"عريضة المرأة ضد القهوة".. لماذا عارضت الإنكليزيات ذلك المشروب الرائع؟

تم النشر: تم التحديث:
ENGLISH WOMAN COFFEE
Social Media

القهوة، ذلك المشروب السحري، الذي طالما اعتاد الملايين شربه في صباحاتهم الباكرة وعلى مدار اليوم، وأيضاً يعد المشروب الذي ألهم الكثير من الشعراء على مرّ العصور، حتى ذكروها في قصائدهم، مثل محمود درويش ونزار قباني.

لا ينبع ثراء مشروب القهوة من نكهتها المحببة فقط، لكنها ثرية أيضاً بتاريخها وطقوس تناولها وطريقة تعامل كل بلد معها، ومن تاريخ القهوة يطل علينا ذلك الحدث الذي تجسَّد في عريضة قدَّمتها المرأة البريطانية ضد القهوة أمام البرلمان الإنكليزي عام 1674م، فيا ترى ما الذي استدعى حدوث هذه المعارضة غير المألوفة؟ هذا ما سنتعرف عليه في سطور التقرير.


في البداية.. لماذا رفعت النساء العريضة؟


عندما أُدخلت القهوة لأول مرة إلى إنكلترا أواخر عام 1600م، لاقت ترحيباً كبيراً من جانب الرجال هناك، حتى إنهم استبدلوا الكحول بالقهوة، وارتادوا المقاهي التي أضحت بمثابة بيتهم الثاني.

ولما كانت المقاهي حكراً على الرجال دون النساء في تلك الحقبة الزمنية، إذ إن النساء المحترمات كن لا يرتدن المقاهي، وعليه شعرت النساء الإنكليزيات بالملل الشديد، ولاحظن تغير أزواجهن الذين أصبحوا يقضون معظم أوقاتهم خارج المنزل بصبحة ذلك المشروب الدخيل، وبرفقتهم المومسات اللاتي كان باستطاعتهن دخول المقاهي بكل سهولة لاقتياد الرجال لخارجها، وعليه قرَّرت النساء رفع عريضة ضد مشروب القهوة أمام البرلمان الإنكليزي، تحت عنوان "عريضة المرأة ضد القهوة".


كيف برَّرت النساء مطالبهن؟


جاء في متن العريضة التي رفعتها النساء للبرلمان، أن القهوة تؤثر على قدرة الرجال الجنسية، وتجعلهم سيئين للغاية في الفراش، بالإضافة إلى تحول رجال إنكلترا العظام الذين عُرفوا برجولتهم القوية إلى نسخة مكررة من رجال فرنسا المائعين، ولذلك طالبت العريضة بمنع شرب القهوة واستبدالها بالنبيذ.

يُذكر أن غضب النساء ضد القهوة لم يكن نابعاً فقط من الأسباب سالفة الذكر، وإنما سببه أيضاً أصول القهوة العربية، إذ رأت النساء أن القهوة ما هي إلا دواء جديد من العالم العربي المخيف والمجهول بالنسبة للأوروبيين، وذكر المؤرخون أن العريضة لاقت انتقادات عديدة، لأنها ركَّزت على الآثار البيولوجية للقهوة.

لم يقف رجال إنكلترا مكتوفي الأيدي أمام العريضة، فردُّوا عليها بتأكيدهم أن مشروب القهوة يساعدهم على الانتصاب بشكل أكثر قوة، وأما فيما يتعلق بتشبيه النساء للقهوة بالنبيذ المغشوش، فقد أكد الرجال في ردِّهم أن القهوة مفعولها أقوى من النبيذ، وتجعلهم في حالة روحية لا مثيل لها.


ما المكانة التي حظيت بها المقاهي في تلك الحقبة الزمنية؟


شهد القرن السابع عشر تحولاتٍ كبرى في بنية المجتمعات الأوروبية بشكل عام، والإنكليزية بشكل خاص، ولعبت المقاهي دوراً كبيراً في تلك التحولات؛ إذ أطلق المؤرخون على المقاهي آنذاك اسم "جامعات البنس الواحد"، فقد كان مرتادو المقهى يحصلون مقابل بنس واحد على شتى أنواع المعرفة، كالرياضيات والفلسفة والفيزياء، إلى جانب اطِّلاعهم على أخبار الأدب والسياسة، وقد وصف الفيلسوف الألماني "هوبر ماس" المقاهي بأنها الوسيط بين الطبقات الشعبية من جهة والبرلمان ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، وقد تطوَّرت المكانة التي حظيت بها المقاهي على النحو التالي:


