الاتفاقيات لا تحميها.. مدن سورية تعيش تحت هجمات الأسد العنيفة رغم دخولها في تهدئة، والنظام يحقق أهدافه بالتصعيد

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA
ATTENTION EDITORS Ð VISUALS COVERAGE OF SCENES OF INJURY OR DEATH A father holds the body of his 4-year-old son Muhannad al-Zahar at Douma hospital after heavy shelling in the rebel-held besieged town of Douma, eastern Ghouta in Damascus, Syria, November 19, 2017. REUTERS/Bassam Khabieh TEMPLATE OUT | Bassam Khabieh / Reuters

تقوض الهجمات القاتلة التي تشنها قوات نظام بشار الأسد اتفاق إقامة مناطق "خفض التصعيد" (التهدئة) في سوريا، والذي تم التوصل إليه بين إيران وروسيا الداعمتين للنظام، وتركيا الداعمة للمعارضة السورية.

وأسفر الاتفاق عن إقامة أربع مناطق تهدئةٍ، حيث كان من المفترض أن يقل عدد الهجمات سعياً لتمهيد السُّبُل نحو إيجاد تسويةٍ سلمية، بحسب ما ذكره تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وتشمل مناطق التهدئة معظم المناطق المتبقية السورية التي لا تزال خاضعةً لسيطرة جماعات المعارضة، فيما يستثني الاتفاق المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وبموجبِ الاتفاق يتعين على الأطراف المتقاتلة الامتناع عن شن هجماتٍ جديدة باستثناء الجماعات المتشددة التي لم توقِّع على المعاهدة، كما أنه من المقرر رفع الحصار الذي طال أمده للسماح بحرية حركة البضائع والأشخاص.

وتقول الصحيفة الأميركية، إنه بعد توقيع الاتفاق استمر النظام في الحصار الذي يفرضه على مناطق المعارضة، كما أنه واصل القصف، على الرغم من "اتفاق أستانا" الذي توصلت إليه تركيا وروسيا وإيران في العاصمة الكازاخية.


صمت دولي


وأسفر التصعيد الأخير في الهجمات وعدم وجود أي احتجاجٍ من الرعاة الدوليين لاتفاق أستانا عن إثارة الشك في نفوس معارضي الحكومة السورية، الذين شككوا في حسن نية الاتفاق من البداية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، قد أصدرا بياناً مشتركاً في الشهر الجاري، نوفمبر/تشرين الثاني، عقب اجتماعٍ عُقِد في مدينة دا نانغ الفيتنامية، يؤكدان فيه "أهمية إقامة مناطق تهدئةٍ كخطوةٍ مؤقتة للحد من العنف في سوريا".

ولكن بعد ذلك بأيام ضربت الغارات الجوية، يوم الإثنين، 13 نوفمبر/تشرين الثاني، سوقاً في مدينة الأتارب في ريف حلب، وهي واحدة من المناطق المشمولة في اتفاق "خفض التصعيد"، وأسفر القصف عن وفاة 75 مدنياً، بحسب ما ذكرته وكالة الأناضول.

وجاء الهجوم في اليوم نفسه الذي شهد إصدار منظمة العفو الدولية تقريراً يُدين الانتهاكات القائمة في "مناطق التهدئة"، وما سمَّته بالعقوبات الجماعية لسكانٍ مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة.

وقالت راوية راجح، المستشارة البارزة لدى منظمة العفو الدولية، وإحدى المُشاركات في كتابة التقرير، في رسالة بريدٍ إلكتروني، إنَّ الهجمات التي تشهدها الأتارب وغيرها من المدن "تُسلِّط الضوء على المخاوف المُثارة إزاء ما يُسمَّى بالمناطق الآمنة ومدى أمانها الفعلي. ونؤكد مراراً وتكراراً أنَّ المدنيين في سوريا لا يجدون ملاذاً آمناً".

وفي ظل تركيز اهتمام العالم على قضايا أخرى في الشرق الأوسط، مثل تصاعد التوترات بين السعودية وإيران، التي أسفرت عن أزمةٍ سياسية في لبنان، لم يكن هناك احتجاجٌ رسمي يُذكَر بشأن الانتهاكات التي تشهدها مناطق التهدئة، حيث يتركَّز الكثير من معارضي الرئيس الأسد المُسلَّحين وغير المسلحين.


استثناء تحرير الشام


ويعتبر زعماء دوليون مناطق التصعيد لبِنةً أساسيةً، في ظل الاستعداد لجولةٍ جديدة من محادثات السلام المدعومة من الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية في الشهر الجاري بين النظام السوري، والمعارضة السورية.

