قتلوهم وهم يصلون.. التفاصيل الكاملة لاستباحة مسجد العريش وتصفية المصلين في سابقة من نوعها بتاريخ مصر

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
STRINGER via Getty Images

على مدار أكثر من 50 عاماً منذ ظهور التنظيمات الإرهابية بمصر، لأول مرة يتم استهداف مسجد رغم انتشار مئات المساجد والأضرحة المحسوبة على الطرق الصوفية بمصر، إلا أنه لم يتم استهدافها، وهو ما يفتح المجال لعدة أسئلة هامة عن حادث استهداف أحد مساجد محافظة شمال سيناء.

أهم الأسئلة كيف تم الحادث، وما الهدف منه، وما الرسائل التي حملها؟ "هاف بوست عربي" تجيب عن تلك الأسئلة.


كيف تم الحادث وتوقيته؟


وفقاً لشهادات رواها شهود عيان من داخل سيناء، فإن المهاجمين كانوا يستقلون 3 عربات، اثنتان منها دفع رباعي، وتوقفوا أمام مسجد زاوية آل جرير بقرية الروضة التابعة لمركز بئر العبد شمال سيناء، حيث قاموا بفتح النار بشكل مباشر على كل المصلين المتواجدين بالمسجد عقب صعود الإمام للمنبر وبداية الخطبة.

وذكر شهود عيان أنه بعد إطلاق النار حدثت حالة من الهرج داخل المسجد وقام عدد من الشباب بالقفز من النوافذ واستطاعوا الإفلات من إطلاق النار، وبعد ذلك خرج المسلحون من المسجد وأحرقوا السيارات المتواجدة أمامه ونصبوا كميناً لعدة دقائق على الطريق الدولي لقنطرة العريش.


هل هو المسجد الوحيد في القرية؟


يوجد بالقرية مسجد آخر يرتاده عامة المواطنين، ولكن مسجد الروضة هو الأكبر، وهو محسوب على الطريقة الجريرية إحدى الطرق الصوفية، وأكبرها بسيناء، وهو ما يشير إلى أن هناك نية مبيتة لاستهدافه.


هل أعلنت جهة ما مسؤوليتها عن الحادث؟


حتى كتابة هذه السطور لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية.


هل هناك بصمات محددة في طريقة تنفيذ العملية من الجانب العسكري؟


اللواء محمد الغباشي الخبير الأمني، ومساعد رئيس حزب "حماة وطن" يقول إن العملية تحمل بصمة تنظيم داعش بسيناء، حيث تم تنفيذ العملية وفقاً لتخطيط مسبق بهدف إحداث أكبر كم من الخسائر البشرية، وكأن هدفهم "إبادة" من بداخل المسجد.

ويشير غباشي لـ"هاف بوست عربي"، أن استخدام ملثمين لعربات دفع رباعي، واختيار توقيت تجمع المصلين عقب صعود الخطيب للمنبر، واستهداف عربات الإسعاف للتأكد من وفاة أكبر كم من المصلين، جميع تلك النقاط تتشابه تماماً مع عمليات سابقة للتنظيم داخل سيناء.


كم عدد الضحايا.. من هم؟


وفقاً لما ذكره بيان النائب العام المصري، ونقله التلفزيون المصري، فإن الهجوم أسفر عن مقتل 235 شخصاً على الأقل، وأكثر من 109 مصابين.

فيما يقول أشرف أيوب المتحدث باسم اللجنة الشعبية لحقوق المواطن بشمال سيناء، إن أغلب الضحايا ليسوا من أبناء سيناء، وتقريباً القرية بأكملها من رجال ونساء وأطفال يتراوح عددهم ما بين 600 إلى 800 نسمة، والمسجد المستهدف تبلغ سعته 1500 شخص من الداخل، غير المصلين في الخارج.

ويكشف أيوب لـ"هاف بوست عربي" عبر اتصال هاتفي، أن معظم الضحايا من عمال محاجر الملح، حيث تقع قرية الروضة ومسجدها في منطقة محاجر الملح المنتشرة في محيط بحيرة البردويل بمركز بئر العبد بمحافظة شمال سيناء، وكذلك المسجد يقع على الطريق الدولي بتلك المنطقة، ومن المعتاد أن يكون نقطة تجمع سيارات النقل بتلك المنطقة، والضحايا من محافظات وادي النيل، مثل القليوبية والشرقية.