أولاً: بداية المقاهي في المجتمعات الأوروبية


افتُتح أول مقهى في لندن عام 1652م، بالقرب من جامعة "أكسفورد"، وقد واجهت المقاهي وقتها حملاتٍ دينية وسياسية معارضة، إلى جانب الحملة المضادة التي قادها تجار الكحول، وكانت حجة الحملات الدينية آنذاك أن القهوة هي منحة من الشيطان للمسلمين، المحرم عليهم احتساء النبيذ.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد حاول الملك "تشارلس الثاني" إغلاق المقاهي عام 1676م؛ خوفاً من تحولها لمرتع لقوى المعارضة، ولكن مستشاره "ولين كارفنتري" أثناه عن قراره، بحجة أن المقاهي هي التي أعادت له عرشه، وذلك بتأليب المواطنين ضد دكتاتورية "كرومويل" والمطالبة بعودة الملكية.


ثانياً: صمود المقاهي أمام سلطة الحكام ودورها العلمي المتنامي


رغم كل الحملات التي وُجهت ضد المقاهي، وفي مقدمتها عريضة المرأة ضد القهوة، فإن المقاهي انتشرت في لندن بسرعة هائلة، ومن أشهر المقاهي الإنكليزية في ذلك الوقت مقهى "مارينز"، ومقهى "سوان" في لندن، اللذان كان يجتمع الناس فيهما للاستماع إلى محاضرات العالم "جيم هادجستون" في الرياضيات والفيزياء.

وفي مقهى "كريشان" ومقهى "كارواي" كانت تعرض التجارب العلمية والاختراعات الجديدة، إلى جانب إيضاح المبادئ العلمية بلغة مبسطة لعامة الناس، مما أثار حنق العلماء، بحجة أن العلم له تخصصاته، ولا يمكن أن يُبتذل بعرضه في المقاهي.

أما مقهى "كاراوي" ففيه تأسست "الرابطة الملكية للعلماء"، وكان العالم "كريستوفر راين" أول رئيس لها، ثم فاز برئاستها العالم الشهير "إسحاق نيوتن"، ومن المفارقات التاريخية المثيرة، أن كتاب "الأسس الرياضية في الفلسفة الطبيعية" لـ"نيوتن" كُتب على إثر حوارات جرت بين العلماء "روبرت هوك" و"إدموند هالي" و"كريستوفر راين" و"جون فلامستد" في مقهى "كاراواي".

ثالثاً: المقاهي كمقر للمثقفين والتجار


كان الشاعر البريطاني الشهير "جون درايدن" يُلقي قصائده بشكل شبه يومي في مقهى "ويلز"، إذ كانت الجماهير تحتشد قبلها بساعات، وقد اتبعت مقاه كثيرة هذا الطقس، من أجل إقامة أمسيات شعرية وندوات أدبية لروادها.

كما شهد مقهى "جوناثان" ومقهى "رين بو" في لندن تجمع مواطني الطبقة الوسطى، بهدف حضور المزادات التي كانت تُقام لبيع وشراء اليخوت والمراكب والعدد الصناعية، كما كانت تُباع فيها أيضاً الأسهم وبوليصات التأمين، وتأسست في تلك المقاهي "رابطة التجار" ونقابات رجال الأعمال والصناعة، التي تعاظم نفوذها لتصبح قوة ضاغطة على البرلمان الإنكليزي والحكومة، إذ بموجب قوتها أصدر البرلمان الإنكليزي عام 1688م، تشريعات لتنشيط الاقتصاد، وذلك عبر إشراك أكبر عدد من الرأسماليين في تنافس حر، كما أصدر البرلمان أيضاً قوانين حماية تمنع استيراد الأنسجة القطنية الأجنبية، وتمنع كذلك نقلها على السفن الإنكليزية.

يُذكر أن مؤسسة "لويدز أوف لندن" التي تعدُّ من أكبر المؤسسات المالية في بريطانيا في الوقت الحالي، ليست سوى امتداد لمقهى لويدز وصاحبه "إدوارد لويدز".