تسعى لإزاحة الحريري وتضر بحلفائها.. السعودية المتعثرة لا يبدو أن لها القدرة على التأثير في لبنان

تم النشر: تم التحديث:
S
s

تحاول المملكة العربية السعودية مؤخراً إنجاز المهمة الصعبة التي تقضي بإعادة هيكلة اقتصادها المحلي، لكن طموحاتها الخارجية وفق موقع Stratfor الأميركي لا تقل جرأة.

يقول تقرير موقع Stratfor الأميركي، إن الرياض لطالما اعتبرت نفسها ممثلة للمصالح السنية والعربية الواسعة في الشرق الأوسط، ومؤخراً زاد ولي العهد محمد بن سلمان من محاولات تحدي نفوذ إيران الإقليمي، آملاً أن يعزز سيطرة المملكة على المناطق التي يراها مجالات حيوية خاصة مشروعة للمملكة.


ترجمت هذه الاستراتيجية على الأرض في مناطق الصراع في العراق وسوريا واليمن ومؤخراً في لبنان. لكن رغم جهود المملكة إلا أنها تفتقد النجاح السياسي والأمني الذي يتمتع به خصومها، ومن المرجح أن تفشل فشلاً ذريعاً في لبنان بدلاً من القضاء على نفوذ إيران هناك، حسب ما جاء في موقع Stratfor الأميركي.

لطالما كانت الرياض مهمومة بالعلاقة التي تربط طهران بالميليشيات المسلحة والحزب السياسي الشيعي اللبناني "حزب الله"، والذي تراه المملكة أداة إيرانية لممارسة قوتها ونفوذها في المنطقة. في وقت مبكر من تسعينيات القرن العشرين كانت المملكة تبحث عن طريقة تحدّ بها من نفوذ حزب الله وإيران بالتبعية في لبنان.

هذا الاهتمام كان خفياً، لكنه كان حاضراً في اتفاق الطائف الذي توسطت فيه السعودية لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. ومؤخراً تخوفت السعودية من دور إيران المتزايد في الصراع السوري، علاوةً على تدخل حزب الله في اليمن بالوكالة عن إيران. وبما أن الرياض تفتقد القوات الأرضية في اليمن التي تمكنها من الاستجابة الفورية في موقع الحدث، فإن المملكة تواجه هذا التهديد عبر إجراءات الحصار والقصف الجوي، وكذلك بفرض مزيد من الضغط على لبنان.


مزالق التدخل السياسي


أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في تصريح متلفز من الرياض، في وقت مبكر من نوفمبر/تشرين الثاني، استقالته بشكل غير متوقع، مما قد يدل على محاولة السعودية تدبير انتقال سياسي في لبنان إلى حكومة تكون للرياض سيطرة كبيرة عليها.

عندما استعاد الحريري منصبه كرئيس للوزراء، في ديسمبر/كانون الأول من العام 2016، أظهر رغبةً في التوصل إلى تسوية مع حزب الله وحلفائه. بالنظر إلى أن معظم اللبنانيين يريدون فقط حكومة فاعلة، حظي موقفه هذا بتأييد واسع، وهو ما تسعى السعودية للحد منه.


الحد من سلطة الحريري


تحاول السعودية، وفق موقع Stratfor الأميركي، الحدَّ من سلطة الحريري، بينما تبحث عن بديل له يكون أنسب بالنسبة لها؛ ويعتقد الكثيرون أن بهاء، شقيق سعد، الذي تراه الرياض أكثر مرونة واستعداداً لاتخاذ موقف متشدد ضد حزب الله تصوغه الرياض، هو الخيار الأكثر بروزاً في الوقت الحالي.

لكن ليس من الواضح حتى الآن إن كان بهاء سيكون قادراً على إجراء أي تغييرات سياسية حقيقية، أو أن المجتمعات السنية والمسيحية المتشظية في لبنان ستقبل به. من الناحية السياسية فإن حزب الله متجذر إلى حدٍّ بعيد في لبنان، بينما تحالف الرابع عشر من آذار الموالي للسعودية يزداد ضعفاً مع الوقت.

