روسيا تتفق مع أميركا على خطة للسلام في سوريا.. الأسد يريد التملّص منها رغم عناقه الحار مع بوتين

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

دشَّنَ الرئيس الروسي، فلاديمير، بوتين دفعةً كبيرة جديدة، الثلاثاء الماضي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، لإنهاء الحرب في سوريا، بعد زيارةٍ غير معلنة للرئيس السوري بشار الأسد إلى روسيا، بدت تأكيداً لدوره مستقبلاً في أي تسويةٍ نهائية.

وتستند المبادرة الروسية إلى اتفاق تم التوصل له في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري مع الرئيس الأميركي ترامب، تعترف الولايات المتحدة بمقتضاه بدور روسيا في العملية الدبلوماسية السورية، مقابل قبول روسيا باستمرار دور الولايات المتحدة في سوريا مع اقتراب إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


الترويج للخطة



وبعد لقاء بوتين والأسد، قضى الرئيس الروسي وقتاً طويلاً من يوم الثلاثاء في محادثات هاتفية مع زعماء إقليميين وعالميين؛ سعياً للحصول على دعمهم للمقترحات التي من شأنها أن تُكلِّل التدخل العسكري الروسي الناجح نيابة عن الأسد عام 2015 في صورة انتصار دبلوماسي يضع روسيا في مصاف اللاعبين الدوليين المهمين بعد دورها بسوريا.

وبدأ التحرك الدبلوماسي الجديد بإعلان الكرملين أن الأسد قد التقى بوتين يوم الإثنين في مدينة سوتشي الروسية الساحلية، ونشرت وسائل إعلام روسية صوراً تظهر الرجلين وهما يتعانقان بدفء.

ووفقاً للتعقيبات المنشورة في الصحافة الحكومية، أخبر بوتين الأسد خلال اللقاء بأن الحرب في سوريا توشك أن تضع أوزارها، وحثه على تحويل انتباهه إلى تأمين حل سياسي للصراع.

وقال بوتين إنه فيما يتعلق بالعمل الروسي-السوري المشترك لمحاربة الإرهاب على الأراضي السوري، فإن هذه العملية العسكرية قد أوشكت بالفعل على الانتهاء. وأضاف أنه يعتقد أن المهمة الأساسية الآن هي تدشين العملية السياسية.

ثم تحدث بوتين بعد ذلك على مدار ساعة عبر الهاتف إلى الرئيس الأميركي ترامب، في محادثة ركزت بمجملها على سوريا، وفقاً لما نشره البيت الأبيض والكرملين في هذا الصدد. وقد صرح الكرملين بأن بوتين أخبر ترامب بأنه أكد على الأسد ضرورة التزامه بالتعاون مع المبادرة الروسية، التي تتضمن إصلاحات دستورية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.


النفوذ الإيراني



وقد صرح البيت الأبيض بأن الزعيمين أعادا تأكيد التزامهما بتأمين تسوية في إطار المعايير التي أرستها عملية السلام المدعومة من الأمم المتحدة بجنيف، وكذلك ضمان أن تكون سوريا خالية من "التدخل الضار"، في إشارة إلى تزايد النفوذ الإيراني فيها. وقد صرح ترامب، في وقت لاحق للصحفيين في واشنطن، بأن هناك محادثات قوية حول إحلال السلام في سوريا.

ثم هاتف بوتين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ لإعلامهما بتفاصيل محادثاته مع الأسد. ووفقاً للكرملين، من المقرر أن يجري بوتين أيضاً اتصالاً هاتفياً بالعاهل السعودي الملك سلمان.

وجاءت محادثات الثلاثاء عشية قمة كبرى تتناول الوضع في سوريا بين بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ستُعقد بمدينة سوتشي أيضاً، التي بدأت في الظهور باعتبارها مركزاً للتحرك الروسي في اتجاه الوصول إلى حل للأزمة السورية. وتعد إيران وتركيا اللاعبَين الإقليميَّين اللذين لهما التأثير الأكبر على الأطراف في سوريا.

ومن المقرر أن تبدأ أعمال القمة في الأسابيع المقبلة، وتأمل روسيا أن تنتهي إلى تسوية كبرى حول سوريا تحظى بتأييد جميع الأطراف الدولية والإقليمية المعنيّة بنتيجة الحرب وكذلك بتأييد السوريين.


السعودية


ومن المقرر أن تستضيف السعودية اجتماعاً لقادة المعارضة السورية بالرياض الأربعاء، في محاولة للخروج بكيان معارض شبه جديد كلياً لتمثيل الحركة المناهضة للأسد بالمفاوضات المستقبلية. وقد قدم ما يقرب من 12 قيادياً، من مجموعات المعارضة الموجودة حالياً والمدعومة أميركياً، استقالاتهم قبيل الاجتماع؛ احتجاجاً على ما يخشون أن يكون تخلياً من حلفائهم عن التزامهم بتأمين رحيل الأسد.

