إسرائيل لن تخوض حروب السعودية.. أبرز خبرائها العسكريين يكشف التهديد الأكبر على بلاده في الوقت الراهن

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

لم يكن الراحل شيمون بيريز، رئيس إسرائيل ورئيس وزرائها سابقاً، مولعاً كثيراً بأجهزة الاستخبارات في بلاده، بل اعتاد السخرية من رؤساء أجهزة الاستخبارات لفشلهم في معرفة التطورات المهمة في الشرق الأوسط بشكلٍ صحيح.

يقول عاموس هرئيل، المراسل العسكري لصحيفة هآرتس الإسرائيلية وأحد أبرز خبراء الإعلام الإسرائيلي في الشؤون العسكرية والدفاعية، إن بيريز لو كان حياً لربما كان قد ابتسم في وقتٍ سابق من هذا الشهر حين اتَّضح أنَّ الاستخبارات الإسرائيلية أُخِذَت على حين غرةٍ مرةً أخرى. وهذه المرة، فاتتهم التطورات الأخيرة في لبنان، التي بدأت بالاستقالة المُفاجئة لرئيس الوزراء سعد الحريري بضغطٍ من السعودية.

وفي مقال له بمجلة فورين بوليسي الأميركية، يوضح هرئيل أن أعضاء الحكومة الإسرائيلية أكدوا أنَّ الحكومة لم يكن لديها أي فكرة عن خُطط الحريري، حيث أخبره أحد الوزراء قائلاً: "كي أكون منصفاً، لم يكن الأميركيون هم أيضاً ولا أي طرف آخر على علم بهذا الشأن".

ويوضح هرئيل في مقاله أن إسرائيل دعمت في البداية استقالة الحريري وألقت باللائمة على إيران لتدخُّلها في الشؤون اللبنانية، وهي مجموعة نقاط حوار شبيهة على نحوٍ لافت بالموقف السعودي.


ارتباك إسرائيلي


لكنَّ تلك التصريحات العلنية الأولى كانت تخفي وراءها ارتباكاً إسرائيلياً كبيراً حيال الخطوات السعودية الأخيرة، بحسب قوله، فبعد استقالة الحريري بفترةٍ وجيزة، توقَّف الوزراء الإسرائيليون عن الحديث عن الأزمة علناً. ويدرك الإسرائيليون أنَّ خطوة الحريري كانت بإجبارٍ من السعودية، لكنَّهم لا يزالون يحظون بوقتٍ عصيب لمعرفة ماهية خطط الرياض.

أمس الخميس، 17 نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت صحيفة "إيلاف" السعودية مقابلةً نادرة مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي أيزنكوت، أكَّدت الموقف الإسرائيلي الأساسي، حيث أكَّد أيزنكوت أن السعوديين والإسرائيليين متَّفقون حين يتعلَّق الأمر بطهران، واصِفاً إيران بأنَّها "أكبر تهديد للمنطقة". لكنَّه قلَّل من احتمال أن يكون وقوع مواجهةٍ بين حزب الله وإسرائيل وشيكاً، قائلاً: "لا أرى احتمالاً كبيراً لهذا الأمر في هذه المرحلة".

وقال رئيس الأركان إن للسعودية وإسرائيل مصالح مشتركة ضد التعامل مع إيران. لكنه نفى في الوقت نفسه وجود أي نية لدى جيش بلاده لمهاجمة حزب الله في لبنان، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل بأي تهديد استراتيجي لها.


لماذا هذا التغير المفاجئ؟


ويميل الخبراء العسكريون والأكاديميون في إسرائيل -بحسب الكاتب الإسرائيلي- إلى تفسير التفجُّر المفاجئ للنشاط لدى السعوديين باعتباره جهداً من جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لترسيخ سلطته داخلياً وإظهار قوته في مختلف أنحاء المنطقة، التي يعتزم الحد من النفوذ الإيراني فيها.

لكنَّ الإسرائيليين يتساءلون عمَّا إذا كان الأمير السعودي مستعداً لمثل هذه الأجندة الطموحة: ففي نهاية المطاف، لم يقم فقط بإزاحة الحريري عن منصبه واعتقال عشرات الأمراء ورجال الأعمال السعوديين المتهمين بالفساد، بل يحاول أيضاً عزل قطر، ويضغط على مصر في ما يتعلَّق بتفاصيل اتفاق المصالحة الفلسطينية، ويواجه رجال دين سعوديين في الداخل.

والجنرالات الإسرائيليون متشكِّكون بشكلٍ عام في القدرات العسكرية السعودية. فقال أحد المسؤولين العسكريين البارزين: "لديهم المال، لكن ليس لديهم قوة صلبة حقيقية كبيرة. لقد كانوا على استعدادٍ فقط للقتال على هامش الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وفشلوا فشلاً ذريعاً في حرب اليمن. من المدهش بالنسبة لنا رؤية مدى بطء تكيُّفهم للتعامل مع حرب العصابات".

ومنذ سلسلة تحركات بن سلمان المفاجئة، كما يشير مقال فورين بوليسي، أشار بعض المحللين إلى أنَّ السعوديين، بموافقة الحكومة الإسرائيلية، يدفعون عن قصد إسرائيل وحزب الله إلى مواجهةٍ عسكرية جديدة.



وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله سريعاً في الإشارة إلى فكرة وجود مؤامرة صهيونية – وهابية لتدمير لبنان في خطابه الذي ألقاه الجمعة، 10 نوفمبر/تشرين الثاني، لكن فكرة أنَّ إسرائيل متواطئة مع الخطوات السعودية الأخيرة تبقى بعيدة، بحسب هرئيل.

ويوضح الكاتب: "صحيحٌ أنَّ كلاً من السعودية وإسرائيل تقفان الآن في نفس الجانب حين يتعلَّق الأمر بالتصدي للنفوذ الإيراني، ويمزح حتى بعض المحللين الإسرائيليين بالقول إنَّ إسرائيل أصبحت دولةً سُنيّة معتدلة. لكن لا يزال هناك طريقٌ طويل من المصالح المشتركة وصولاً إلى موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي على المخاطرة بحياة الجنود في حربٍ يمكن قطعاً القول إنَّها، بخلاف ما سبق، ستؤدي إلى مصالح سياسية سعودية".

ويقف التاريخ، وفق فورين بوليسي، أيضاً ضد فكرة أنَّ حرباً سعودية – إسرائيلية مشتركة ستنجح في تغيير النظام السياسي اللبناني. فقد حاولت إسرائيل في الماضي وفشلت في فرض ترتيباتٍ سياسية على لبنان، أشهر تلك المحاولات كانت حرب أرئيل شارون عام 1982 على منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي نفس الوقت، شعر السعوديون بخيبة أملٍ مرتين بسبب رفض إسرائيل التدخُّل العسكري نيابةً عنهم: الأولى بعدم قصف المواقع النووية الإيرانية، ثُمَّ بالامتناع عن دعم مجموعات الثوار السُنّيّة بفعالية في معركتهم ضد نظام الأسد خلال الحرب السورية.

ولطالما كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مُتجنِّباً تماماً للمخاطر حين يتعلَّق الأمر بالتورُّطات الخارجية، وفق كاتب المقال، فخلال 12 عاماً تقريباً قضاها في منصبه، لم يشنّ سوى عمليتين في قطاع غزة –إحداهما كانت محدودة النطاق نوعاً ما– فقط بعدما استفزته حركة حماس بصورةٍ مباشرة. وبالمقابل، ذهب سلفه إيهود أولمرت إلى الحرب في لبنان عام 2006، وفي غزة عام 2008، وبينهما نجح في قصف محطة نووية سورية.

ويؤكد الكاتب الإسرائيلي أنه من الصعب تصوُّر أن يتخلَّى نتنياهو -الذي لم يعترف سوى مرةٍ واحدة بعشرات الغارات التي يشنها سلاح الجو الإسرائيلي ضد قوافل أسلحة حزب الله في سوريا- عن كل هذا الحذر ويقوم بما يطلبه السعوديون.

فإن لم يكن حزب الله يرغب في حربٍ بهذه المرحلة، فلماذا إذاً يجب أن تبدأ إسرائيل واحدةً الآن؟ فحرب الاختيار هي دوماً مسألةٌ حساسة للغاية في الساحة السياسية الإسرائيلية، وفي ظل مواجهة نتنياهو بالفعل لضغوطٍ ضخمة بسبب مشكلاته القانونية، فلابد أن يكون متهوراً بشكلٍ غير معهود حتى يختار مثل هذا المسار.

ويوضح الكاتب حقيقة أنَّ لا إسرائيل ولا حزب الله يعتزمان شن حرب بالتأكيد ليست ضمانة على عدم وقوع حرب. فإسرائيل دوماً ما يبدو أنَّ خطأين فقط يفصلانها عن حربٍ في لبنان وغزة. فاحتمال وقوع حربٍ عَرَضية في لبنان هو السيناريو الذي يستعد من أجله الجيش والذي يُطلِع المسؤولون الإسرائيليون نظراءهم الأميركيين عليه مراراً.

لكنَّ الإسرائيليين أيضاً مُدركين تبعات صراعٍ آخر في لبنان: دمار غير مسبوق على الجبهة الداخلية نتيجةً لحملة صواريخ كبيرة من جانب حزب الله ضد كلٍ من السكان المدنيين والبنية التحتية الاستراتيجية.

وفي المقابل، ستضرب إسرائيل ربما البنية التحتية للدولة اللبنانية، أملاً في إجبار حزب الله على التوقُّف، وبالتالي تخاطر بالتعرُّض لانتقاداتٍ من المجتمع الدولي، وفق فورين بوليسي.

ويساوي المسؤولون الإسرائيليون على نحوٍ متزايد بين مؤسسات الدولة اللبنانية وحزب الله، فقال وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، مؤخراً إنَّ الجيش اللبناني أصبح جناحاً للميليشيا المُسلَّحة.

ويخلص الكاتب الإسرائيلي إلى أنَّ التهديد الأكبر للاستقرار على حدود إسرائيل في الوقت الراهن ليس ما تُخطِّط له السعودية، بل محاولات إيران ترسيخ قوتها العسكرية في سوريا. ففي الأسابيع القليلة الماضية حذَّر نتنياهو وليبرمان مراراً من أنَّهما لن يسمحا للإيرانيين ببناء قواعد عسكرية في سوريا أو نشر ميليشيات شيعية قرب حدود إسرائيل في مرتفعات الجولان. وهذان هما خطا إسرائيل الأحمران الجديدان في سوريا، وهنا هو المكان الذي قد يبدأ فيه صراع عسكري جديد خطير، أكثر من لبنان.