ونقل المتحدث باسم اللجنة الشعبية بشمال سيناء عن أحد أهالي القرية حين محادثته، أن من قتل من أبناء قرية الورضة تقريباً 20 شخصاً، والباقي من خارجها.


ما الجديد في أسلوب تنفيذ العملية؟


اللواء محمد الغباشي، يقول إن استهداف مسجدٍ لأول مرة بمصر هو أمر جديد تماماً، ويشير إلى منفذي العملية يريدون إحداث فتنة جديدة باستهدافهم الطريقة الصوفية، وهو تطور جديد للفكر الإرهابي بشكل مقصود ومخطط، والهدف منها نقل العمليات الإرهابية من قتال بين الشرطة والجيش إلى قتال بين المدنيين لكي تتحول مصر إلى عراق آخر يقاتل فيه المواطنون بعضهم البعض بسبب الاختلاف الطائفي.

فيما اختلف اللواء طلعت مسلم الخبير الأمني والعسكري مع هذا التحليل معتبراً أنه لا توجد رسائل وراء هذه التفجيرات من الجماعات التكفيرية في العريش، ولو أن هناك جديداً فهو مؤشر على فشلهم الذريع من خلال تطوير عملياتهم الإجرامية وتوجيهها لقتل المدنيين في ظل عدم قدرتهم على مواجهة الجهات الأمنية سواء الجيش أو الشرطة.

ويؤكد مسلم لـ"هاف بوست عربي"، أن هذه العملية هي آخر نقطة يمكن لهذه الجماعات الوصول إليها وستكون بداية لنهايتهم القريبة، لافتاً إلى أن هناك تنسيق أمني بين قوات الجيش والشرطة ومشايخ القبائل السيناوية، وهو الأمر الذي أوصل تلك الجماعات لمرحلة اليأس الذي دفعها لاستهداف المدنيين اليوم.


ما هي الرسائل التي رغب منفذا العملية من إيصالها للدولة المصرية؟


يقول الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إنه يجب أن نلاحظ عدم صدور بيان من أي جهة تتبنى هذه الجريمة حتى تلك اللحظة، وهذا يعني أن الجريمة من البشاعة من حيث أن أحداً لم يتبناها، وهذا يؤشر لغموض حول من يقف خلف تلك العملية، خصوصاً أن هذا النوع من الجرائم بعيد عن المجتمع المصري وليس هناك فتنة طائفية مسلمة مسلمة.

ويوضح نافعة أنه على الأرجح أن تلك الجريمة تحمل رسالة للدولة مفادها أنها مازالت قوية وتمتلك القدرة على الضرب، وهي تريد في الغالب إرهاب الدولة، والإصرار على إسقاطها، ولكن من حيث تأثيرها على الأحداث القادمة، فهناك شكوك حول رد فعل الدولة مثل تأثير ذلك على الانتخابات الرئاسية وتبرير عدم نزاهتها وتلك أمور مفتوحة تكشف عنها الأحداث القادمة.


ما دلالة استهداف مسجد محسوب على إحدى الطرق الصوفية؟


يرى نافعة أن القول بأن المسجد تابع لأحد الطرق الصوفية لا يعنى عدم وجود مصليين عاديين بداخله، ومصر لا يوجد بها هذا التصنيف المذهبي بمساجدها وهو أمر غير وارد ولا علاقة للصوفية بتلك الجريمة البشعة.

وفقاً لما قاله نافعة، فإنه من الوارد أن يكون التقارب الذي حدث بين القبائل السيناوية مع أجهزة الأمن هو أحد الدوافع لتنفيذ تلك العملية بهدف ردع تلك القبائل ولكن تلك الأمور لا يمكن حسمها إلا عبر من يتواجد على الأرض هناك ويعرف تفاصيلها.

ويتفق أشرف أيوب مع رؤية نافعة من أن استهداف مسجد للطرق الصوفية ليس الهدف الرئيسي من تلك العملية، ويقول "هنا في سيناء هناك شعور عام بأن هناك مخططاً لإخلاء المنطقة من سكانها، وأن الحديث بين القبائل والعائلات هو كيفية التمسك بالأرض، واستهداف المسجد سبقه استهداف ممنهج للأقباط وتم تهجيرهم بالفعل، واستهداف للقضاة وأعقب ذلك نقل كافة المحاكم لمحافظة الإسماعيلية، ومنذ أسابيع استهداف للبنك الوحيد وتم غلقه".

