الممنوعون في الإعلام يرفضونها.. قوائم المحظوظين بالإفتاء في مصر سياسية أم تنظيمية لمنع الفتاوى الشاذة؟

تم النشر: تم التحديث:
AL AZHAR MOSQUE
TOPSHOT - Muslims of different nationalities attend a lecture at the al-Azhar mosque in Cairo on April 19, 2016.The traditional practice that has taken place for centuries passes down prophetic sayings to new generations through what the scholars say is an uninterrupted chain of narrators going back to the Prophet Mohammed. / AFP / KHALED DESOUKI (Photo credit should read KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images) | KHALED DESOUKI via Getty Images

قائمة بـ50 اسماً للمحظوظين من علماء الأزهر للإفتاء في الفضائيات، تغيرت 4 مرات في 24 ساعة، حتى أصبحت تضم 191، بعد غضب علماء ممنوعين، ومع هذا فتحت معارك عديدة في مصر، وتساؤلات حول توقيت صدورها، وأهدافها.

عدد من علماء الدين الممنوعين من الظهور الإعلامي في مصر، اعتبروا أن قرار صدور قوائم الفتوى "سياسي" ولا علاقة له بالإفتاء، وانتقدوا أن "يصبح الأمر حكراً على عدد معين من العلماء والحجر على الآخرين".

وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أعلن قبل أيام ما سمَّاه "قوائم العلماء المصرح لهم بالإفتاء والظهور على شاشات الفضائيات والصحف المصرية"، بعد تنسيق مع شيخ الأزهر والمفتي، ووزير الأوقاف، وشدَّد على أنها اختيارات المؤسسة الدينية.


مَن حدَّد قوائم العلماء المسموح لهم؟


الشيخ محمد زكي، الأمين العام للجنة العليا للدعوة بالأزهر والأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية، أكد لـ"هاف بوست عربي"، أن "هذه القوائم من اختيار الأزهر ودار الإفتاء، والأسماء التي بها منوط بها الإفتاء رسمياً باسم المؤسسة الدينية عبر وسائل الإعلام، ولكن القائمة قابلة للتحديث".

وأوضح مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن "القائمة" لم تُفرض من المجلس (الحكومي)، ولكنها جاءت "بعد مشاورات مكثفة مع الأزهر.

واعتبر، في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أن "الأسماء المختارة من العلماء جاءت على أساس علمي ديني للعلماء الثقات المعروفين، ولا علاقة للقائمة بالسياسة؛ لأن الأمر يخص العقيدة والدين".


من هم المسموح لهم بالفتاوى إعلامياً؟


المسموح لهم بالإفتاء، حسبما ظهر من الـ50 اسماً في القائمة الأولى، كان من الواضح أنهم من العاملين الرسميين بإدارتي الإفتاء بالأزهر ودار الإفتاء، حتى إن نصف قائمة الأزهر (30 اسماً) كانت من العاملين بـ"مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية"، وإن المظلة التي يقف تحتها أغلب المرشحين هي مظلة إدارية روتينية، من تلاميذ شيخ الأزهر والمفتي.

وتكرَّر الأمر، خصوصاً مع قوائم وزارة الأوقاف، التي تضمَّنت موظفين رسميين يعملون تحت مظلة الوزير، ولم تتضمن أي مفاجآت.


ومن هم الممنوعون من الفتوى ومن الحديث؟


ومقابل تركيز القوائم على الموظفين الرسميين في الأزهر ودار الإفتاء المعنيين بالإفتاء، غاب عن هذه الأسماء المرشحة 5 شرائح من المفتين؛ هم:
1- علماء السلفية مثل محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحاق الحويني.

2- المستقلون ومن بينهم أساتذة كليات الشريعة والفقه بجامعات الأزهر المختلفة، مثل الدكتور محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، الذي يعتبر الجهة الرسمية المنوطة بها الفتوى، وتدريب المفتين.

3- المتهمون بالانتماء إلى الإخوان، مثل مستشار شيخ الأزهر السابق الدكتور حسن الشافعي.