كما تستضيف الأمم المتحدة في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، الجولة الثامنة من محادثات السلام بجنيف بين الحكومة والمعارضة في صورتها المعدَّلة، وهي عملية تهدف في ظاهرها إلى تحقيق عملية انتقال للسلطة بعيداً عن أي دور للأسد.


دستور جديد وليس رئيساً جديداً


غير أن الاتفاق بين ترامب وبوتين ألغى أي إشارة إلى صورة من صور "الانتقال"، وبات التركيز في الوقت الراهن منصباً على عملية كتابة دستور جديد تفضي إلى عقد انتخابات.

وتخطط روسيا لاستضافة اجتماع في الثاني من ديسمبر/كانون الأول لنحو 1300 سوري، يمثل المعارضة المعدلة والحكومة ونطاقاً من المجموعات الأخرى؛ لمناقشة شروط الدستور الجديد. ووفقاً لمسودات المقترحات الروسية، تعقد الانتخابات بعد الانتهاء من الدستور ويسمح للأسد بالترشح فيها.

وقد سهَّلَ الاتفاق الذي توصل له بوتين وترامب من التحرك الدبلوماسي الروسي؛ إذ اقتضى الاتفاق أن تحتفظ الولايات المتحدة بنفوذها بصورة أساسية في الجانب الشمالي من سوريا، حيث بدأت تشكيلة صغيرة من القوات الأميركية في مساعدة المقاتلين العاملين بقيادة كردية في محاربة تنظيم داعش.

وقد صرح وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، بأنه من المتوقع أن تظل بعض تلك القوات على الأقل في سوريا مع اقتراب انتهاء الحرب على تنظيم داعش؛ لإحلال الاستقرار في المنطقة والذي يتوقف على التوصل لحل للحرب بسوريا ككل.


لماذا قد يتملّص الأسد من الخطة الروسية؟


ومع ذلك، ثمة أسئلة عالقة، من بينها ما إذا كان الأسد مستعداً للتخلي عن هدفه المعلن بإعادة السيطرة على المناطق التي حازتها المعارضة خلال السنوات الست الماضية، وفقاً لما ورد في تقرير "واشنطن بوست".

فرغم أن المقترحات الروسية قد تُبقي عليه في منصبه، ربما لأجل غير مسمى، فإنها أيضاً يمكن أن تقلص سلطاته وتمنح خصومه دوراً في الحكومة.

من جانبه، صرح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين، للصحفيين، بأن الأخير سعى إلى طمأنة القوى الدولية إلى أن روسيا مستعدة لضمان الامتثال السوري للاتفاقيات التي جرى التوصل إليها.

وقال إن "روسيا تعمل مع القيادة السورية لتحضير أساس للتفاهمات الممكنة"؛ للتأكد من أن تلك الاتفاقيات ستكون "ناجعة".

بيد أن الأسد بدأ يتملص من التزامه بالعملية في تصريحات نقلتها عنه وسائل الإعلام الروسية حول لقائه بوتين؛ إذ قال: "نحن مهتمون بدفع العملية السياسية قدماً، ونأمل أن تدعمنا روسيا من خلال ضمان عدم تدخل أطراف خارجية في العملية السياسية، بحيث لا تدعم إلا العملية التي أطلقها السوريون أنفسهم".

وأضاف الأسد: "لا نريد الالتفات إلى الوراء، ونرحب بجميع من يريدون تسوية سياسية، ونحن جاهزون لإجراء حوار معهم".

ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كانت إيران -أقرب حلفاء الأسد- ستبدي استعداداً للامتثال لاتفاق دولي، سيتضمن بشكل شبه محتوم الضغط على طهران لتقليص النفوذ الواسع الذي بسطته من خلال إرسال ميليشياتها إلى سوريا وإنفاق أموالها هناك على مدار الأعوام الستة الماضية.


قتل مليون شخص


وقد صرح وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، للصحفيين في إسطنبول، الأسبوع الماضي، بأن إقناع المعارضة بقبول استمرار دور الأسد أمر صعب، حتى وإن كان التأييد الدولي لرحيله آخذ في التضاؤل.

وأضاف جاويش أوغلو أن الأمر لم يعد مقتصراً على روسيا وإيران وحدهما، وإنما الولايات المتحدة؛ بل وحتى السعودية وفرنسا تبديان مرونة أكثر تجاه الأسد.

وقال: "ولكن، لا ينبغي أن نكون عاطفيين هنا؛ علينا أن نتعامل بواقعية شديدة، فنحن بحاجة إلى توحيد المجموعات المختلفة كافة، ويبدو أنه من غير الهين توحيد الجميع حول الأسد، بعد 7 سنوات من الحرب الأهلية وبعد أن قتل النظام مليون سوري".

وتشير تقديرات واسعة لمجموعات رصد إلى أن الحرب قتلت ما بين 300 ألف و500 ألف سوري، غير أن تحدي التوصل إلى أي صورة من صور المصالحة لا يزال كبيراً.