفطر هذا الرئيس الأميركي قلوبنا بكلماته وتهديداته. علينا أن نختار أحد الجانبين، وأنا أختار بلدي".


المتشددون يستغلون الموقف



يحاول المتشددون الإيرانيون استغلال تغير الموقف لمصلحتهم بعد أن فقدوا نفوذهم في ظل عهد أوباما. وقال حميد رضا تاراغي، المحلل السياسي المتشدد: "بفضل تصريحات ترامب الغامضة وملاحظاته الخادعة المجنونة، أثبت ما كنا نحاول قوله منذ فترةٍ طويلة: لا يمكن الوثوق بأميركا. لم يصدقنا الكثيرون وقتها، لكنَّهم يصدقون الآن".

زُرعت بذور القومية الجديدة مع انتخاب حسن روحاني، رجل الدين المعتدل، رئيساً في عام 2013، وكان هذا أول بصيص أمل للطبقات المتوسطة المدنية الإيرانية منذ القمع الوحشي للاحتجاجات في الشوارع بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، التي يعتبرها الكثيرون مزورة.

ووعد الرئيس روحاني باتفاقٍ نووي هرباً من العقوبات الدولية الخانقة على البرنامج النووي الإيراني التي أدت إلى إضعاف الاقتصاد، وتشويهه، وعزل البلاد. عند توقيع المعاهدة في عام 2015، فرح الإيرانيون بالفرصة التي أتاحت لهم أن يصبحوا أخيراً دولة "طبيعية".

ثم جاءت إدارة ترامب، وركزت بصورة مفردة على إيران كمصدر لجميع مشاكل الشرق الأوسط، وفقاً لما قاله جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأميركي، في مناسباتٍ عديدة.

وبدأ قادة إيران في الترويج للقضايا الوطنية، وأدركوا أن تغير المناخ العام يعد فرصة جيدة لتعزيز مصداقيتهم التي كانت في تضاؤل مستمر.

وفي الآونة الأخيرة، وُضعت صواريخ بمراكز المدن بشكل يسمح للأسر والأطفال بالتقاط الصور أمامها. ويشجع التلفزيون الحكومي سفراً سنوياً يشارك فيه الملايين في مسيرة إلى العراق المجاور، كرمز للقوة الوطنية والدينية.

ووصف آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الذي نادراً ما يعلق على الموسيقى، أغنية "إيران، إذا كسروا قلبك"، التي كُتبت إجلالاً لإيران، بأنَّها واحدة من أغانيه المفضلة.


العلمانيون والصواريخ


وقال حميد رضا جاليبور، أستاذ علم الاجتماع وأحد كبار الإصلاحيين، إنَّ العديد من الإيرانيين يهللون الآن عندما يجري اختبار صاروخ، "حتى أولئك الذين كانوا يميلون تجاه التوجه العلماني تماماً، تجعلهم اختبارات الصواريخ يشعرون بالأمن والسلام".

وقال جاليبور إنَّ الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة، والتهديدات المتزايدة من المملكة السعودية يخلقان مناخاً عاماً يُشعِر الإيرانيين بأنَّ أميركا وإيران ضدان.

إنَّ التضامن الجديد في مواجهة التهديدات الخارجية ليس جديداً في إيران، إضافةً إلى أنَّه لا يحمي الحكومة من التعرض للانتقادات.

فعلى سبيل المثال، بعد الزلزال الذي وقع في وقتٍ سابق من هذا الشهر (نوفمبر/تشرين الثاني 2017)، غرب إيران، انتقد الكثيرون مسؤولي الدولة على الشبكات الاجتماعية؛ لعدم تقديم المساعدة في الوقت المناسب.

ومع ذلك، وفي تظاهرة كلّلتها الروح التي اكتشفها الإيرانيون بداخلهم حديثاً، توجهوا من جميع أنحاء البلاد لجمع المياه والغذاء والخيام، ونقلوا المساعدات بسياراتهم الخاصة إلى منطقة الكارثة.

وقال بوريا غورجي، أحد المواطنين الإيرانيين، إنَّه سلم بنفسه 4 شاحنات مليئة بالإمدادات إلى منطقة الزلزال: "هناك شعور كبير بالاتحاد. نحن نتحد حين نتعرض للأذى".


العودة للقومية الفارسية


وفرضت أيديولوجية الدولة الثيوقراطية، منذ فترة طويلة، نسخة مصطنعة من القومية، يرتبط فيها كل شيء بالإسلام. كان من يحاول التعبير عن تفضيله تاريخ إيران الطويل قبل أن تتحول لجمهورية إسلامية، يتعرض لمساءلة قانونية في أحيانٍ كثيرة، وغالباً ما يتعمَّد المسؤولون والتلفزيون الحكومي تجاهل هذا النوع من الأشياء.

لكنَّ في ضوء الوحدة الوطنية الجديدة، خُفِّفت تلك القيود ما دامت العروض تشجع الوطنية.

في أكتوبر/تشرين الأول 2017، على سبيل المثال، سمحت الحكومة باستخدام أحد القصور السابقة للشاه المحقر، الموالي للغرب، محمد رضا بهلوي، في عرض وسائط متعددة، أدى فيه الممثلون أجزاء من "الشاهنامه"، أو كتاب الملوك، الذي يصف تاريخ إيران الطويل قبل الإسلام.