انقسم التحالف بسبب الخلافات بين أحزابه السنية والدرزية والمسيحية، ثم أصبح أكثر ضعفاً عندما غادره الحزب الاشتراكي التقدمي في عام 2011، ثم تبعه الحزب الليبرالي القومي في عام 2016. في المقابل لا يعتمد حزب الله على أعضاء موالين لحزبه، ولتكتل المقاومة في البرلمان، لكنه يحافظ على طيف واسع من الحلفاء، من بينهم حركة الوطنيين الأحرار وحركة أمل وتيار المردة.

بتدخلها في السياسة اللبنانية تحاول المملكة العربية السعودية وضع العربة أمام حصان النظام اللبناني، في محاولة لإيقاف أي تقدم قد يكون مفيداً لحزب الله وحلفائه. لكنها في الحقيقة لا تطرح أية بدائل. هذه الاستراتيجية ستؤدي في النهاية إلى الإضرار بحلفاء الرياض أنفسهم في البلاد، وإضعاف قدرتهم على تحقيق أي تقدم سياسي واقتصادي في ملفات مثل عقود البترول والغاز وسوق العمل والإصلاحات الضريبية.


غياب الوكيل القوي


ستعاني المملكة العربية السعودية في تنظيم المقاومة ضد حزب الله، لأنها تفتقد الميليشيات المسلحة -المحاربين عنها بالوكالة بشكل جوهري- على الأرض لمقاومة حزب الله. ومع الدعم المالي والعسكري الإيراني أصبح للحزب شبكة عسكرية ضخمة اكتسبت قدرة على العمل خارج حدود لبنان.

حسب موقع Stratfor الأميركي، لدى المملكة العربية السعودية من ناحيتها سجل سيئ في مواجه الميليشيات المدعومة من إيران، وفي لبنان خصوصاً. نشب صراع في لبنان في عام 2008 في مرحلة ما بعد ثورة الأرز في عام 2005، بين مقاتلي حركة المستقبل المدعومة من السعودية وحزب الله والميليشيات المتحالفة معه. وانتهى الأمر بتنازل حركة المستقبل عن بعض المناطق لحزب الله، المنتصر في بعض أحياء بيروت المهمة.

ومنذ عام 2008 أصبح لحزب الله وجود أمني أكثر تجذراً في لبنان. لعب مقاتلو حزب الله دوراً رئيسياً في سوريا في السنوات الماضية، معزِّزين من قدراتهم العسكرية لمواجهة أي وكلاء محتملين للسعودية، في حين تفتقد السعودية للحلفاء الضروريين لفرض أي تهديد جدي.


عندما لا يكون المال وحده كافياً


قد تحقق المملكة العربية السعودية بعض النجاح في حصار حزب الله من الناحية الاقتصادية، حيث تمتلك اليد العليا في الاقتصاد اللبناني. يعمل ما يقارب 200 ألف إلى 500 ألف لبناني في المملكة، وهؤلاء يقومون بتحويلات تبلغ 8 مليارات دولار في العام من العملة الصعبة للقطاع البنكي في لبنان. إذا قررت الرياض الحد من هذه التحويلات ستوجه بذلك ضربةً قوية للاقتصاد اللبناني.

في نفس الوقت لدى الرياض قدرة كبيرة على الإضرار بقطاع السياحة الحيوي في لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على جذب الأثرياء العرب من منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. وبالفعل أصدرت السعودية والبحرين والإمارات والكويت تحذيرات لمواطنيها بعدم السفر إلى لبنان. مع ذلك فإن هذه الجهود ستكون فعالة إلى حد بسيط فقط.

لبنان الذي انتهت حربه الأهلية التي دامت 25 عاماً استطاع بالفعل تخطي أضرار اقتصادية أكبر مما لدى السعودية القدرة على إحداثها. الأدهى من ذلك أن تلك الحرب جعلت اللبنانيين أكثر انهاكاً من أن يخوضوا جولة أخرى من الحرب الأهلية، خصوصاً تلك التي يحركها فاعلون خارجيون. أخيراً فإن إيران مجهزة بشكل جيد لدعم حلفائها اللبنانيين مالياً، مما يقلل من فاعلية الإجراءات السعودية.

