الذعر وصل واشنطن وباريس عقب استقالة الحريري.. والسبهان تعرض للتوبيخ.. نيويورك تايمز تذكر سبب فشل خطة السعودية

تم النشر: تم التحديث:
SAAD HARIRI
Mohamed Azakir / Reuters

بعد 3 أسابيع من قراره الذي صدم دولته بتخليه فجأةً عن رئاسة الحكومة، وإقامته الغريبة في السعودية، عاد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى بلاده، وهو يباشر حالياً عمله، على الأقل خلال الوقت الراهن.

لكن رغم أنَّ عودته ووعده بحوارٍ سياسيٍّ حول مستقبل البلاد قد أبعد لبنان مؤقتاً عن حافة فراغٍ سياسي، فإنَّ المشكلات التي تسبَّبت في الأزمة لا تزال خطيرةً ومستعصيةً كما كانت قبل مغادرته، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

فلا تزال الدولة الصغيرة ساحةً لمعركةٍ في الصراع السعودي الإيراني على النفوذ في الشرق الأوسط. وتُعدُّ أيضاً موطناً لحزب الله، الجماعة المسلحة التي أصبحت قوةً إقليمية بسبب قدراتها التي تمتلكها هي.


لماذا فشلت الخطة السعودية؟


رغم من إنكار الحريري، فإنَّ سياسيين لبنانيين ودبلوماسيين أجانب يقولون إنَّ السعودية قد أرغمته على الاستقالة، حتى إنَّهم فكّروا في استبداله بشقيقه، على أمل إثارة تغييرٍ في الوضع الراهن، من شأنه أن يُضعِف قوة حزب الله.

بيد أنَّ هذه الخطة قد فشلت، جزئياً بسبب أنَّ حلفاء السعودية الغربيين قالوا إنَّ ذلك فاجأهم، وقد ضغطوا على السعودية للتراجع عنه.

والآن، عاد الحريري إلى بلاده مجدداً، ويحاول الجميع استكشاف ما هو قادم.

يقول ​نديم المنلا​، المستشار البارز للحريري: "إلى أين سنذهب من هنا؟ الجميع يُراقب إيران وحزب الله، وأعتقد حقاً أنَّ الكرة في ملعبهم الآن".

تكشف رحلة الحريري الغريبة إلى السعودية مدى الضعف الذي لا يزال يعتري لبنان في وجه تصادم الأجندات الإقليمية والدولية.

ففي النظام السياسي للبلاد القائم على أساسٍ طائفي، تعتمد معظم الأحزاب على قوى أجنبية من أجل الحصول على التمويل، مع توقُّعاتٍ من جانب هؤلاء الداعمين الأجانب بأنَّ تلك الأحزاب سترعى مصالحهم.

وقد لَعِبَ الحريري هذا الدور لصالح السعودية منذ تولي المنصب بعد والده، رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي قُتِلَ في هجومٍ بسيارةٍ مفخخة في بيروت عام 2005. وتدعمه أيضاً دولٌ تعتبره زعيماً معتدلاً موالياً للغرب، مثل الولايات المتحدة وفرنسا.

ويلعب حزب الله هذا الدور لصالح إيران، التي ساعدت في تأسيسه في الثمانينيات. وتعتمد إيران الآن على الحزب المسلح باعتباره تهديداً استراتيجياً ضد إسرائيل ورأس حربة عسكرية في العالم العربي، بما في ذلك سوريا.

وفضلاً عن وجهات نظرهما المختلفة حيال دور لبنان في العالم، هناك ضغينة وتشاحن بين الحريري وحزب الله.

فقد انتقد الحريري تدخَّل حزب الله في سوريا، ويُتَّهم بعض أعضاء الحزب بالتورط في اغتيال والده. بينما يقول حزب الله إنَّه لم يكن له أي دورٍ في ذلك.

بيد أنَّ اتفاقاً جرى التوصُّل إليه العام الماضي قد جمعهما معاً في حكومة تقاسمٍ للسلطة، إذ أصبح الحريري رئيساً للوزراء، وميشال عون، وهو حليفٌ مسيحي لحزب الله، رئيساً للجمهورية.

وقد نجحت التسوية محلياً. لكن مع تزايد قلق السعودية وولي عهدها الشاب الحازم، الأمير محمد بن سلمان، من أنشطة إيران وحلفائها في المنطقة، وجد السعوديون أنَّه لم يعد بمقدورهم، وعلى نحوٍ متزايد، أن يطيقوا ترأس حليفهم اللبناني حكومةً تضم أعضاءً من مجموعةٍ يعتبرونها منظمةً إرهابية وتهديداً أمنياً لهم.

ووفقاً لدبلوماسيين أجانب وسياسيين مقربين من رئيس الوزراء اللبناني، بلغ غضب السعوديين الذروة، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، عندما جرى استدعاء الحريري إلى الرياض وأُرغم على الاستقالة.

وبعد ساعاتٍ، قال المسؤولون السعوديون إنّهم أسقطوا صاروخاً أُطلِقَ من اليمن، بينما كان يقترب من العاصمة السعودية، الرياض. وألقى المسؤولون السعوديون باللَّوم على حزب الله لمساعدة المتمردين في اليمن، واتَّهم ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، إيران وحزب الله بـ"إعلان الحرب" ضد السعودية.

