إيران منظمة والسعودية تعيش الفوضى.. كيف قصَّرت المملكة بحق السُّنة بينما وقفت طهران خلف جماعات الشيعة؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

نشر موقع The Intercept الأميركي مقالاً تحدث فيه عن السعودية، في ظل قيادة محمد بن سلمان والمآزق التي دخلتها الرياض بسبب انعدام الكفاءة المتأصِّل في القيادة وتخبط سياستها الخارجية.

يقول كاتب المقال مرتضى حسين إنه يتعين على السعودية أن تكون دولةً قوية. فبالنظر إلى امتلاكها خُمس احتياطات النفط المؤكَّدة في العالم، وعلاقاتها الوثيقة مع الدول الغربية ذات النفوذ، والقدرة على الحصول على كميات لا حصر لها من الأسلحة الأميركية، ودعم الشركات العالمية المبنيّ على ارتباط مصالح تلك الأخيرة بالسعودية، والمكانة الدينية الثقافية المتأتية من رعايتها للأماكن الإسلامية المقدسة، ينبغي للمملكة بكل المقاييس وبلا جدال أن تصبح مركز قوةٍ إقليمية.

لكنَّ الكاتب يرى أن نظرةً سريعة على الشرق الأوسط اليوم، ستكفي للقول إن الحال ليس كذلك.

فالسياسة الخارجية السعودية وفق الكاتب تتخبَّط بطريقةٍ قد تكون هزلية إن لم تكن تنطوي على كل هذا الدمار البشري. ففي ظل القيادة الجديدة لمحمد بن سلمان، أصبحت الحكومة السعودية عالقة في مأزق بخسارتها كل حرب وكالةٍ منخرطة فيها. إذ فشلت في إخضاع منافستها الخليجية الصغيرة قطر، ومؤخراً أهانت حليفها، رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فيما يبدو أنَّه محاولة هزلية ومأساوية لزعزعة استقرار الحكومة اللبنانية.

يضيف الكاتب -هو صحفي عمل في نيويورك تايمز الأميركية والغارديان البريطانية- كثيراً ما تتعرَّض السعودية للانتقاد، لكونها منبع الإسلام المتطرف، لكنَّ هذا قد يكون مجرد عَرَضٍ لمشكلةٍ أعمق: انعدام الكفاءة المتأصِّل في قيادتها. فمنذ اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1975 -آخر حكام السعودية الذي يُنظَر إليه باعتباره روَّج صورةً إيجابية للبلاد- كانت السياسة الخارجية للسعودية منقادة على نحو كارثي. فرغم إنفاق مبالغ طائلة من المال لنشر نفوذها، يبدو قادة المملكة محاصرين أكثر فأكثر، ليس فقط في حربٍ مع إيران وحلفائها، لكن أيضاً مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين والمنافسين داخل المملكة.

ومن الوجاهة وفق مقال الكاتب مقارنة السعودية بدولةٍ أخرى في منطقتها تشاركها بالفعل الكثير من القواسم المشتركة معها: إيران. فعلى الرغم من الاختلافات الطائفية والعرقية بينهما، يتشابه الطرفان المتنافسان في العديد من النواحي أكثر من بقية جيرانهما. فكلتاهما دولتان قمعيتان تعتمدان على النفط، وتوظِّفان دين الدولة كأداةٍ لإبقاء شعبيهما تحت السيطرة. وتحاول كلتاهما استخدام الهوية الطائفية كوسليةٍ لزيادة نفوذهما في الخارج. وكل منهما تسعى كذلك إلى ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، دون اكتراثٍ للدمار الناتج عن جهودهما.

هناك اختلافات حقيقية بينهما بطبيعة الحال: فإيران دولة منبوذة دولياً، تمسك بيدها جزءاً فقط من الموارد الموجودة بيد السعودية، وتبدو دوماً على حافة التعرُّض لضربةٍ تمحوها عن بكرة أبيها من جانب الولايات المتحدة التي تناصبها عداءً لا هوادة فيه.

لكن السعودية رغم الجوانب التي لا حصر لها التي تتمتَّع فيها بالأفضلية، أكَّدت أنَّها أسوأ بصورةٍ منقطعة النظير من إيران في اللعبة البائسة لكسب النفوذ في المنطقة.

