المقايضة السعودية.. بن سلمان يمنح مواطنيه المزيد من الحريات الاجتماعية مقابل خفض سقف المعارضة السياسية

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
Anadolu Agency via Getty Images

في إطار إحكام وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قبضتَه على السعودية، يفرض مقايضةً تلقى استحساناً لدى العديد من الشباب السعودي.

إذ يحاول الأمير الشاب في الأساس زيادة الحريات الاجتماعية مقابل سلب الحريات السياسية المحدودة التي كانت موجودةً في المملكة، وفق ما تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

جديرٌ بالذكر أنَّ هذا النهج أجدى نفعاً في دولٍ خليجية أخرى تتسم بنظام حكمٍ ملكي، ولعل أبرز مثالٍ على ذلك هو دولة الإمارات، حيث لا تتسامح السلطة قيد أنملةٍ مع المعارضة السياسية، بينما تتسم القواعد الدينية والاجتماعية بسعةٍ نسبية.

وتتمتع المرأة في الإمارات كذلك بالعديد من الحقوق المسلوبة منها في السعودية. إذ تُبقي وفرة خيارات الترفيه والتسوق مُثيري الاضطرابات السياسية مشغولين بأمورٍ أخرى.


تفسير صارم للدين ومنفتح في السياسة


تفرض السعودية -التي تُعَد أحد أكثر المجتمعات المُحافظة في العالم- تفسيراً صارماً للقواعد الدينية الإسلامية، لكنَّها كانت تسمح بدرجةٍ من الانفتاح السياسي.

وحتى ما قبل العام الجاري 2017، كان المُعارضون -من ذوي الميول الليبرالية أو المُحافِظة على حد سواء- يشعرون بحريةٍ نسبية في التحدث إلى الصحفيين الأجانب، وكانوا ينتقدون سياساتٍ حكومية مُهمة في بعض الأحيان.

لكنَّ هذا العصر انتهى الآن في ظل تحرُّكات الأمير محمد الأخيرة لتوطيد السلطة قبل خلافة والده الملك سلمان.

اعتقل الأمير العديد من المعارضين الليبراليين والمحافظين، فضلاً عن بعض رجال الدين وبعض الأمراء، في موجة اعتقالاتٍ في سبتمبر/أيلول بعد الإطاحة بسلفه ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف في يونيو/حزيران.

ثم جاءت حملة التطهير التي لم يسبق لها مثيل فى 4 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتي شهدت اعتقال أمراء ومسؤولين بارزين وأعضاء رئيسيين في مجتمع رجال الأعمال بالمملكة في وقتٍ واحد في إطار تحقيقات متعلقة بالفساد.

وفي ظل امتداد هذه الحملة لتطال المئات من أعضاء النخبة في المملكة، يجرؤ عددٌ قليل من السعوديين في هذه الأيام على انتقاد النظام الجديد ولو سرَّاً.

تقول مضاوي الرشيد، الباحثة الأكاديمية السعودية الأستاذة الزائرة لدى كلية لندن للاقتصاد: "خلقت الاعتقالات أجواءً من الخوف لمنع الناس من مناقشة ما يجري في البلاد".

ويؤكد أنصار الأمير محمد أنَّ هناك حاجةً إلى مثل هذا النهج القوي لإنهاء سُلطة المحافظين الدينيين وتغيير الأوضاع بالمملكة في وقتٍ يعجز فيه اقتصادها عن مواكبة عدد الشباب المتزايد.

إذ قال علي الشهابي، المدير التنفيذي لمركز "المؤسسة العربية" البحثي الذي يقع مقره في واشنطن ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحكومة السعودية: "إنَّه (الأمير محمد) يبذل قُصارى جهده في إجراء تغييرٍ هيكلي عميق يجب إجراؤه بسرعةٍ كبيرة، ولا يوجد وقتٌ لخلق توافق في الآراء".


تكلفة صغيرة لجراحة عميقة


وأضاف: "هذه تكلفةٌ صغيرة للجراحة العميقة التي كان ينبغي إجراؤها في السنوات العشرين أو الثلاثين الماضية. فهو لديه التصُّور الصحيح لما ينبغي أن تُصبح عليه السعودية. وهذا الأمر يحتاج إلى ديكتاتورية خيِّرة".