وبحسب تقرير "نيويورك تايمز"، فإن بعض البلاد التي تستضيف ملايين اللاجئين السوريين، من بينها لبنان وتركيا والأردن، تستشهد بتلك المحادثات واتفاق التهدئة كأسبابٍ للضغط من أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم.

ويُجيز الاتفاق الهجومَ على "هيئة تحرير الشام" المُعارِضة للنظام، التي كانت سابقاً تُعرف بـ"جبهة النصرة"، قبل أن تعلن فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة. بيد أنَّ مدينة الأتارب ليست خاضعةً لسيطرة الهيئة، ورغم ذلك تعرضت للقصف العنيف، فضلاً عن أن سكان المدينة قدموا المساعدة لقوات المعارضة المحلية لطرد "داعش" من شمالي سوريا.

وبالنسبة لسكان الأتارب، فقد عزَّز الهجوم شعوراً بفشل اتفاق التهدئة في حمايتهم، وسلَّط الضوء على انفصال الدبلوماسية الدولية عن الواقع المحلي. وقال شادي المحمود، الناشط الذي يعيش في الأتارب: "لقد أصبح استهداف المدنيين في كل مكانٍ عُرفاً سائداً الآن، وكذلك صار الصمت الدولي الذي يتبع هذه الفظائع".


مئات آلاف المحاصرين


وشهدت الأشهر الأخيرة استهداف الغارات الجوية التي شنتها الحكومة السورية أو روسيا مدارسَ ومستشفياتٍ ومنازلَ في إدلب وفي غوطة دمشق الشرقية، الواقعة ضمن اتفاق التهدئة كذلك.

حيث تقول الأمم المتحدة إنَّ 400 ألفٍ من السُّكان محاصرون، وإنَّ طفلاً من كل أربعة أطفال مُعرَّضٌ لخطر الإصابة بسوء التغذية، حيث تعاني الغوطة الشرقية من حصار خانق منذ العام 2013، أدى إلى نقص فادح في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية، كما أن قوات النظام قصفت هذا الشهر مستودعاً للأغذية في الغوطة الشرقية، كان فيه مساعدات للمحاصرين.

واعتبرت "نيويورك تايمز"، أن ما يُزيد تعقيد الوضع هي استراتيجية النظام المتمثلة في إجبار المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة على الاستسلام، ومساومة الناس على خيار العودة إلى سيطرة النظام أو نقلهم إلى إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، إذ انتهى المطاف بنحو 20 ألف شخصٍ نازحٍ بهذه الطريقة إلى بلدة الأتارب القريبة من إدلب.

وأضافت الصحيفة: "تعرَّض عشرات الآلاف من المدنيين للتهجير القسري إلى مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في الشمال، بموجب صفقاتٍ محلية، بعد سنواتٍ من الحصار والقصف غير الشرعيَّين. إنَّهم عالقون بالأساس، ومعرَّضون للاستهداف بسهولة".

وفي الشهر الماضي، أكتوبر/تشرين الأول، أقامت تركيا مراكز مراقبةٍ حول محافظة إدلب بموجب اتفاق التهدئة، بما في ذلك مركز مراقبة يقع على بُعد 15 ميلاً (24 كيلومتراً) فقط من شمالي بلدة الأتارب. بيد أنَّ تركيا لم تُصدر أي بيانٍ عن الهجوم.

وكانت جماعةٌ محلية لمراقبة الطائرات الحربية قد رصدت طائراتٍ حربية روسية، بالقرب من السوق في وقت الهجوم، ولكنَّ روسيا لم تُدلِ بأي تصريحات.

وأكدت منظمة العفو الدولية في تقريرها، أنَّ اتفاق التهدئة استُخدِمَ بالأساس لمصلحة "النظام الساعي لاستعادة السيطرة على بعض المناطق، بالتجويع أولاً ثم التخلص من سكانها الذين رفضوا حُكمه".

جديرٌ بالذكر أنَّ النظام أبدى تحفُّظاتٍ على صيغة اتفاق التهدئة. وقال علي حيدر وزير المصالحة في لقاءٍ مع وسائل إعلام سورية حكومية، إنَّ فشل الاتفاق سيضع جميع الخيارات الأخرى على الطاولة، بما في ذلك القوة العسكرية.

وأضاف: "الدولة السورية أمامها خيارٌ واحد: وهو القضاء على الإرهاب واجتثاثه من جذوره، واستعادة جميع المناطق في سوريا".