ولا يزال من غير الواضح ما الذي يتوقع السعوديون حدوثه بعد ذلك، لكنَّ فكرة استبدال سعد الحريري بشقيقه الأكبر، بهاء الحريري، على الأقل قد داعبتهم، معتقدين أنَّه قد يتخذ موقفاً أكثر تشدداً ضد إيران، وفقاً للدبلوماسيين الأجانب والسياسيين اللبنانيين.

ويقول آلان عون، وهو نائبٌ في البرلمان اللبناني عن حزب الرئيس اللبناني ميشال عون: "كان جزءاً من ذلك القول بإنَّ الحريري ليس مستعداً للقيام بهذا، لذا فلنجد شخصاً آخر يمكنه القيام به".


لسنا قطيع أغنام


لكنَّ الخطة جاءت بنتائج عكسية، وذلك بعد رفض السياسيون من مختلف انتماءات الطيف السياسي اللبناني وأفرادٍ آخرين من عائلة الحريري فكرة أن تستبدل السعودية السياسيين كما تشاء.

وقال نهاد المشنوق، وزير الداخلية اللبناني وحليف سعد الحريري للصحفيين هذا الشهر، نوفمبر/تشرين الثاني 2017: "لسنا قطيع غنم ولا قطعة أرض تنتقل ملكيتها من شخصٍ إلى آخر".

وأضاف منتقداً النظام الملكي في السعودية: "في لبنان، تجري الأمور بالانتخابات وليس بالمبايعات".


دور فرنسا وأميركا



وقد عَمِلَت دول غربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، للحفاظ على لبنان مستقراً، جزئياً لأنَّ البلد يستضيف أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري، الأمر الذي يجعل لبنان البلد الأكبر في العالم من حيث نسبة اللاجئين إلى المواطنين.

ولم يُطلِع السعوديون حلفاءهم الغربيين عن خططهم بشأن الحريري، وشعر المسؤولون في باريس وواشنطن بالذعر عندما أعلن الحريري استقالته.

وقال مسؤولون أميركيون إنَّه عندما وصل الوزير السعودي ثامر السبهان إلى واشنطن بعد الاستقالة بأيامٍ قليلة وبَّخه مسؤولو وزارة الخارجية الأميركية بسبب دفعه باتجاه القيام بعملٍ متهور شعروا أنَّه قد يُزعزع استقرار لبنان.

وتدخَّلت فرنسا أيضاً. فقد دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الحريري لزيارة باريس وطالب السعودية مراراً بتركه يُغادر البلاد.

وبعد زيارته لكلٍ من فرنسا، ومصر، وقبرص، وصل الحريري إلى بيروت يوم الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وحظي باستقبال الأبطال. وفي اليوم التالي، وأثناء احتفالٍ بعيد استقلال لبنان، أعلن أنَّه قد علَّق استقالته من أجل السماح بإجراء حوارٍ مع القادة السياسيين الآخرين.


هل يسلم حزب الله سلاحه؟


وسيتعين على أي حوار أن يتعامل مع قضية أنشطة حزب الله في الخارج، وهو أمرٌ يتجنبه السياسيون اللبنانيون لأنَّهم يعلمون أن لديهم تأثيراً ضئيلاً على جماعةٍ عسكرية أقوى بكثير من الجيش الوطني، حسب وصف نيويورك تايمز.

وقال آلان عون، عضو البرلمان، إنَّ الحريري عاد أقوى من ذي قبل، بفضل فيض الدعم الذي تلقاه من لبنان ومن حلفائه الأجانب.

وأضاف عون: "إنَّه يعود بفرصةٍ كبيرة، ولا أحد يعتبره مسؤولاً عما حدث. إنَّهم ينظرون له باعتباره ضحيةً لما حدث".

وقال إنَّه يتوقع أن يركز الحوار على فكرة أنَّ لبنان يجب أن يبقى بعيداً عن الصراعات في المنطقة. وقد انتهك حزب الله هذا الأمر سابقاً بإرساله مقاتلين ومستشارين إلى سوريا والعراق واليمن.

لكنَّ اتساع نطاق أنشطة حزب الله دفع الكثيرين للوصول إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ التعامل مع الحزب ليس مسؤولية لبنان وحده.

فقال عون: "لا يمكننا معالجة تلك القضايا من خلال حوارٍ لبناني، بل يجب أن تُناقَش على مستوى دولي".

وقد لا يمنح الداعمين الأجانب للأحزاب اللبنانية المجال الكافي للتفاوض بشأن ذلك الأمر.

ففي مقابلةٍ صحفية الجمعة الماضية، شَبَّه ولي العهد السعودي المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، بهتلر. ولا يمكن للحريري أن يوفر غطاءً لحكومةٍ لبنانية يعتبرها السعوديون خاضعة لسيطرة حزب الله.

وقبل يومٍ من المقابلة، دافع محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، عن حزب الله قائلاً إنَّه يجب أن يُمنَح أفضل الأسلحة من أجل حماية لبنان.

وقال جعفري: "هذا الأمر غير قابل للتفاوض".

وقال المنلا، مستشار الحريري، إنَّ المفاوضات المقبلة ستحتاج إلى تناول دور حزب الله الإقليمي، لكن لم يتضح ما إذا كان الحزب أو رعاته الإيرانيون مستعدين للتخلي عن ذلك.

وأضاف المنلا: "بالنظر إلى ما نسمعه منهم، يتساءل المرء عما إذا كانوا مستعدين للتوصل إلى تسوية".