يرى نفسه في مهمةٍ تاريخية.. فايننشيال تايمز: بن سلمان يخطط لحكم السعودية 50 عاماً.. أمامه 3 تحديات

تم النشر: تم التحديث:
S
s

حِرْص ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، على تنويع مصادر دخل المملكة، نابعٌ من تخطيطه لحكم البلاد للخمسين عاماً القادمة، حسبما قالت صحيفة فايننشيال تايمز.

تقرير للصحيفة عمل على تقييم سياسات بن سلمان الحالية، على تنفيذ خطته لتطوير وتحديث المملكة.

وقال التقرير إنه من المرجح أنَّ حملة مكافحة الفساد والاعتقالات التي أمر بها بن سلمان، والمطالب اللاحقة التي أصدرتها سلطات إنفاذ القانون في البلاد بتسليم المحتجزين مليارات الدولارات من أموال "الكسب غير المشروع" للدولة، قد أوقفت عدداً لا يحصى من الصفقات الفاسدة، التي كانت لتسلك الطريق ذاته، لولا ما قام به محمد بن سلمان.

وهذه بالتأكيد إحدى الطرق لمكافحة الفساد، لكنَّ التجربة تخبرنا أنَّ مثل هذه الحملات تميل إلى أن تكون تعسفية، وتهدم في الوقت ذاته التوافق السياسي، وتهز ثقة المستثمرين والأسواق المالية في البلاد، حسب فايننشيال تايمز.

وأكثر من ذلك، يمكن لهذه التكتيكات الثقيلة أن تعوق جهود الأمير الشاب، بدلاً من مساعدته على تحقيق أهدافه الجديرة بالثناء، حسب وصف صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية.


سيحكم لخمسة عقود


وبعد تنصيبه ولياً للعهد، أصبح الأمير البالغ من العمر 32 عاماً فقط يتصرف بناءً على أساس أنَّه قد يصبح رئيساً للدولة لفترةٍ تدوم خمسة عقود أو أكثر، أي بعد مرور فترة طويلة على التخلي عن النفط، باعتباره المحرك الرئيسي لأهمية المملكة الدولية وازدهارها المتزايد.

ولذلك فهو يرى نفسه في مهمةٍ تاريخية لتغيير الاقتصاد السعودي جذرياً، والأهم من ذلك، جعل المجتمع السعودي أكثر انفتاحاً وحداثة.

ولأن التاريخ وشعبه سيحاسبانه على نجاح هذه المشاريع المهمة أو فشلها، قد يكون هذا سبباً محتملاً وراء محاولاته لتعزيز سلطته بهذه السرعة.


من يدعمه؟


يبدو أنَّ الأمير يراهن على المستقبل، ويحظى بدعم قوي من السيدات والسعوديين المتعلمين، ودعمٍ ملحوظ من الجيل الأصغر، الذي يُعد ثلثاه، للمفارقة، أصغر منه سناً.

إنَّ رؤية ولي العهد لمستقبل السعودية تنمّ عن اقتصادٍ أكثر تنوعاً، وقطاعٍ خاص موسع ونابض بالحياة، ودور أهم للمرأة في المجتمع، وقوة عاملة سعودية تحل تدريجياً محل المغتربين في جميع قطاعات الاقتصاد. أمَّا بالنسبة للمجال الاجتماعي والثقافي، فإنَّ رؤيته وتصريحاته العامة تنبئ بمجتمع أكثر "اعتدالاً وتقبلاً لجميع الأديان الأخرى، وجميع التقاليد والشعوب".


ثلاثة تحديات


وبقدر ما تثير هذه الأهداف الإعجاب، يواجه الأمير ثلاثة تحديات رئيسية أمام خطته التحديثية: في التنويع الاقتصادي، والتحديث الاجتماعي والثقافي، وفي تأمين بيئة محلية وإقليمية هادئة تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف.


التحول من النفط


وفيما يتعلق بالتنويع الاقتصادي، لا يزال اعتماد المملكة على النفط أمراً بالغ الأهمية، فهو يمثل نحو 80% من عائدات التصدير وإيرادات الميزانية في البلاد.