بعد تعثرها في عدد من المناورات الخارجية غير الواقعية والصعبة في قطر واليمن، لا يبدو وفق موقع Stratfor الأميركي، أن المملكة مقدر لها النجاح في مسعاها للتأثير الاستراتيجي على الأوضاع في لبنان، مهما كان مقدار طموحها. وفي محاولتها لحشد معارضة جديدة ضد حزب الله ستعاني الرياض لإحداث تغيير حقيقي بدلاً من الفوضى المجردة.


إيران والسعودية التنظيم مقابل التخبط


ونشر موقع The Intercept الأميركي مقالاً تحدث فيه عن السعودية، في ظل قيادة محمد بن سلمان والمآزق التي دخلتها الرياض بسبب انعدام الكفاءة المتأصِّل في القيادة وتخبط سياستها الخارجية.

يقول كاتب المقال مرتضى حسين إنه يتعين على السعودية أن تكون دولةً قوية. فبالنظر إلى امتلاكها خُمس احتياطات النفط المؤكَّدة في العالم، وعلاقاتها الوثيقة مع الدول الغربية ذات النفوذ، والقدرة على الحصول على كميات لا حصر لها من الأسلحة الأميركية، ودعم الشركات العالمية المبنيّ على ارتباط مصالح تلك الأخيرة بالسعودية، والمكانة الدينية الثقافية المتأتية من رعايتها للأماكن الإسلامية المقدسة، ينبغي للمملكة بكل المقاييس وبلا جدال أن تصبح مركز قوةٍ إقليمية.

لكنَّ الكاتب يرى أن نظرةً سريعة على الشرق الأوسط اليوم، ستكفي للقول إن الحال ليس كذلك.

فالسياسة الخارجية السعودية وفق الكاتب تتخبَّط بطريقةٍ قد تكون هزلية إن لم تكن تنطوي على كل هذا الدمار البشري. ففي ظل القيادة الجديدة لمحمد بن سلمان، أصبحت الحكومة السعودية عالقة في مأزق بخسارتها كل حرب وكالةٍ منخرطة فيها. إذ فشلت في إخضاع منافستها الخليجية الصغيرة قطر، ومؤخراً أهانت حليفها، رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فيما يبدو أنَّه محاولة هزلية ومأساوية لزعزعة استقرار الحكومة اللبنانية.

يضيف الكاتب -هو صحفي عمل في نيويورك تايمز الأميركية والغارديان البريطانية- كثيراً ما تتعرَّض السعودية للانتقاد، لكونها منبع الإسلام المتطرف، لكنَّ هذا قد يكون مجرد عَرَضٍ لمشكلةٍ أعمق: انعدام الكفاءة المتأصِّل في قيادتها. فمنذ اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1975 -آخر حكام السعودية الذي يُنظَر إليه باعتباره روَّج صورةً إيجابية للبلاد- كانت السياسة الخارجية للسعودية منقادة على نحو كارثي. فرغم إنفاق مبالغ طائلة من المال لنشر نفوذها، يبدو قادة المملكة محاصرين أكثر فأكثر، ليس فقط في حربٍ مع إيران وحلفائها، لكن أيضاً مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين والمنافسين داخل المملكة.

ومن الوجاهة وفق مقال الكاتب مقارنة السعودية بدولةٍ أخرى في منطقتها تشاركها بالفعل الكثير من القواسم المشتركة معها: إيران. فعلى الرغم من الاختلافات الطائفية والعرقية بينهما، يتشابه الطرفان المتنافسان في العديد من النواحي أكثر من بقية جيرانهما. فكلتاهما دولتان قمعيتان تعتمدان على النفط، وتوظِّفان دين الدولة كأداةٍ لإبقاء شعبيهما تحت السيطرة. وتحاول كلتاهما استخدام الهوية الطائفية كوسليةٍ لزيادة نفوذهما في الخارج. وكل منهما تسعى كذلك إلى ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، دون اكتراثٍ للدمار الناتج عن جهودهما.

هناك اختلافات حقيقية بينهما بطبيعة الحال: فإيران دولة منبوذة دولياً، تمسك بيدها جزءاً فقط من الموارد الموجودة بيد السعودية، وتبدو دوماً على حافة التعرُّض لضربةٍ تمحوها عن بكرة أبيها من جانب الولايات المتحدة التي تناصبها عداءً لا هوادة فيه.

