"داعش" اعتدى على مسجد سيناء بدعوى محاربة التصوف.. فمن هم متصوفة مصر ولماذا يكرههم المتطرفون؟

تم النشر: تم التحديث:
SINAI
| STRINGER via Getty Images

الصوفية هي نسخة باطنية من الإسلام، وهي مدرسة من الممارسات التي تُركِّز على البحث الداخلي عن الله، وتتجنَّب المادية. ويعتز مريدو الصوفية في العصر الحالي بالتسامح والتعددية، وهي صفات تُزعِج المتطرفين الذين يتهمونهم بالشرك.

تعرَّضت الصوفية لهجومٍ عنيف في السنوات الأخيرة. وأمس، الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني، اقتحم مسلحون مسجداً صوفياً في شبه جزيرة سيناء، فقتلوا ما لا يقل عن 305 أشخاص، في حادثةٍ وصفها المسؤولون بأنَّها أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ مصرالحديث.

مسؤولية داعش

ويعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية”(داعش) المشتبه به الرئيسي في الهجوم ولكنه لم يعلن مسؤوليته عن الهجوم حتى الآن، إلا أن النيابة العامة المصرية أعلنت رسمياً السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 أن 25 إلى 30 إرهابياً هاجموا مسجد الروضة بشمال سيناء حاملين أعلام “داعش”.

وقد استهدف التنظيم الإرهابي الصوفيين في مصر من قبل. ففي العام الماضي، قام الجهاديون باختطاف قائد صوفي مسن، وبعد اتهامه بممارسة أعمال السحر قطعوا رأسه.

وآنذاك نشر التنظيم في نشرته الإخبارية الأسبوعية مقابلة مع قائد "قوة شرطة الأخلاق" في سيناء قال فيه إن "أولويتهم الأولى هي مكافحة مظاهر الشرك بما في ذلك التصوف".

وتبنى التنظيم مقتل عشرات الصوفيين في أماكن عديدة أبرزها في باكستان.

وإذا كان المسجد قد استهدف لعلاقته بالصوفيين، فهذا يعني أن المذبحة تتماشى مع تركيز التنظيم في مصر بشكل متزايد على الأهداف المدنية خصوصاً وأنه لم يحقق الكثير فيما يتعلق بالتمرد في سيناء بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

ويكن الجهاديون الكراهية للصوفيين بشكل خاص، فهم يتهمونهم بالشرك لأنهم يلتمسون شفاعة من مات من أئمة المسلمين.

ولكن في كثير من دول العالم الإسلامي، تم تقبل الصوفية منذ القدم، وتمارس من قبل المسلمين العاديين ومن قبل أهم علماء السنة.

وشيخ الأزهر، أكبر مؤسسة إسلامية في مصر، هو صوفي مثله مثل العديد من كبار رجال الدين في العالم الإسلامي.


صحيفة "نيويورك تايمز" تحاول توضيح ماهية هذا النمط من الاعتقاد الإسلامي؟ ولماذا يتعرَّض للهجوم من قبل المتطرفين؟


جذور الصوفية وممارساتها

الصوفية، أو التصوف، نوع من الباطنية الإسلامية التي تُركِّز على التفكُّر والقرب الروحاني من الله.

ومع أنَّ الصوفية يُساء فهمها أحياناً باعتبارها طائفة إسلامية، فإنَّها في الواقع أسلوب أو شكل أوسع من العبادة يتجاوز الطائفة، وتُوجِّه اهتمام أتباعها إلى التأمل الداخلي. وتُركِّز الممارسة الصوفية على التخلّي عن الأشياء الدنيوية، وتزكية الروح والتأمل الروحي في طبيعة الله. ويحاول المريدون الاقتراب من الله عبر السعي إلى التعلُّم الروحاني المعروف بالطريقة.

لماذا يستهدف المتطرفون الصوفية؟

بينما ينظر بعض المسلمين إلى الصوفيين باعتبارهم مُلتَوين أو حتى غريبي الأطوار، فإنَّ بعض الأصوليين والمتطرفين يرون التصوف تهديداً، ويرون أتباعه هراطقة أو مرتدين.