4- الدعاة الجدد، خاصة: عمرو خالد ومصطفى حسني ومعز مسعود.

5- والمغضوب عليهم بسبب فتاوى غريبة، مثل الدكتورة سعاد صالح (صاحبة فتوى معاشرة البهائم)، والدكتور أحمد كريمة (الذي عارض طلب الرئيس السيسي إلغاء الطلاق الشفوي).


ما الهدف من تحديد قائمة المسموح لهم بالفتوى؟


رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، قال إن هدف القائمة ليس منع أحد، ولكن "تقنين الفتوى والحد من ازدهار الفتاوى الشاذة"، في إطار المجهودات المتواصلة بين جميع الجهات المعنيّة بالدولة، لإيقاف سيل فوضى الفتاوى، الذي ظهر في الفترة الأخيرة، بحسب قوله.

وشدَّد في تصريح لـ"هاف بوست عربي": "نرفض سيطرة التكفيريين والمتشددين على منابر الإعلام، واستضافة الإعلام أصحاب الفتاوى الشاذة".

وأشار إلى أنهم يعملون مع مجلس النواب الآن على "قانون متكامل يُعالج القصور في موضوع الإفتاء الديني".

ويتعارض ما قاله مكرم عن قصر الإفتاء على قائمة الـ53 فقط، مع ما أكده الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، الذي أكد أن "الفتوى لن تقتصر عند قائمة الخمسين".

وقال البيان الصادر عن "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" في مصر لهذا الغرض، إن الهدف هو "قصر الفتوى الدينية على الأزهر ودار الإفتاء"، وإن الدولة ستُصدر في أسرع وقت تشريعاً عاجلاً يُنظم الإفتاء في مصر، يقصرُ الفتوى الدينية على من هم في القوائم المرشحة للزيادة.


الأزهر: قوائم للإعلام فقط لا الشأن الديني كله


وعقب الضجة التي أثارها بعض العلماء حول طبيعة القوائم، واعتبار بعضهم أنها تكميم للوعظ الديني، قال "المركز الإعلامي بالأزهر الشريف"، في بيان، إن "هذه القائمة خاصة فقط بمن يمكنهم الظهور للإفتاء في وسائل الإعلام، وليس الشأن الديني بمجمله، وهي ليست حظراً أو منعاً لأحد من العلماء الثقات".


تجار دين يبحثون عن السلطة أو الثروة؟


وجهة نظر أخرى مستقلة، يطرحها الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث في العلوم السياسية، تتمثل في اعتباره أن القوائم لا قيمة لها، ومؤشر على التخلف الاجتماعي، وتتعارض مع خطة تغيير الخطاب الديني، واتهامه جميع القوى الرسمية والإسلامية والمستقلة بالسعي لاستغلال الدين لصالحها.

"حسن" قال لـ"هاف بوست عربي" إنه "ضد قصة الفتوى من أساسها، ومع زيادة الجرعة العلمية لا الدينية، وأن نُعمل عقولنا، وعدم تعطيل ما أعطاه الله لنا من عقل، باللجوء للمشايخ ليحددوا لنا كيف نتصرف، والدخول في التفاصيل مثل دخول الحمام بالقدم اليمنى أم اليسرى؟!"

وعن تفسيره لاستبعاد 5 فئات من هذه القوائم الرسمية، بينهم العلماء المحسوبون على الإخوان والسلفيين، والمغضوب عليهم، والدعاة الجدد، والمستقلون، قال: "كلهم تجار دين".


ما عقوبة العالِم الذي يخالف هذه القائمة؟


قال مكرم محمد أحمد، إن "العقوبة المطبقة على قائمة علماء الأزهر علمية وليست سياسية"، والأزهر هو الذي يطبقها لو خالف أحدٌ الإفتاء المستند إلى أسس علمية يضعها الأزهر.

ولكن الدكتور "عباس شومان" وكيل الأزهر، قال في تصريح صحفي، إن القوائم لا تعني منع علماء آخرين من الإفتاء، ما يشير ضمناً لرفض عقاب المخالفين.