ومع أنَّه يجري تصوير المنافسة بين الدولتين في بعض الأحيان على أنَّها استمرار لصراعٍ أزلي مُفترَض بين المسلمين السنة والشيعة، فإنَّ الجذور الحقيقية يمكن العثور عليها في تاريخٍ أحدث: ثورة عام 1979.

يواصل الكاتب سرد المقارنة فيقول إنه عام 1979، مرَّت إيران بثورتها الإسلامية وبدأت بحماسةٍ في تصدير أيديولوجيتها الثورية في مختلف أرجاء العالم الإسلامي؛ فروَّجت الجمهورية الإسلامية الجديدة لرؤيةٍ مُسيَّسة للإسلام الشيعي، طورها آية الله الخميني أثناء السنوات الطويلة التي قضاها في المنفى. وفي أثناء ذلك، كانت السعودية فزعة من سقوط نظامٍ ملكي مشابه (نظام الشاه في إيران)، والميول الثورية لقادة إيران الجدد، ووقوع انتفاضةٍ تجديدية فاشلة في مكة ذلك العام (حادثة الحرم المكي). تمثَّل رد فعل السعودية على الانتفاضة في تكثيف جهودٍ موازية للمحاولات الإيرانية لتصدير الثورة، تهدف لتعزيز نسخةٍ أصولية من الإسلام السُّنّي في الداخل والخارج؛ وكان الهدف الظاهري للسعودية هو كسب النفوذ في المنطقة وفي العالم بصورةٍ أوسع.

وبعد ما يقرب من 4 عقود، من الصعب القول أيُّ البلدين أظهر كفاءةً أكثر في الصراع الدائر بينهما.

ففي حين تنظر الكثير من الجماعات الشيعية السياسية في مختلف أنحاء العالم إلى إيران باعتبارها نموذجاً ومصدر دعم، تتعرَّض السعودية للازدراء علناً من جانب المسلمين السُّنّة من مختلف ألوان الطيف السياسي، باستثناءاتٍ قليلة تتألَّف من أولئك الموجودين على قائمة مُتلقِّي مساعداتها المالية. وبإمكان إيران الاعتماد على دعم الميليشيات الشيعية الموالية لها في لبنان والعراق، في حين تعلن العديد من المجموعات السُّنّيّة المسلحة التي نتجت عن جهود التبشير السعودي المتطرف بشكلٍ روتيني الحرب على القادة السعوديين لأنَّهم ليسوا متطرفين بما يكفي.

ويضيف الكاتب: قد يرجع التباين بين حالة التفسُّخ السنّي والالتئام الشيعي جزئياً إلى الطريقة التي تعامل بها السعودية وإيران الطوائف المختلفة داخل كلٍّ منهما. إذ سمحت تحالفات إيران بظهور كياناتٍ سياسية مستقلة لا تسيطر عليها الجمهورية الإسلامية أو تتحكم فيها بشكلٍ مباشر؛ فهي تدعم مجموعات شيعية مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وكلها تحتفظ بقدرٍ من الاستقلالية في عملية صنع القرار. وتسمح إيران حتى لجماعاتٍ وجهات فاعلة لها معتقدات شيعية ليست متوافقة معها بالانضمام إلى صفِّها، وتسعد بستقطاب بعض المجموعات السُّنّيّة والأقليات الدينية الراغبة في العمل تحت قيادتها.

على الجانب الآخر، عملت السعودية بالتنسيق مع رجال الدين المتزمتين فيها لشن حرب أيديولوجية ضد الصور المحلية من الإسلام السُّنّي والصوفية، ووسَّعت نطاق المعركة لتشمل الحركات الإسلامية الشعبوية ذات القواعد الشعبية مثل جماعة الإخوان المسلمين. وقد خلقت تلك الحملات أعداداً لا حصر لها من الأعداء، لكنَّ أصدقاء السعودية لا يزالون غير واضحين، باستثناء عددٍ قليل من العملاء والمشيخات الصغيرة المجاورة. وباستثناءاتٍ قليلة، منع انخراط السعودية في الخصومة الطائفية الصريحة إيَّاها من استقطاب الحركات الشيعية المُنشقّة، وساعدت على دفعها بدلاً من ذلك إلى فلك إيران.

