إيران تضع اللمسات الأخيرة على "جسرها" إلى الجولان.. صحيفة إسرائيلية: احتمالية التصادم المباشر تزداد

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يبدو أن السباق المحتدم المزعوم إلى مدينة البوكمال السورية، بين تحالف قوات سوريا الديمقراطية المدعوم من الولايات المتحدة وبين قوات إيران ونظام الأسد وروسيا على وشك الانتهاء لمصلحة الطرف الأخير، حسب تقرير لصحيفة صحيفة The Jerusalem Post الإسرائيلية.

وكانت قوات النظام السوري قد اقتحمت المدينة في وقتٍ سابق من الشهر الجاري، نوفمبر/تشرين الثاني، ثم طُرِدَت منها إثر هجومٍ مضاد غير متوقع من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الأسبوع الجاري، فتراجعت إلى مواقع تبعد كيلومترين عن البوكمال.

بيد أنَّ هجوم داعش بدا كمحاولةٍ أخيرة من التنظيم لتحقيق أي انتصار. ومن الواضح أنَّ الجهاديين السُّنَّة سيفقدون المدينة الحدودية الاستراتيجية في الأيام المُقبلة.

وصحيحٌ أنَّ قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة التي يتكون معظمها من الأكراد تتقدم بسرعةٍ إلى الشمال، ولكنَّ صفوفها الأمامية لا تزال على بُعد نحو 25 كيلومتراً من شمال البوكمال، وتحديداً في منطقة حقل كيشما النفطي.

مدينة البوكمال حسب تقرير صحيفة The Jerusalem Post هي الوصلة الأخيرة في "الجسر البري" الإيراني، الممتد من الحدود العراقية - الإيرانية إلى البحر المتوسط ​​والحدود مع إسرائيل، والذي تجري حوله الآن مناقشاتٌ عديدة.

من شأن السيطرة على المعبر الحدودي الواقع بين مدينتي القائم العراقية والبوكمال السورية والطرق المؤدية نحو الغرب منه، أن تُمكِّن التحالف الإقليمي الذي تقوده إيران من نقل المُقاتلين والأسلحة في كلا الاتجاهين، حسب رغبتها. وهذا يعني أنَّه في أي مواجهةٍ مستقبلية بين إسرائيل وحزب الله قد ترى إسرائيل أعداءها يُعزِّزون صفوفهم بإمداداتٍ ومتطوعين قادمين من وكلاء إيرانيين آخرين، وتحديداً بالطريقة التي جرت بها الأمور في الحرب السورية.

وبالتأكيد لن تكون هذه المحاولات بمعزلٍ عن أنظار الطيران الإسرائيلي، ولن تمنح ميزةً للجانب الإيراني لا يمكن مواجهتها.

لكن وفق صحيفة The Jerusalem Post فبالنظر الضعف الإيراني في مجال الطيران، فمن شأن الجسر البري أن يُعزِّز خيارات الجانب الإيراني وقدراته تعزيزاً كبيراً.

جديرٌ بالذكرِ أنَّ الأيام الأخيرة شهدت عبور ميليشياتٍ شيعية عراقية الحدود براً، للمرةِ الأولى منذ بداية الحرب السورية، من أجل الانضمام إلى المعركة الجارية ضد تنظيم داعش في منطقة البوكمال.


ميزات اقتصادية واستراتيجية لإيران وحلفائها


وسيوفِّر الجسر البري مميزاتٍ اقتصادية فضلاً عن المميزات الاستراتيجية، إذ سيسمح بنقل النفط العراقي إلى المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام، متجاوزاً المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية حاليَّاً.

وسيكون ذلك مُهماً في فترة إعادة الإعمار المُقبلة بغضِّ النظر عن التفاصيل الدقيقة للأطراف المسيطرة داخل سوريا وحدود نفوذها.

وستُسفر النهاية الوشيكة للعمليات العسكرية التقليدية ضد آخر بقايا تنظيم داعش في شرقي سوريا بدورها عن لحظةٍ سيجب على الولايات المتحدة فيها اتخاذ قرارٍ حاسم. ويُمثِّل غياب استراتيجيةٍ واضحة للولايات المتحدة حسب صحيفة The Jerusalem Post سمةً رئيسة للأحداث في الأشهر الأخيرة بسوريا.

وجديرٌ بالذكر أنَّ العلاقة الفعلية بين القوات الجوية والقوات الخاصة الأميركية ووحدات حماية الشعب الكردية قد أثبتت أنَّها شراكةٌ عسكرية ناجحة. فهذه القوات هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من الانتصار على تنظيم داعش في سوريا وليس التحالف المُكوَّن من نظام الأسد وإيران وروسيا. وفي الواقع، جاء تحرُّك قوات النظام المتأخر نحو الشرق بالتحديد للحد من المكاسب الإقليمية لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة.


أميركا متناقضة مع الأكراد.. تدعمهم ولا تعترف بهم


ولكن منذ بداية هذه الشراكة كان هناك تناقضٌ واضح بين الدعم العسكري المُقدَّم لقوات سوريا الديمقراطية والغياب التام لاعتراف الولايات المتحدة أو أي قوى غربية أخرى بالمشروع السياسي الأكبر الذي يقوده الأكراد في شمالي سوريا، حسب صحيفة The Jerusalem Post.

ويفتقر اتحاد شمالي سوريا الذي أعلنته القيادة الكردية السورية، في 17 مارس/آذار من عام 2016، بالفعل إلى اعتراف أي دولةٍ أخرى به.