تصف القصيدة الملحمية زمناً -يشبه إلى حد كبير ما تمر به إيران في الوقت الحالي- كانت فيه إيران معزولة ومحاطة بالمنافسين.

في إحدى الأمسيات، تجمّع في القصر بشمال طهران نحو 4 آلاف شخص من الطبقة المتوسطة الإيرانية، من بينهم رجال يرتدون بدلات ونساء يحملن حقائب يد مصممة.

وعُرضت صور لبرسبوليس، القصر القديم لداريوش الأول (أعظم ملوك الإمبراطورية الفارسية الأخمينية) على مبنى القصر، فيما لعب ممثلون مشهورون أدوار شخصيات أسطورية من تاريخ إيران الممتد.

وكعرضٍ إضافي، أدت هومايون شاجريان، المغنية التراثية، أغنية ''بلدي إيران'' وهي أغنية في حب البلاد، وحينها وقف الناس إجلالاً، وانسابت الدموع على وجوه كثيرٍ منهم. امتلأ مكان العرض عن آخره 30 يوماً متتالية.

يقول سوغول شيخان، أحد رواد الحفل: "شعرتُ بالفخر. كان هناك شعور ساحق بالاتحاد، وانتابتني القشعريرة".


الخليج الفارسي أم العربي؟


تعد الحدود والجغرافيا نقاطاً أخرى لاستعادة القوى للقوميين، وعندما ألقى ترامب في أكتوبر/تشرين الأول 2017، خطاباً يصف استراتيجيته تجاه إيران، وصفها بأنَّها دولة "ديكتاتورية" يقودها قادة "قاتلون ينشرون الموت والدمار والفوضى في جميع أنحاء العالم". لكن ما أغضب الإيرانيين حقاً، كان عندما سمى الخليج الفارسي "الخليج العربي".

وفي غضون دقائق، بدأت وسائل الإعلام الإيرانية، التي تديرها الدولة وغيرها، تندد باستخدامه هذا الاسم.

وبعد ساعتين، لم يهدر روحاني وقتاً في إعداد رد مباشر على خطاب ترامب بمجموعة من الاتهامات التي وجهها له، وكان موجزاً في حديثه.

قال الرئيس الإيراني: "كيف لرئيس دولة ألا يعرف اسم الخليج التاريخي الدولي؟! ذلك الخليج الفارسي ذاته، الذي يتردد عليه لسوء الحظ القوات البحرية الأميركية، بلا أي داعٍ وبصفة مستمرة. يجب على ترامب أن يسأل رجال جيشه الذين يحملون الخرائط ما الاسم المكتوب بجوار هذا الخليج". (في الواقع، تقول خرائط البحرية الأميركية ''الخليج الفارسي'').

هاجم الإيرانيون حساب ترامب على إنستغرام، وتركوا ما يقرب من 3 ملايين تعليق، إما حول الخليج الفارسي، وإما تعليقات بذيئة.

كتب بهمن كلباسي، وهو صحفي إيراني مقيم بالولايات المتحدة، في تغريدة على حسابه بـ"تويتر"، أنَّه "لم يكن ليفكر في طريقة أخرى أسرع من هذه لتوحيد صفوف الجمهور في إيران وراء الحكومة: الاهتمام بالاتفاق النووي (المهم للاقتصاد) وترك الخليج الفارسي".


حدود النزعة الجديدة


لكن، لا تزال هناك حدودٌ للنزعة القومية الجديدة؛ إذ وجد الإيرانيون الذين حاولوا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، الاحتفال بالملك القديم سايروس بالتجمع في قبره، أنَّ الطرق محظورة، والموقع مسيَّج بأسوارٍ عالية. وأرسل للقوميين المعروفين رسائل نصية تحذرهم من عدم المشاركة.

يقول أرفاند داشتاراي، وهو مدير مسرحي ليبرالي التوجه، والذي عبر عن انتقادات كثيرة للمجتمع الإيراني وقادته في مسرحياته، إنَّه وأمثاله من الإصلاحيين والمعتدلين كانوا مخطئين في المراهنة على الولايات المتحدة.

ولا يزال داشتاراي يحلم بإحضار الكاتب المسرحي الأميركي روبرت ويلسون ليعرض في إيران. لكن بالنسبة ترامب، يصفه داشتاري بأنَّه "الوجه الحقيقي للولايات المتحدة، وهي دولة غير عادلة ومصدّرة للأسلحة، لا تهتم بأي شخص، وبالأخص الإيرانيين".

وأضاف: "علينا أن نفهم أنَّ الولايات المتحدة كانت تتلاعب بنا طوال هذا الوقت. أثبت ترامب أنَّ المتشددين هنا كانوا على حق كل هذه السنوات حين قالوا إنَّ أميركا ليست مدعاةً للثقة بها".

ووصف القادة الإيرانيين، الذين اعتبرهم داشتاراي فترة طويلة غير مسؤولين في السياسة الخارجية، بأنَّهم "أصبحوا الآن أكثر الأحزاب منطقية. وأصبحت بطبيعة الحال أكثر تفضيلاً لهم".