وفي شهر فبراير/شباط الماضي، هاجم مسلحون مرتبطون بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مصلين في ضريحٍ لفيلسوف صوفي في منطقةٍ نائية جنوب باكستان، فقتلوا ما لا يقل عن 80 شخصاً، وصفهم المسلحون بالمشركين. وقد تعرَّض الصوفيون الذين يُصلون عند أضرحة الأولياء، والتي تُعَد ممارسة أساسية لدى الصوفية، إلى هجماتٍ في الهند والشرق الأوسط أيضاً.

ويستهدف داعش الصوفيين لأنَّ التنظيم يعتقد بصحة صيغة واحدة أصولية من الإسلام.

ومنذ فترة ليست بالقصيرة، أعلن التنظيم أن صوفية سيناء هدف له نهاية عام 2016، كون أتباع الطريقة الجريرية "يقدسون الأضرحة، ويقرأون كلاماً يحتوي على ألفاظ شركية، مثل الاستغاثة بالنبي وطلب الشفاعة"، وهو ما قد يفسر الهجوم على مسجد والمصلين فيه.

الصوفيون وعلاقتهم بالحكومة المصرية

ورغم غضب الجهاديين من التصوف والمتصوفة في مصر، والاعتقاد بأن من العملية الإرهابية التي راح ضحيتها نحو 305 أشخاص شمال سيناء إلا أن "نيويورك تايمز" تذهب في تقريرها إلى أن الاعتراضات الدينية على أسلوب الصوفيين ليست العامل الوحيد وراء الهجمات عليهم.

إذ يقول الخبراء إنَّ الروابط الودية بين الصوفيين والحكومة المصرية ربما تكون عاملاً، ما يعطي للهجوم بُعداً سياسياً. وقد تعهَّد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي تولّى الحكم بعدما أطاح الجيش بالرئيس الإسلامي المُنتخَب ديمقراطياً، محمد مرسي، بالاضطلاع بدورٍ أكبر في حماية الأقليات الدينية.

وشأنها شأن نظرائها في الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة، تدعم الحكومة المصرية الصوفيين لأنَّها تراهم أعضاءً في فصيلٍ معتدل يمكن السيطرة عليه ويُستبعَد أن ينخرط في نشاطٍ سياسي، لأنًّ أولوياتهم مُوجَّهة إلى الذات.

ويقبل المشايخ الصوفية، بشكلٍ عام، شرعية الدولة، ما أدى إلى توتراتٍ مع المسلمين الذين يعارضون حكوماتهم وهم مستعدون للتحرُّك تعبيراً عن عدم رضاهم هذا، والقيام بأعمال عنف إذا تطلَّب الأمر.

ويعزز طرح نيويورك تايمز العديد من التقارير الصحفية المصرية التي تحدثت عن تبعية أغلب سكان قرية الروضة إلى قبيلة السواركة التي أعلنت مساندتها للجيش والشرطة في حربها على الإرهاب في سيناء بحسب ما أكد النائب في مجلس النواب المصري حسام الرفاعي.

وذهب الرفاعي إلى أن هجوم الجمعة كان بهدف الانتقام من مواقف السواركة الداعمة للجيش والشرطة.

وهو نفس المعنى الذي أكد عليه الإعلامي مصطفى بكري في برنامج "حقائق وأسرار" مساء الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما قال إن أبناء قبيلة السواركة دفعوا ثمن الدفاع عن تراب الوطن والوقوف بجانب الجيش والشرطة.

وكانت قبيلة السواركة أعلنت في بيان لها يوم 15 مايو/ أيار 2017، أن ستواصل "التصدي للمد التكفيري، والحرب على تنظيم داعش في سيناء".

والصراع بين داعش وقبيلة السواركة لم يكن حديثاً، ففي يوليو/تموز 2015، اختطف التنظيم الشيخ سليمان أبو حراز، ثم نشر صورته وهو مقطوع الرأس بعد إعدامه بالسيف، بدعوى ممارسة السحر والشعوذة.