بقايا الحرب العراقية الإيرانية في موقع أثري شاهد على النزاع الدموي الذي استمر 8 أعوام

تم النشر: تم التحديث:

كتبت عالمة الآثار الحرة المُتخصِّصة في شؤون العمران في العصر البرونزي في منطقة العراق، ماري شيبرسون، مقالاً لها في صحيفة الغارديان البريطانية، ترصد فيه تجربتها بالعمل في منطقة أثرية، كانت مسرحاً للحرب العراقية الإيرانية الدموية.

وتقول شيبرسون التي تعمل حالياً في مدينة كاركس سباسينو بمقاطعة البصرة، إن المنطقة الحدودية بين إيران والعراق تعج بشكل ملحوظ بالمواقع الأثرية، التي تعد بدورها أفضل المواقع الدفاعية في فترات الحروب، ليرتفع بذلك مستوى الأرض التي ينبغي أن تجري فيها أعمال الحفر.

وتبلغ مدينة كاركس سباسينو من العمر ألفي عام، وقد أسسها الإسكندر الأكبر عام 324 قبل الميلاد، إلا أن الموقع كان قبل ثلاثين عاماً يحتضن آلاف الجنود العراقيين.

وكانت الحرب العراقية - الإيرانية على وشك الانتهاء، وكلا طرفيها منهكين بفعل موجات العمليات التي جعلت عام 1987 أكثر سنوات الحرب دموية. وقد خلف حصار البصرة في ذاك الربيع مقتل 60 ألف جندي إيراني على الأقل و20 ألف جندي عراقي.

وتتابع العالمة حديثها قائلة ليست كاركس سباسينو الموقع الأثري الوحيد الذي أعيد شغله إبان النزاع الذي استمر ثمانية أعوام.

ونادراً ما يخلو أي موقع أثري شرقي العراق من بقايا مواضع مدفعية أو مركز مراقبة محفور أعلاه. وفي كاركس سباسينو، كانت الأسوار التي لا تزال قائمة حتى اليوم، السبب في دمج هذا الموقع ضمن خطوط الدفاع العراقية شمالي البصرة.

وتقام الأسوار المصنوعة من الطوب الطيني على الجانبين الشمالي والشرقي للمدينة (أي في الاتجاهات التي كانت احتمالية شن الهجمات الإيرانية منها أعلى) بارتفاع يصل إلى ثمانية أمتار، فوق السهل الرسوبي المسطح على امتداد ما يقرب من 3.5 كم.

وقد حُفِرَ 45 ثقباً على الأقل في المستوى الأعلى من الجدران العتيقة، مع وجود سلالم من الحطام على الجانب الداخلي، بحيث يمكن دمج الدبابات والمدفعية في الأسوار.

وعلى امتداد الجزء العلوي للجدران العتيقة، حُفِرَت مواقع للمشاة داخل الطوب الطيني، واتصلت بخنادق تمتد من ورائها على طول المنحدر العكسي.

ولا يزال 199 من تلك المخابئ على الأقل ظاهراً في قمة الأسوار، وكل واحد منها كبير بما يكفي لضم ما بين رجلين إلى أربعة رجال. وفي بعض المناطق، لا يزال من الممكن رؤية بقايا أكياس الرمال.

وقد استخدم الجيش العراقي أمام الجدران ومن خلفها بلدوزرات لتشييد سواتر وحفر خنادق مساعدة وحفر لتخزين المعدات والذخيرة. وقد وضعت خلف الجدران وحولها مئات المركبات: الدبابات وناقلات الجنود وحاويات الوقود وشاحنات الإمداد، وكل مركبة منها محاطة بحواف مجرفة من البقايا الأثرية، التي عادة ما يجري تكديسها في شكل حدوة فرس، لتوفير الحماية على ثلاثة جوانب، ومهرب عبر الجانب الرابع.

وبلغ عدد مواقع المركبات تلك 212 حتى الآن، في نطاق مساحة خمسة كيلومترات مربعة من المدينة العتيقة، هذا بخلاف المواضع العديدة الأخرى التي تظهر على الفور خارج الأسوار.

وتقول شيبرسون: "في كل مكان تنتشر شظايا معدنية، معظمها غير قابل للتعرف عليه، غير أنه توجد شظايا مركبات ضخمة في صورة مجموعات، حيث تركت المركبات وناقلات الجند لتتحلل. وتختلط الرصاصات النحاسية الخضراء المتآكلة بالعملات الفرثية والساسانية القديمة".

وأحياناً ما تظهر بعض المتعلقات الشخصية للجنود: خوذةٌ وأزرار وسحاب معطف وجورب لمجند في الجيش العراقي؛ جميعها من المخلفات الصغيرة للرجال الذين حاربوا هنا على مدى سنوات طويلة شاقة.

ويذكر علي وهيب عبد العباس، الذي عينته سلطات الآثار حارساً على الموقع ويساعد شيبرسون وفريقها في الأعمال الجيوفيزيائية، إن "مهندسي الجيش وصلوا عام 1984 وقطعوا الجدران العتيقة وحفروا خنادقهم، وتمركزت المئات من الدبابات والقوات في الموقع، ونُقل السكان المحليون إلى قرى مجاورة".

وعبد العباس التحق بالجيش وهو في الثامنة عشرة وحارب في القطاع الشمالي حول حلبجة قبل أن يجري نقله إلى الجبهة الجنوبية في المراحل المتأخرة من الحرب.

ولم يصل الإيرانيون قط بشكل كامل إلى كاركس سباسينو؛ إذ يروي عبد العباس "أن أقرب هجوم شنه الإيرانيون من المكان عام 1987 قد تم إيقافه في "مجنون"، وهو حالياً حقل بترول مهم على بُعد كيلومتر واحدٍ شمال الموقع".

ومع ذلك، خلّف النزاع ندوباً عميقة في جسد المدينة كذلك في "جسد عبد العباس، الذي كشف عن ساقه ليرينا آثار الحرب عليها".

وتتابع العالمة قولها: "يشكل سجل بقايا الحرب العراقية الإيرانية في هذا الموقع والمنطقة المحيطة جزءاً من المسح الأثري الذي نجريه الآن، وهو واحدٌ من المسوح التي أسعد كثيراً بعملي فيها".

ومن كافة الوجوه، تمثل التركة العسكرية في موقع كاركس سباسينو مرحلة مهمة من مراحل شغل هذا الموقع، وكذلك باعتباره السجل العسكري لأحداث تاريخية كبيرة كان لها أثر عميق على العراق والمنطقة بشكل أوسع.

وعند مناقشة الأنشطة العسكرية في المواقع الأثرية، وتحديداً تلك المتصلة بالنزاعات الجارية حالياً، أو التي دارت رحاها مؤخراً في العراق وسوريا، فإن ما يتبادر إلى الأذهان أن هذا النشاط العسكري كان شراً محضاً وألحق ضرراً بالسجل الأثري.

ولكن، ومع أن استخدام المواقع الأثرية لأهداف عسكرية يعد جانباً سيئاً من جوانب الحرب، من المهم أن نذكر أن تلك الأنشطة تعد هي الأخرى سجلاً للأحداث التاريخية والسياسية المهمة، في مشهد لا يزال يتشكل بفعل الإشغال البشري.