بين تصريحات صديق بوتفليقة ونفي الرئاسة الجزائرية.. معركة العهدة الخامسة تنطلق قبل أوانها وهذه خلفياتها

تم النشر: تم التحديث:
BOUTEFLIKA
Algerian President Abdelaziz Bouteflika is seen on a wheelchair as he casts his vote at a polling station in Algiers on May 4, 2017 during parliamentary elections. Algerians voted for a new parliament amid soaring unemployment and a deep financial crisis caused by a collapse in oil revenues. / AFP PHOTO / RYAD KRAMDI (Photo credit should read RYAD KRAMDI/AFP/Getty Images) | RYAD KRAMDI via Getty Images

أشعل المحامي والرئيس السابق للجنة الجزائرية الاستشارية لحماية ومراقبة حقوق الإنسان، فاروق قسنطيني، الرأي العام الجزائري، بتصريح قوي نقل فيه فحوى لقائه بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورغبة الأخير الجامحة في الترشح لعهدة رئاسية خامسة.

ولم تتأخر الرئاسة، في نفي ما صدر عن الحقوقي، نافية استقبال بوتفليقة له، لتزيد من صبِّ الزيت على نار التكهنات والشدِّ والجذب حول رئاسيات 2019، وتثير تساؤلات عميقة عن خلفيات تصريحات قسنطيني ودوافع نفيها لما جاء بها.


قنبلة قسنطيني


إذا كان الرأي العام الجزائري قد تعود على خطابات داعمي بوتفليقة، فإنه تفاجأ بتصريحات المحامي فاروق قسنطيني، التي أدلى بها مساء السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والتي نقل فيها رغبة بوتفليقة في الترشح لعهدة خامسة، مؤكداً أن المعني أبلغه بالأمر خلال لقاء دام لأكثر من ساعة من الزمن.

وسارعت رئاسة الجمهورية إلى نفي لقاء بوتفليقة بقسنطيني، عبر بيانٍ رسمي بثَّه التلفزيون العمومي ووكالة الأنباء الرسمية، لينفجر بذلك جدل قوي حول خلفيات القنبلة السياسية التي فجَّرها قسنطيني، ومسارعة الرئاسة للنفي.


دوافع النفي


هل كذب قسنطيني، وصدقت الرئاسة؟ أم كذبت الرئاسة وصدق قسنطيني؟ يميل رئيس حزب جيل جديد، جيلالي سفيان، إلى الفرضية الثانية، ويؤكد في تصريح لهاف بوست عربي "أن قسنطيني لا يمكن أن يخترع شيئاً كهذا من رأسه، وأنه نقل ما كُلف به من أوامر".

وقال جيلالى، المعارض لحكم بوتفليقة "نعرف أن فاروق قسنطيني ينفذ الأوامر التي تأتيه من داخل دواليب السلطة بحذافيرها، وأعتقد أنه التقى فعلاً بوتفليقة، وما قاله صحيح".

ورأى المتحدث أن مسارعة الرئاسة للنفي، "جاءت عقب الردود السلبية التي استقتها من الرأي العام، بعدما اختبرته عن طريق قسنطيني"، ويؤكد جيلالي سفيان أن بوتفليقة لا ينوي ترك السلطة وهو على قيد الحياة، وسيترشح لعهدة خامسة ما دام حياً.

من جانبه، أكد الصحفي عبد الوهاب بوكروح، أن الرئاسة تبرأت من تصريحات قسنطيني، ليس لأنه أعلن نية الرئيس في الترشح، ولكن لذكره تفاصيل عن الوضع الصحي للرجل، وقال لهاف بوست عربي "هناك حملة بدأت منذ الآن للاستمرار بعد 2019، ولكن خروج قسنطيني، وكلامه عن ضعف صوت الرئيس وثقل قدميه أزعجهم كثيراً".

ودعت 3 شخصيات سياسية وعسكرية جزائرية معروفة، في وقت سابق الرئيس بوتفليقة إلى عدم الترشح لعهدة خامسة، ووقع كل من وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي، والحقوقي علي يحيى عبد النور، وقائد القوات البحرية الأسبق بشير بن يلس، بياناً، اعتبروا فيه أن "المسؤولين عن هذا الإفلاس، وقد اطمأنوا إلى الإفلات من العقاب (...) يتمادون في كبريائهم واحتقارهم للمواطنين، إلى حد الإعداد لفتح طريق لعهدة رئاسية خامسة لشيخ عاجز عن الحركة، وغير قادر على التعبير..."


ما علاقة رجال الأعمال بالأمر؟


من بين ما ذكره المحامي قسنطيني عن فحوى لقائه المزعوم ببوتفليقة، الأسبوع الماضي، هو رغبة الرجل الجامحة في تخليص البلاد من قبضة رجال الأعمال، والتعامل مع الوضعية الاقتصادية الخطيرة، الأمر الذي فتح باب التأويل والتناقض.