لكن السعودية رغم الجوانب التي لا حصر لها التي تتمتَّع فيها بالأفضلية، أكَّدت أنَّها أسوأ بصورةٍ منقطعة النظير من إيران في اللعبة البائسة لكسب النفوذ في المنطقة.

ومع أنَّه يجري تصوير المنافسة بين الدولتين في بعض الأحيان على أنَّها استمرار لصراعٍ أزلي مُفترَض بين المسلمين السنة والشيعة، فإنَّ الجذور الحقيقية يمكن العثور عليها في تاريخٍ أحدث: ثورة عام 1979.

يواصل الكاتب سرد المقارنة فيقول إنه عام 1979، مرَّت إيران بثورتها الإسلامية وبدأت بحماسةٍ في تصدير أيديولوجيتها الثورية في مختلف أرجاء العالم الإسلامي؛ فروَّجت الجمهورية الإسلامية الجديدة لرؤيةٍ مُسيَّسة للإسلام الشيعي، طورها آية الله الخميني أثناء السنوات الطويلة التي قضاها في المنفى. وفي أثناء ذلك، كانت السعودية فزعة من سقوط نظامٍ ملكي مشابه (نظام الشاه في إيران)، والميول الثورية لقادة إيران الجدد، ووقوع انتفاضةٍ تجديدية فاشلة في مكة ذلك العام (حادثة الحرم المكي). تمثَّل رد فعل السعودية على الانتفاضة في تكثيف جهودٍ موازية للمحاولات الإيرانية لتصدير الثورة، تهدف لتعزيز نسخةٍ أصولية من الإسلام السُّنّي في الداخل والخارج؛ وكان الهدف الظاهري للسعودية هو كسب النفوذ في المنطقة وفي العالم بصورةٍ أوسع.

وبعد ما يقرب من 4 عقود، من الصعب القول أيُّ البلدين أظهر كفاءةً أكثر في الصراع الدائر بينهما.

ففي حين تنظر الكثير من الجماعات الشيعية السياسية في مختلف أنحاء العالم إلى إيران باعتبارها نموذجاً ومصدر دعم، تتعرَّض السعودية للازدراء علناً من جانب المسلمين السُّنّة من مختلف ألوان الطيف السياسي، باستثناءاتٍ قليلة تتألَّف من أولئك الموجودين على قائمة مُتلقِّي مساعداتها المالية. وبإمكان إيران الاعتماد على دعم الميليشيات الشيعية الموالية لها في لبنان والعراق، في حين تعلن العديد من المجموعات السُّنّيّة المسلحة التي نتجت عن جهود التبشير السعودي المتطرف بشكلٍ روتيني الحرب على القادة السعوديين لأنَّهم ليسوا متطرفين بما يكفي.

ويضيف الكاتب: قد يرجع التباين بين حالة التفسُّخ السنّي والالتئام الشيعي جزئياً إلى الطريقة التي تعامل بها السعودية وإيران الطوائف المختلفة داخل كلٍّ منهما. إذ سمحت تحالفات إيران بظهور كياناتٍ سياسية مستقلة لا تسيطر عليها الجمهورية الإسلامية أو تتحكم فيها بشكلٍ مباشر؛ فهي تدعم مجموعات شيعية مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وكلها تحتفظ بقدرٍ من الاستقلالية في عملية صنع القرار. وتسمح إيران حتى لجماعاتٍ وجهات فاعلة لها معتقدات شيعية ليست متوافقة معها بالانضمام إلى صفِّها، وتسعد بستقطاب بعض المجموعات السُّنّيّة والأقليات الدينية الراغبة في العمل تحت قيادتها.

على الجانب الآخر، عملت السعودية بالتنسيق مع رجال الدين المتزمتين فيها لشن حرب أيديولوجية ضد الصور المحلية من الإسلام السُّنّي والصوفية، ووسَّعت نطاق المعركة لتشمل الحركات الإسلامية الشعبوية ذات القواعد الشعبية مثل جماعة الإخوان المسلمين. وقد خلقت تلك الحملات أعداداً لا حصر لها من الأعداء، لكنَّ أصدقاء السعودية لا يزالون غير واضحين، باستثناء عددٍ قليل من العملاء والمشيخات الصغيرة المجاورة. وباستثناءاتٍ قليلة، منع انخراط السعودية في الخصومة الطائفية الصريحة إيَّاها من استقطاب الحركات الشيعية المُنشقّة، وساعدت على دفعها بدلاً من ذلك إلى فلك إيران.