ويتمثل أبرز التغييرات الهيكلية التي أجراها ولي العهد في القرار بالسماح للمرأة بقيادة السيارات أخيراً. وذلك فضلاً عن الحد من صلاحيات الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وتخفيف صرامة قواعد الفصل بين الجنسين عن ذي قبل. وتنظيم الحكومة حفلاتٍ وعروضاً موسيقية لم تكن مُتصوَّرةً قبل بضع سنوات.

بل وصل الأمر إلى إنشاء هيئة عامة للترفيه لضمان حصول كل فردٍ على نصيبه من المرح.

ولقيت هذه الإجراءات كُلُّها استحساناً وسط شباب المملكة، الذين يُشكِّلون الغالبية العظمى من سكان المملكة. إذ تشعر قلةٌ من الشباب السعودي بالأسى تجاه ما يُصيب نُخَب البلاد القديمة، بينما يبتهج الكثيرون بذلك.

وتحظى الحريات الاجتماعية الجديدة في حياتهم بأهميةٍ أكبر من الفضاء السياسي المُتقلِّص.

يقول صالح المُبادل الذي يعمل عازف غيتار في فرقةٍ مكونة من رجلين أقامت نحو 10 حفلاتٍ موسيقية جماهيرية في العام الجاري: "لقد صار الصعود على المسرح أسهل كثيراً الآن في ظل تحلِّي الناس بمزيدٍ ومزيدٍ من الانفتاح. إذ كُنَّا نضطر من قبل إلى العزف أمام الرجال فقط، والآن صرنا نعزف أمام الرجال والنساء".

وأثارت الإصلاحات على نحوٍ مفاجئ -إلى الآن على الأقل- القليل من ردود الفعل الحادة من جانب المحافظين الدينيين السعوديين الذين لطالما اعتبر آل سعود نفوذهم سبباً لعدم الإقدام على تغيير الأوضاع.

ويوضح فيصل السديري، نائب مدير حلبة ديراب الواقعة على مشارف العاصمة الرياض التي تتضمن مسار سباق سيارات ومساحة للحفلات الموسيقية: "دائماً ما ستكون هناك شكاوى من بعض الأشخاص، لكنَّهم ليسوا كثيرين كما كنا نتوقَّع".

ويضيف: "كنا نظن قبل 3 سنواتٍ أنَّنا سنرى بعض المقاومة لكنَّ ذلك لم يحدث. فالمجتمع ليس مُحافظاً كما كنا نظن".

وشهد أحد الأيام من مدةٍ قريبة اكتظاظ الحلبة بشبابٍ سعوديين يستعرضون البضائع المُباعة في بعض عربات الطعام المتجوِّلة وأكشاك الحلي الصغيرة. وكانت هناك بعض الشابات يمشين دون حجاب مع دويّ أصداء موسيقى غربية صادرة من إحدى الخيم التي تُقدِّم عروضاً للهواتف المحمولة.

يقول عمر حسين، البالغ من العمر 31 عاماً ويُعَد أحد المشاهير السعوديين على موقع يوتيوب ويُقدِّم حاليَّاً برنامجاً تلفزيونياً سعودياً: "ما يحدث الآن تغيُّراتٌ ملموسةٌ جداً، تغيُّراتٌ تؤثر على الحياة اليومية. لكنَّ جيل الشباب ليس صبوراً بما يكفي، والناس لديها الكثير من التوقعات الكبيرة".

كان حسين ضمن مئات الشباب السعوديين الذين حضروا منتدى مسك الباهر الذي عُقِد الأسبوع الماضي برعاية الأمير محمد والذي استضاف بيل غيتس في عشاء الافتتاح.

وشهد المنتدى امتزاج ضيوف من دول غربية ومواطنين سعوديين في ورش عمل عالية التقنية مع عرض مصطلحاتٍ مستقبلية حول "اقتصاد المعرفة" على شاشات فندق فور سيزونز في الرياض حيثُ عُقِدَ المنتدى.

لم يحضر الملياردير الأمير الوليد بن طلال، المالك الرئيسي للفندق وابن عم الأمير محمد؛ إذ كان في جهةٍ أخرى من المدينة حيث يَحُل مُكرَهاً ضيفاً مع العديد من أعضاء النخبة السعودية في فندق ريتز كارلتون الفخم، الذي صار مركزَ احتجازٍ دون إعدادٍ سابق في الرابع من الشهر الجاري.