فبعدما شنَّ الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون حملته الشهيرة الصيف الماضي ضد رجال الأعمال، وجد نفسه خارج قصر الحكومة، وعين بوتفليقة أحمد أويحيى خلفاً له، مؤكداً بذلك وقوفه إلى جانب المتعاملين الاقتصاديين الخواص، فكيف يتحدث قسنطيني عن رغبة الرئيس في محاربة هؤلاء؟

ويعتقد الصحفي خالد بودية على صفحته الرسمية بفيسبوك، أن لرجال الأعمال علاقة ببيان الرئاسة المفنّذ لتصريحات الرئيس السابق للجنة الاستشارية لحقوق الإنسان.

وكتب قائلاً: "كُلَّما حضر رجال الأعمال في قضية ما، يحدث بعدها زلزال، أزيح تبون من الوزارة الأولى لأنّه "تحرّش" برجال الأعمال، ثم ألغيت الضريبة على الثروة لأنّها تمسُّ رجال الأعمال، ثم تكذّب الرئاسة المحامي فاروق قسنطيني لأن من بين ما نقله عن الرئيس إرادته لفك الجزائر من قبضة رجال الأعمال".


جس نبض الشارع


وعلى الطرف الآخر، يعتقد بعض المتابعين للشأن الجزائري، أن لقاء قسنطيني ببوتفليقة أمر يصعب تصديقه، دون النظر لبيان الرئاسة، ومن بين هؤلاء الإعلامي الرياضي الشهير حفيظ دراجي، الذي شكَّك في تصريح قسنطيني، وقال "أنا شخصياً لا أصدق أن الرئيس استقبل فاروق قسنطيني وتحدث إليه لمدة ساعة.. أنا متأكد أنهم قالوا له "قل هذا الكلام" لجسّ نبض الشارع واستغباء الشعب مجدداً..."

وكتب الصحفي قادة بن عمار منشوراً في نفس الاتجاه، قائلاً "مسألة أنه التقى ببوتفليقة، أنا لم أصدقها أصلاً، لأن الرجل وهو على رأس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان (تابعة للرئاسة) لم "يتكرم" عليه الرئيس سوى بلقاء واحد، مدته 10 دقائق في 16 سنة، فكيف يلتقيه الآن وقد أبعدوه من منصبه بالتليفون مثلما عيّنوه بالتليفون!"


لا مانع أمام الخامسة؟


في 2012، قال وزير الخارجية الجزائري آنذاك ورئيس المجلس الدستوري الحالي، مراد مدلسي، في حوار مع قناة تلفزيونية فرنسية "العهدة الرابعة لبوتفليقة نكتة"، ليتقدم صاحب العهدات الثلاث إلى سباق رئاسيات أبريل/نيسان 2014، ويفوز بالرابعة بنتيجة ساحقة.

منذ ذلك الحين، فهمت الطبقة السياسية في الجزائر، وخاصة أحزاب الموالاة، الدرس جيداً، واستوعبت أن "كل شيء ممكن مع بوتفليقة"، ولا أحد مهما كان وزنه وقربه من الرئيس يمكن أن يتوقع خيارات الرجل السياسية، خاصة ما تعلق باستمراره بالحكم.

وبالرغم من تدهور حالته الصحية، في السنوات الثلاث الأخيرة، فإن قادة أحزاب المشاركة في الحكومة، وأبرز الشخصيات السياسية، ترفض الخروج بتصريح يستبعد ترشح الرجل لعهدة رئاسية خامسة سنة 2019، بل تؤكد مساندتها له في حالة إقدامه على ذلك.

من بين هؤلاء الوزير الأول الحالي، وزعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أحمد أويحيى، الذي يردد عبارة دائمة كلما واجه سؤالاً عن طموحه الرئاسي هي "لن أترشح في رئاسيات يكون فيها بوتفليقة مرشحاً، وسأدعمه كلما فعل".

وآخر ظهور لأويحيى بشأن العهدة الخامسة كان في حوار لقناة البلاد الخاصة، جدد فيه ذات الاقتناع.

وفي الأول من شهر أغسطس/آب الماضي، أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي، تقريراً، توقع فيه "ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة"، وكتب محرّره التقرير النائب عن الحزب الاشتراكي، سيمون سيتور، نيابة عن لجنة الشؤون الأوروبية "الجزائر لا تعيش ضغطاً شعبياً حقيقياً يدفع النظام نحو التطوّر، على الرغم من التصلّب الظاهر على السلطة".

وأردف أن بوتفليقة "يتمتع بشرعية حقيقية، اكتسبها عقب العشرية السوداء، وعليه، من غير المستبعد أن يترشح لعهدة رئاسية خامسة".


دعاة الخامسة


في منتصف الحملة الانتخابية لمحليات، 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، برزت أصوات تطالب الرئيس بوتفليقة علناً بالترشح لعهدة خامسة، حيث دعا رئيس الجبهة الوطنية للعدالة خالد بونجمة، بوتفليقة للترشح في 2019 "للحفاظ على الاستقرار" مثلما صرّح.

وقبله بأيام قليلة، طالبت المنظمة الوطنية للزوايا، على لسان رئيسها عبد القادر باسين، بوتفليقة بالترشح لخامسة، مؤكدة دعمها له مثلما فعلت منذ 1999.