"لقد كنّا يوماً مثلهم": شيء قديم يجمع الألمان واللاجئين السوريين.. القمل والروس والاغتصاب

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

عندما يشاهد بعض الألمان اللاجئين السوريين في بلادهم وهم يتعرضون للعنصرية أو الاستهزاء أو يسمعون عن رحلات هروبهم الخطرة فإنهم يتذكرون ماضيهم الذي ليس ببعيد.
فقد شهدت الفترة ما بين عامي 1944 و 1947 فرار ما يُقدَّر بنحو 12 مليوناً من الألمان الأصليين أو طردهم من ديارهم. ونظراً إلى طغيان جرائم النازيين على قصصهم، حظيت رواياتهم بقليلٍ من الاهتمام الدولي في أغلب الأحيان.
ولكنَّ هذه الأيام تسبّب الوافدون الجدد من سوريا في إيقاظ ذكرياتٍ قديمة عمَّا يعنيه الفرار، وفقاً لبيثاني بيل الصحفية الألمانية التي كتبت تقريراً لـ"بي بي سي" عن التشابه اللافت بين أزمة اللجوء السوري وبين المأساة التي عاشها الألمان في نهاية الحرب العالمية الثانية وبعدها وذلك من الحديث إلى بعض المواطنين الألمان الذين عاصروا المأساتين والذين سردت رواياتهم.


من سيليزيا


أخرجت كريستا نولت كُتيِّباً من صندوق الأوراق العائلية برفق.

وقالت لي: "هذا ما أخذته جدتي آنا معها حين فررنا. لقد كان إنقاذه مهماً بالنسبة لها".

وكان الكُتيب هو كتاب ترانيم الكنيسة السيليزية في حجم الجيب ويحوي تراتيل لوثرية.

وُلِدَت كريستا في أثناء الحرب في شهر أبريل/نيسان من عام 1943. وجاءت أسرتها من بلدة غولدبرغ بمنطقة سيليزيا التي كانت جزءاً من ألمانيا آنذاك، ولكنَّها صارت في بولندا حاليَّاً.

وأضافت كريستا: "فررنا في أوائل عام 1945 أنا وأمي وجدتي وأخي. كان الجيش الأحمر قادماً، وكان الطقس بارداً للغاية".

وأخذت الأسرة حينذاك متعلقات قليلة جداً معها: وهي مُجرَّد بضع أدوات مائدة، ودمية شقيقها، ولحاف محشو بالريش، وكدَّست والدتها مارغريث هذه المتعلقات في عربة الأطفال الخاصة بها، فجلست كريستا التي لم تكن قد أتمت العامين آنذاك على سطح العربة.

وقالت كريستا: "كانت والدتي تريد بالأساس الوصول إلى شقيقها في العاصمة الألمانية برلين. ولكنَّ القطار الذي ركبناه توقَّف خارج مدينة درسدن لأنَّ قصف قوات الحلفاء الجوي للمدينة كان قد بدأ للتو".

تقول كاتبة التقرير: التقيتُ كريستا في ولاية ساكسونيا بشرق ألمانيا، وكانت قادمة لتوِّها من برلين حيث شاركت في جوقة مهرجان كنسي مع مجموعةٍ من مدينة كوفنتري الإنكليزية التي دُمِّرَت كذلك في أثناء الحرب العالمية الثانية.

وسردت لي قصتها بهدوءٍ ورباطة جأشٍ كما حدثت بالفعل دون تفاصيل درامية.

فبعدما توقَّف القطار خارج درسدن، انطلقت الأسرة سيراً على الأقدام عبر ثلوجٍ وبردٍ قارس. وانتهى بهم المطاف إلى مُخيَّمٍ يبعُد قليلاً عن جنوب شرق البلاد في دولة تشيكوسلوفاكيا التي كانت خاضعةً للاحتلال النازي آنذاك. وكانت كريستا قد مرضت بشدة، إذ أصيبت بالحصبة ثم التهابٍ رئوي. وتوفي الطفل الذي كان في السرير المجاور لها. وهي تتذكر بكاء الناس ودوي صفَّارات إنذار الغارات الجوية، ولا تزال هذه الأصوات تطاردها.


ماذا فعل بها الجندي الروسي؟


وفي نهاية الحرب، تمكَّنَت الأسرة من العودة إلى غولدبرغ بعد أن قطعت جزءاً من الطريق سيراً على الأقدام، وقطعت الجزء الآخر على متن القطار. وفي طريقهم، حاصرهم بعض الجنود الروس، فاقترب أحدهم من والدتها مارغريث التي كانت مذعورةً ظناً منها أنَّه ينوي اغتصابها ولكنَّه لم يفعل وأعطاها قطعةً من لحم الخنزير.