أثبتت السعودية، رغم كل سخائها والمكانة الثقافية التي وفَّرها لها سيطرتها على البقاع المقدسة في مكة والمدينة، أنَّها عاجزةٌ عن استخدام القوة الناعمة لتحسين صورتها في العالم الإسلامي، ناهيك عن إيجاد وكلاء أقوياء مثل حلفاء إيران في حزب الله. وبعيداً عن العلاقات المصلحية مع الدول الأخرى والفواعل من غير الدول، يبدو أنَّ السعودية لا يسعها قبول الحلفاء غير المتوافقين بشكلٍ تام، ليس فقط مع المعتقدات الدينية الخاصة بالنظام، لكن أيضاً مع سلطته المطلقة.



لقد ارتكب قادة إيران وفق مقال موقع The Intercept العديد من الجرائم منذ الثورة، وجعل المجتمع الدولي -الذي يقوده ألد أعداء إيران الولايات المتحدة- العالم على علمٍ بتلك الجرائم. ومع ذلك، لا تزال السياسات السعودية تجتذب الإدانات الدولية على نحوٍ يُقارِع الجمهورية الإسلامية، بالرغم من الدرع الواقي الذي يُوفِّره الدعم المُتكرِّر من جانب الولايات المتحدة. ولوهلةٍ، بدا أنَّ بإمكان السعوديين ادِّعاء أرضيةٍ أخلاقية رفيعة حين وجد الإيرانيون أنفسهم في موقفٍ لا يحظى بأي قبول يدعمون فيه ديكتاتوراً يرتكب جرائم قتلٍ جماعية في سوريا. لكنَّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تخلَّى عن أي سلطةٍ أخلاقية نسبية قد تكون المملكة ادَّعتها، وذلك بعد هندسته لما قد تكون كارثةً إنسانية أكبر في اليمن، الذي يشن فيه التحالف الذي تقوده السعودية، بدعمٍ من الولايات المتحدة، حرباً وحشية مستمرة.


وبدأ القادة السعوديون، الذين يفتقرون لأي دعمٍ أو حلفاء يُعوَّل عليهم في العالم الإسلامي، يتلمَّسون المسار السياسي المُكلِّف في الشرق الأوسط من خلال تبنّي إسرائيل علناً، وفق المقال الذي نشره موقع The Intercept، وحتى في الولايات المتحدة، حيث أنفق السعوديون موارد كبيرة على جماعات الضغط والعلاقات العامة، فشلوا على نحوٍ استثنائي في تحسين صورة بلادهم. وفي حين نجحت المملكة في الاستفادة من ثقافة الفساد المؤسسي في العاصمة واشنطن واستخدمتها لأقامة علاقاتٍ مع النخب، فإنَّ قوتها الناعمة لدى الرأي العام الأميركي تقترب من الصفر. وحتى إيران، التي تناصبها الهياكل السياسية والإعلامية الأميركية عداءً لا هوادة فيه، تضع في واجهتها التي تمثلها كلاً من وزير الخارجية البارع جواد ظريف والرئيس البشوش حسن روحاني، الساعيين لإنعاش صورة البلاد. أمَّا السعودية، فلا يوجد بها شيءٌ مماثل، ولا يوجد لديها في الواقع شخصيات مماثلة يمكنها النجاح في ذلك.


ولا يُمكِن حتى لبلدٍ وُهِب كل تلك الموارد الكثيرة والأفضلية الكبيرة أن يصمد إلى الأبد في ظل قيادةٍ غير كفؤة ومُسرِفة بتلك الصورة الكارثية. وفي الوقت الذي تداهن فيه بعض النخب الأميركية إعلانات المملكة بشأن الإصلاحات الجزئية والغريبة لبناء مدنٍ روبوتية في الصحراء، يكمن انهيارٌ بطيء لا يرحم في الخلفية. وبعد قرنٍ من تأسيسها، أصبحت السعودية مُنساقة بتهوُّرٍ في عالمٍ لن يتحمَّل ذلك إلى الأبد.