وسيواجه البلد تحدياً يتمثل في تكرار تجربة الاقتصادات الناشئة الصغيرة التي قللت بصورة ملحوظة اعتمادها على الموارد غير المتجددة، مثل تجربة المكسيك، وماليزيا، وإندونيسيا.

بدأت البلدان الثلاثة في وقت مبكر من عصر العولمة، وربطت اقتصاداتها بسلسلة القيمة العالمية للإنتاج والتجارة. وشملت السياسات المستهدفة التحرير الانتقائي للتجارة، ووضع قيودٍ على زيادة الأجور، وجعل أسعار الصرف أكثر مرونة (وذلك بعد التجارب الصادمة التي مرّت بها مع الأسعار الثابتة). وركزت سياسات جانب العرض على الإصلاح المؤسسي، والاستثمار في التعليم والمهارات.

وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ نظام التجارة في السعودية، الذي لا يتبع نظام الرسوم الجمركية، والزيادة المطردة في الأجور، والعملة المبالغة في تقديرها المرتبطة بالدولار الأميركي، أضعفت القدرة التنافسية للبلاد.

والأهم هو عدم وجود تطابق بنيوي بين المهارات والمؤهلات التعليمية للقوى العاملة السعودية، فيما يتعلق بالطلب في السوق.

ويعمل 90% من السعوديين في القطاع العام، بينما يعمل 19% فقط في القطاع الخاص، حيث تهيمن العمالة الوافدة. وبالتالي، فإنَّ تنويع العمالة السعودية لخلق هيكل صناعي أكثر توازناً سيكون تحدياً شاقاً وشديد الصعوبة.


التقاليد


أما التحدي الثاني فهو يتعلق بالجهود التي يبذلها الأمير محمد لتحديث المجتمع السعودي وتحريره بصورةٍ ما، وذلك بالحد من تأثير التقاليد والمواقف الثقافية الجامدة.

ومن هنا، يبدو أنَّ الأمير، المتورط بالفعل في مواجهة مع المؤسسة الدينية القوية، قد حقق انتصارات مبكرة. إذ جرَّد الشرطة الدينية (المتطوعين) من سلطاتهم للاعتقال، فيما اعتقل أولئك الذين وقفوا في طريقه، بينما كسر التابوه المتبع منذ عقود ضد قيادة المرأة. ولتعزيز سلطته في هذا المجال، جعل الهيئة الدينية الرئيسية في البلاد، وهي هيئة كبار العلماء، تؤيد معركته ضد الفساد باعتبارها واجباً دينياً.

وفي المستقبل، يتمثل التحدي الأكبر في المضي قدماً في إصلاح الأعراف الاجتماعية والثقافية المتعمقة في المجتمع، وإصلاح النظام التعليمي، حيث تتمتع المؤسسة الدينية بنفوذ هائل؛ وهذا هو السبب في أنَّ الجهود المستمرة لإعادة تشكيل التعليم قد تعثرت حتى الآن، ولم يتمكن ولي العهد إلا من إدخال تحسينات هامشية على التعليم. وما يجعل هذه المهمة شديدة التعقيد، هي سياسة الدولة، والمواقف الاجتماعية المحافظة بشدة، والقدرات التقنية المحدودة.


النخب والاستقرار


وأخيراً، فإنَّ خطط الأمير محمد الطموحة سوف تتطلب التوصل إلى توافق في الآراء داخل أسرة آل سعود المتوسعة، وحشد دعم النخب الفكرية والتجارية والتكنوقراطية ومشاركتهم، وطمأنة المستثمرين الأجانب والأسواق المالية العالمية، وتركيز عميق على المهام شديدة التعقيد التي بانتظاره.

وستحتاج المملكة السعودية أيضاً إلى فترة طويلة من الهدوء الإقليمي، لمدة لا تقل عن جيل أو أكثر، إذا كان مقدراً لها أن تنجح في هذا التحول التاريخي. ومع ذلك، يبدو أنَّ الإجراءات والأحداث الأخيرة، سواء على الصعيد الداخلي أو في الجغرافيا السياسية في المنطقة، قد زادت احتمالات النجاح غموضاً بدلاً من توضيحها.