وحين عادوا إلى ديارهم، كان كل شيءٍ قد تغيَّر. إذ انتقلت أسرٌ بولنديةٌ من المناطق الشرقية ببولندا، التي نُقلت تبعيتها إلى الاتحاد السوفيتي، إلى مدينتهم غولدبرغ فوجدوا إحدى الأسر في منزلهم.

وفي مؤتمر بوتسدام الذي عُقِد في صيف عام 1945، وافق الحلفاء على منح بولندا الأراضي الألمانية الواقعة شرق نهر أودر-نايسه، بما في ذلك غولدبرغ.

ومن ثَمَّ غادرت كريستا وأسرتها مرةً أخرى، في عام 1946، ليصبحوا جزءاً من نزوحٍ جماعي إلى الغرب. وتذكَّرت كريستا رحيلهم قائلةً: "ظللنا على متن القطار لمدة تسعة أيام، ولم نكن نعرف وجهتنا. وكانت البراغيث والقمل تملأ أجسادنا جميعاً".


الألمان لم يريدوننا؟


ثم نظرت إليَّ بابتسامةٍ حزينة وقالت: "حين انتهى بنا المطاف إلى منطقة راينلاند الواقعة غرب مدينة دوسلدورف، لم يكن المزارعون الذين أُرسِلنا للعيش معهم يرغبون في وجودنا على الإطلاق، وسألونا في البداية: "أأنتم كاثوليك أم بروستانت؟" لقد كانوا كاثوليكاً وُكنَّا بروتستانتاً. وكأنَّ تلك كانت خطيئتنا الكُبرى".

تقول كاتبة التقرير إنَّ هناك قصصاً كثيرة شائعة كقصة كريستا. ففي أثناء إقامتي القصيرة في ساكسونيا بألمانيا، التقيت عدداً من الناس الذين أتوا من سيليزيا أو بروسيا الشرقية (منطقة ألمانية ضمت للاتحاد السوفيتي وبولندا بعد الحرب) في طفولتهم. واكتشفت كذلك أنَّ القصر القديم الذي كنت أقيم فيه استُخدِم كمُخيَّمٍ للاجئين الألمان من الشرق لفترةٍ طويلةٍ في الخمسينيات من القرن الماضي.

كان مصير الألمان الأصليين موضوعاً مُزعجاً طوال سنواتٍ عديدة، ودائماً ما كانت الفظائع النازية تطغى عليه، واستغلَّته جماعاتٌ يمينية متطرفة مراراً وتكراراً.


الاغتصاب


قالت كريستا: "هناك كتبٌ عمَّا حدث، ونحن نتحدث عنه في ما بيننا. لا أشعر بضررٍ شديد. فالأطفال يتكيَّفون مع أي وضع، وفي النهاية لم يكن الوضع سيئاً للغاية بالنسبة لي في الغرب، مع أنَّ الأطفال المحليين ظلوا يُهينوننا لسنوات".

لكنَّ رؤية اللاجئين السوريين الذي يصلون إلى ألمانيا حاليَّاً تدفعها إلى التأمل.

وقالت: "إنَّ معاناتهم مثل معاناتنا، ومعاناة أمهاتنا وجدَّاتنا، المتمثلة في الاغتصاب والنوم في العراء، ومحاولة المحافظة على أمن أطفالك".

فقلت لها: "لقد ذكرتِ كلمة الاغتصاب. هل حدث ذلك لوالدتك؟".

فأجابت: "لم تتحدث عن ذلك قط".

ولم تتمكَّن كريستا وأمها من زيارة منزلهما القديم مرةً أخرى في غولدبرغ، المعروفة الآن باسم زلوتوريا البولندي، إلا في عام 1990 بعد سقوط الشيوعية.

وتقول كريستا إنَّ والدتها مارغريث تعايشت مع حقيقة أنَّ الأُسر البولندية استقرت هناك الآن. وقالت: "سيكون ظلماً كبيراً أن يضطروا إلى ترك منازلهم. فأين سيذهبون؟".

وبعد أسبوعٍ من حديثنا، تلقيت رسالة بريدٍ إلكتروني من كريستا التي ذهبت لزيارة ساحل البلطيق الألماني بالقرب من مدينة روستوك. وتضمَّنَت الرسالة صورةَ كتابِ طهيٍ للاجئين شارك عدة أشخاصٍ من مجتمعٍ محلي هناك في تأليفه مؤخراً. ويشمل الكتاب وصفاتٍ من سيليزيا وبروسيا الشرقية وأفغانستان وسوريا.