وهل تعاقَب الفضائيات لو استضافت علماء من خارج القائمة؟


وعن معاقبة القناة التي تستقدم أحد العلماء من خارج قائمة الـ53، قال رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: "سوف تكون هناك عقوبة على القناة"، دون أن يحددها.

وهو ما أكده أيضاً للمذيع تامر أمين وهو يسأله عن العقوبة المتوقعة في حال استضافت قناة "الحياة" مثلاً أحداً من خارج القائمة، مؤكداً: "القنوات الفضائية التي ستُخالف قرار المجلس ستعرّض نفسها لعقوبات".


وكيف يرى المستبعدون القرار بإنهاء خدمتهم الإعلامية؟


الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وأحد المستبعدين من الفتوى، وصف قرار منعه من الإفتاء أو الظهور في الفضائيات، بأنه "قرار لا قيمة له وكيدي ضد بعض العلماء"، مشدداً على أن "القائمة سياسية ولا علاقة لها بالإفتاء".

واستغرب "كريمة"، الذي أثار انتقادات حكومية له في وقت سابق؛ بسبب رفضه طلب الرئيس المصري إلغاء الطلاق الشفوي، لـ"هاف بوست عربي" إقصاء عمداء ورؤساء أقسام الشريعة والفقه المقارن بكليات الأزهر من قوائم المفتين الرسمية، واستبعاد عضو هيئة كبار العلماء الدكتور أحمد طه ريان، أستاذ معظم الذين تم إدراجهم في قائمة الفتوى، قائلاً: "المسائل الفقهية في مصر أصبحت مولداً!".

الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، انتقدت أن "يصبح الإفتاء حكراً على عدد معين من العلماء، ويتم الحجر على الآخرين".

د. صالح، وهي أيضاً تعرَّضت لانتقادات بسبب فتاواها الشاذة، قالت لـ"هاف بوست عربي" إنها ظلت 30 عاماً تطلبها الفضائيات للفتوى، مستنكره: "لو اتصل بي مذيع أو صحفي ليسألني رأيي الآن، هل أقول له أنا كأستاذة أزهرية ممنوعة من الكلام في الإعلام!"

واستغربت الدكتورة سعاد صالح عدم وجود سوى سيدة واحدة في قائمة الفتوى، قائلة إن "السيدات السائلات عن الأمور الخاصة بهن كالدماء الثلاثة، وبعض الأمور في العبادات تحتاج إلى المرأة المفتية المتخصصة".


إقصاء من واجهوا الإخوان


أبرز المستبَعدين من قرار الاستبعاد، رغم أنه ملء السمع والبصر في الفضائيات، وله برنامج فقهي بقناة DMC، كان الشيخ خالد الجندي، الذي حاول إخفاء غضبه من القرار بابتسامة، ولكنه عاتب النظام قائلاً: "هل من الممكن إقصاء مَن واجهوا الإخوان ووقفوا بجانب الشعب والجيش والشرطة لصالح من اختبأ في هذا الوقت؟!"

خالد الجندي، وهو عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، قال لـ"هاف بوست عربي" إن برنامجه الفقهي "لعلهم يفقهون" مستمر، "ولكن سنبتعد قدر الإمكان عن الإفتاء بشكل مباشر في البرنامج بعد منعنا".

وظهر خالد الجندي ليقول للمشاهدين خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على فضائية DMC: "لا تسألوني أسئلة فقهية خلال مداخلاتكم الهاتفية؛ منعاً للحرج"، مضيفاً بسخرية: "اللي يسألني مش هقدر على الهواء، وهجاوبه ورا الاستوديو".

وقال معاتباً السلطة: "مين اللي وقف كتفه في كتف مصر والجيش والشرطة وتصدّى للإخوان؟! بقي اللي وقفوا جنب البلد يتم إقصاؤهم لحساب اللي بعضهم اختفوا؟! هل يتساوى الذين جاهدوا من أجل البلاد ودفعوا الثمن غالياً مع الذين كانوا مختبئين وصامتين؟ هل هذه مكافأة نهاية الخدمة؟!".