من الناحية الرسمية، كان سبب تدخُّل الولايات المتحدة في شرقي سوريا هو الحرب على تنظيم داعش ليس إلا. وفي الوقت نفسه، هناك أدلة على إنشاءاتٍ عسكرية أميركية واسعة النطاق في منطقة شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة الأكراد. إذ شُيِّدَت مهابط طائرات وقواعد جوية في بلدة رميلان ومدينتي منبج وكوباني.


السبهان ومبعوث أميركا الخاص


يُذكَر أنَّ ثامر السبهان، المسؤول السعودي النافذ قد زار منطقة شرقي سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول، برفقة بريت ماكغورك المبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة داعش. وكان الغرض من الزيارة هو مناقشة إعادة إعمار مدينة الرقة وفقاً لتقرير وكالة رويترز العالمية للأنباء.

وقد تشير كل هذه المقتطفات إلى أنَّ الولايات المتحدة لديها نياتٌ طويلة الأجل في شرقي سوريا، ولا تُخطِّط للتخلي ببساطة عن حلفائها السابقين فور إتمام مهمة تدمير "خلافة" تنظيم داعش.

ويُذكَر أنَّ وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أدلى بتصريحٍ يؤيد هذا الانطباع. إذ أشار إلى أنَّ الولايات المتحدة لا تنوي "الانسحاب في الوقت الراهن، قبل أن تُحرز محادثات جنيف تقدُّماً"، وستقاتل تنظيم داعش "ما دام يريد القتال" كي تمنع ظهور "نسخة ثانية من داعش".

وإذا قرَّرت الولايات المتحدة البقاءَ في شرقي سوريا، ستحتاج إلى التفكير في الشؤون اللوجستية المتعلقة بكيفية إيصال الإمدادات لهذه المنطقة، وذلك ضد رغبات جميع الكيانات المجاورة.


وأوضح نظام الأسد بالفعل أنَّه يعتزم إعادة توحيد أراضي سوريا بأسرها، فور هزيمة تنظيم داعش.


أميركا تتحالف مع حليف إيران والأسد


جديرٌ بالذكر أنَّ تركيا تُعارض المنطقة الكردية السورية، بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني. وبينما تَسعَد حكومة حيدر العبادي في العاصمة العراقية بغداد بتلقي أسلحةٍ وتدريباتٍ من الولايات المتحدة، تتحالف في الواقع مع الأسد وإيران، ولذا فهي تعارض كذلك الأكراد السوريين المدعومين من الولايات المتحدة.

كان الأكراد العراقيون الموالون للولايات المتحدة وفق صحيفة The Jerusalem Post يسيطرون على معبرين حدوديين، يربطان بينهم وبين أشقائهم الأكراد السوريين. بيد أنَّهم خسروهما لمصلحة الميليشيات العراقية والشيعية، في العملية العسكرية التي أعقبت استفتاء استقلال كردستان العراق، في 25 سبتمبر/أيلول الماضي.

ومن ثَمَّ، ينتظر الولايات المتحدة قرارٌ صعب، وتعتمد أمورٌ كثيرةٌ على هذا القرار، ولكن على أية حال نظراً إلى أنَّ غزو إيران وحلفائها لمدينة البوكمال يبدو أمراً لا مفر منه، وحتى لو اختارت الولايات المتحدة التمسك بحلفائها الحاليين في شرقي سوريا، فإنَّ ذلك لن يمنع وجود الجسر البري الإيراني. فهو أمرٌ واقع بالفعل.


إسرائيل قلقة


من وجهة نظر إسرائيلية، فإن ذلك يُثير القلق. فبطبيعة الحال لا ينصبُّ اهتمام إسرائيل بالأساس على الحدود السورية - العراقية، بل الجهة الجنوبية الغربية التي يقع فيها أكبر جزءٍ من الممر، حيث يوجد معبر القنيطرة وهضبة الجولان.

وترى إسرائيل أنَّ البيان المشترك الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني، فشل في معالجة قضية وجود قوات إيرانية وقوات مدعومة من إيران بالقرب من الحدود الإسرائيلية كما ينبغي. ولم يتضمن البيان جدولاً زمنياً لانسحاب هذه القوات. ونُقِل عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم الثلاثاء، 14 نوفمبر/تشرين الثاني، نفيه وعد روسيا بانسحاب الميليشيات الإيرانية من سوريا.

ومن غير المحتمل على أية حال أن تتمكن روسيا من تحقيق انسحاب حليفها الإيراني أحادي الجانب من ممره الذي سيطر عليه بشق الأنفس. إذ لا تعتمد إيران على روسيا، ولكنَّها تتبع استراتيجيةً خاصةً بها في سوريا.

وأعلنت إسرائيل بوضوحٍ أنها ستواصل العمل لضمان أمنها.

وفي الواقع، ما يعنيه ذلك هو أنَّه مع استمرار الإيرانيين في توطيد مكاسبهم في سوريا وتوسيعها، ستزداد احتمالية الاحتكاك المباشر بين هذا المشروع والخطوط الحمراء التي تفرضها إسرائيل حولها.

وتواصل العاصمة الإيرانية طهران المُضي قُدماً في الوقت الراهن. ومن المُنتظر أن تشهد الأسابيع المُقبلة حلَّ القضية الرئيسية المتعلقة بمدى احتمالية استمرار الولايات المتحدة كأحد الأطراف الفاعلة في المنطقة. ولكن بصرف النظر عن ماهية القرار الأميركي، فإنَّ حيازة المعبر الواقع بين مدينتي القائم والبوكمال من شأنها أن تُحوِّل الجسر البري الإيراني الممتد من طهران إلى القنيطرة من مُجرِّد هدف إلى حقيقة قائمة.