أثبتت السعودية، رغم كل سخائها والمكانة الثقافية التي وفَّرها لها سيطرتها على البقاع المقدسة في مكة والمدينة، أنَّها عاجزةٌ عن استخدام القوة الناعمة لتحسين صورتها في العالم الإسلامي، ناهيك عن إيجاد وكلاء أقوياء مثل حلفاء إيران في حزب الله. وبعيداً عن العلاقات المصلحية مع الدول الأخرى والفواعل من غير الدول، يبدو أنَّ السعودية لا يسعها قبول الحلفاء غير المتوافقين بشكلٍ تام، ليس فقط مع المعتقدات الدينية الخاصة بالنظام، لكن أيضاً مع سلطته المطلقة.

لقد ارتكب قادة إيران وفق مقال موقع The Intercept العديد من الجرائم منذ الثورة، وجعل المجتمع الدولي -الذي يقوده ألد أعداء إيران الولايات المتحدة- العالم على علمٍ بتلك الجرائم. ومع ذلك، لا تزال السياسات السعودية تجتذب الإدانات الدولية على نحوٍ يُقارِع الجمهورية الإسلامية، بالرغم من الدرع الواقي الذي يُوفِّره الدعم المُتكرِّر من جانب الولايات المتحدة. ولوهلةٍ، بدا أنَّ بإمكان السعوديين ادِّعاء أرضيةٍ أخلاقية رفيعة حين وجد الإيرانيون أنفسهم في موقفٍ لا يحظى بأي قبول يدعمون فيه ديكتاتوراً يرتكب جرائم قتلٍ جماعية في سوريا. لكنَّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تخلَّى عن أي سلطةٍ أخلاقية نسبية قد تكون المملكة ادَّعتها، وذلك بعد هندسته لما قد تكون كارثةً إنسانية أكبر في اليمن، الذي يشن فيه التحالف الذي تقوده السعودية، بدعمٍ من الولايات المتحدة، حرباً وحشية مستمرة.

وبدأ القادة السعوديون، الذين يفتقرون لأي دعمٍ أو حلفاء يُعوَّل عليهم في العالم الإسلامي، يتلمَّسون المسار السياسي المُكلِّف في الشرق الأوسط من خلال تبنّي إسرائيل علناً، وفق المقال الذي نشره موقع The Intercept، وحتى في الولايات المتحدة، حيث أنفق السعوديون موارد كبيرة على جماعات الضغط والعلاقات العامة، فشلوا على نحوٍ استثنائي في تحسين صورة بلادهم. وفي حين نجحت المملكة في الاستفادة من ثقافة الفساد المؤسسي في العاصمة واشنطن واستخدمتها لأقامة علاقاتٍ مع النخب، فإنَّ قوتها الناعمة لدى الرأي العام الأميركي تقترب من الصفر. وحتى إيران، التي تناصبها الهياكل السياسية والإعلامية الأميركية عداءً لا هوادة فيه، تضع في واجهتها التي تمثلها كلاً من وزير الخارجية البارع جواد ظريف والرئيس البشوش حسن روحاني، الساعيين لإنعاش صورة البلاد. أمَّا السعودية، فلا يوجد بها شيءٌ مماثل، ولا يوجد لديها في الواقع شخصيات مماثلة يمكنها النجاح في ذلك.

ولا يُمكِن حتى لبلدٍ وُهِب كل تلك الموارد الكثيرة والأفضلية الكبيرة أن يصمد إلى الأبد في ظل قيادةٍ غير كفؤة ومُسرِفة بتلك الصورة الكارثية. وفي الوقت الذي تداهن فيه بعض النخب الأميركية إعلانات المملكة بشأن الإصلاحات الجزئية والغريبة لبناء مدنٍ روبوتية في الصحراء، يكمن انهيارٌ بطيء لا يرحم في الخلفية. وبعد قرنٍ من تأسيسها، أصبحت السعودية مُنساقة بتهوُّرٍ في عالمٍ لن يتحمَّل ذلك إلى الأبد.