وتابع "الآن يتم استهداف تجمع بشري يفسره البعض استهدافاً للصوفية، والواقع يؤكد وقوع الكثير من الضحايا من عمال المحاجر، وجميع تلك المؤشرات تؤكد أن هناك مخططاً لإفراغ المنطقة والتسريع بتهجير سكانها، وهذا هو شعور أبناء سيناء".


هل هذا هو الاستهداف الأول لأهداف محسوبة على الطرق الصوفية؟


هناك حربٌ معلنة من تنظيم داعش على الطرق الصوفية بسيناء منذ منتصف 2016، حيث سبق أن قام التنظيم في ديسمبر 2016 بذبح الشيخ سليمان أبو حراز، أحد أكبر مشايخ الطرق الصوفية في سيناء، بعدما وصف التنظيم بـ"الكهان المرتدين".

وفى بيانه للإعلان عن تلك العملية توعد تنظيم داعش بقتل جميع أبناء الطرق الصوفية فى سيناء ممن رفضوا مبايعة ما يسمى "ولاية سيناء"، معلناً عن رصد جميع زوايا الصوفيين على أرض سيناء، ومن المقرر استهدافها فى القريب العاجل.

والملف للنظر في البيان الصادر منذ عام هو ذكر اسم المسجد الذي تم استهدافه اليوم، حيث قال التنظيم عن رصدهم لأماكن الزوايا الصوفية في أرض الطور، والصوفيون في سيناء ينقسمون إلى نوعين الطريقة الأحمدية والطريقة الجريرية، بحيث تنتشر الطريقة الأحمدية فى منطقة الجورة وما حولها كمناطق شبانة والظهير والملافية، وكذلك في منطقة الشيخ زويد وما حولها. أما الطريقة الجريرية فهي ثلاث زوايا رئيسية، هي زاوية العرب في الإسماعيلية وزاوية سعود في الشرقية، ويتبعها في سيناء زاوية الروضة ومنها زاوية حي أبوجرير، والطويل، وصباح.


ولماذا كان استهداف هذا المسجد تحديداً دون مساجد الصوفية الأخرى؟


أحد مشايخ سيناء الذي رفض ذكر اسمه يقول لـ"هاف بوست عربي"، إن انتماء معظم مريدي الطريقة الجريرية في بئر العبد لقبيلة السواركة، وهي تمثل رأس الحربة في تنظيمات القبائل المسلحة التي تواجه داعش بالتنسيق مع المخابرات الحربية داخل سيناء.


ما رسائل منفذي العملية للمجتمع المحلي والإقليمي؟


سعيد صادق أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، يقول إن الحادث الإرهابي الإجرامي الذي وقع اليوم في مدينة بئر العبد بالعريش ما هو إلا مجموعة من الرسائل القوية والخطيرة التي توجهها هذه الجماعات لعدة جهات، أهمها إعلان فشل كافة الأجهزة الأمنية في مهمتها الأساسية، حيث أن مساحة لا تتعدى 1% من مصر لا تستطيع إحكام قبضتها عليها كل هذه السنوات.

ويذكر صادق لـ"هاف بوست عربي"، أن استهداف المسجد وهو أحد المقدسات الإسلامية يحمل رسالة ترهيب للقبائل السيناوية، مفادها أن جرائم هذه الجماعات ليس لها سقف ولا تعترف بحرمة لإنسان أو مكان.

وأضاف أنه منذ ثلاث سنوات أو أكثر في منطقة العريش وسيناء تحديداً يمكن القول أن هناك عمليات إرهابية مستمرة بشكل يومي قد تكون صغيرة ولكن على فترات يأتي حادث كبير مفجع مثل حادث اليوم.

وتابع "الرسالة الأخيرة والأهم هو تقديم تنظيم داعش بسيناء نفسه كبديل تجمع عناصر التنظيم الهاربين من العراق وسوريا، وهنا نشير إلى أن الكثير من الخبراء أكدوا أنه بعد هزيمة داعش في سوريا والعراق وليبيا سيتجه التنظيم نحو مصر وتونس.