قتل وتعذيب وإخفاء قسري وفشل في حماية النظام.. إنجازات العادلي أكثر وزراء داخلية مصر بقاءً في منصبه

تم النشر: تم التحديث:
7ABIB ADLI
هاف بوست

عاد اسم وزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلي للتردد بعد أنباء عن عمله مستشاراً لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

أطيح بالعادلي من منصبه على خلفية مظاهرات ضخمة تحولت إلى ثورة، اختار منظموها أن تكون في عيد الشرطة التي كان يرأسها الرجل، فماذا فعل الرجل خلال عهده؟ وبم تميز عن باقي وزراء الداخلية؟


جاء للوزارة بعد فشل سلفه


صيف عام 1997، كان الرئيس الأسبق مبارك متجهاً إلى الأقصر لتفقد ما حدث في الدير البحري، حيث قتل أعضاء الجماعة الإسلامية قبل ساعات نحو 58 سائحاً، منهم 36 سويسري الجنيسة.

إلى جوار مبارك كان يقف مساعد وزير الداخلية لجهاز مباحث أمن الدولة آنذاك، حبيب العادلي. كانت علامات الاستياء ظاهرة على الرئيس، عندما سأل أحد الجنود إذا كان في بندقيته أي ذخيرة، فأجاب الجندي بالنفي، حمل مبارك جواب الجندي وألقاه على حسن الألفي وزير الداخلية قائلاً "ده تهريج". عاد الألفي من الأقصر إلى منزله، بينما كان مساعده العادلي يتسلم كرسي الوزارة بدلاً منه. من هذه اللحظة بدأ العادلي العمل على ملف الجماعة الإسلامية.

في نفس العام، أطلقت الجماعة الإسلامية ما سمته "مبادرة وقف العنف" على لسان أحد قيادييها من قاعة إحدى المحاكم العسكرية. ترك العادلي الفرصة لهذه المبادرة، وبدأ ما سمتها البوابة نيوز "لعبة الاحتواء"، وأرسل اللواء أحمد رأفت مسؤول ملف النشاط الديني في أمن الدولة لمقابلة كرم زهدي أمير الجماعة الاسلامية في السجن للتفاوض.

انتهى التفاوض إلى وقف أحكام الإعدام التي حكم بها على أعضاء في الجماعة، وتعهدت الجماعة بتسليم سلاحها، وأن يسلم الهاربون أنفسهم، فيطلق سراح من لم يشترك في القتال منهم، ويُعتقل من اشترك في القتال لمدة 5 سنوات دون محاكمة، حسب ما قال على الشريف القيادي في الجماعة للبوابة نيوز.

يعتبر العادلي تجربته أكثر إيجابية مما توقع الكثيرون، ويقول في تصريحات نقلتها صحيفة الشرق الأوسط عام 2005 "إن كل من خرج من السجن من الجماعة الإسلامية انخرط في المجتمع وتم التعامل مع الموضوع بأكمله من منظور اجتماعي، فهم مصريون شذوا عن القاعدة وأرادوا العودة إلى الصواب ويجب علينا مساعدتهم."

تجربة المراجعات التي أطلقها العادلي كان لها أثر في تهدئة الأمور، لدرجة أن يصف الشريف السجون في عهد العادلي بأنها "كانت أحسن سجون على وجه الكرة الأرضية، وإن كانت في بداية توليه نار الله الموقدة والتعذيب ليل نهار، إلا أنه في النهاية أراحنا في السجون راحة ممتازة". وهو نفس الوصف الذي عبر به القيادي السابق في الجماعة، ناجح ابراهيم عن المبادرة عندما قال: أثمرت المبادرة عن سابقة فريدة، هي أن الجماعة الإسلامية لم تكن هي فقط من راجعت نفسها، ولكن الأمن أيضاً قام بمراجعة منظومته كاملة، في سابقة تحدث لأول مرة، وتحولت مقرات أمن الدولة التي كان الجميع يخشاها إلى مكان لحل مشاكل المعتقلين.

مازالت قيادات الجماعة تمتدح إدارة العادلي للملف حتى الآن، فبعد 18 عاماً من إطلاق المبادرة -التي أطلق عليها وصف المراجعات الفكرية أيضاً- وصفتها قيادات الجماعة بأنها "أثمرت ثماراً ذاق حلاوتها المجتمع المصري كله".

ويرى عصمت الصاوي من قيادات الجماعة أن المبادرة "قدمت حلولاً جذرية وأبدية تقضي على الاحتراب الداخلي، وتستأصل جذوره وفق رؤية شرعية وواقعية متكاملة، وأصبحت اليوم مبادرة وقف العنف وتجربة الجماعة الإسلامية في التسعينيات بمثابة النموذج الذي ينهل منه المفكرون والساسة والمراقبون وصناع القرار في محاولة التعامل والتعاطي مع مشكلة الإرهاب.

ويتذكر الباحث السياسي محمد العربي، أيام العادلي في الوزارة التي يقول إن الظروف كانت مناسبة لتولي الرجل القادم من جهاز أمن الدولة، ليتولى ملف القضاء على الجماعة الإسلامية، حيث كانت الجماعة في ذلك الوقت تمارس العنف بلا هدف واضح سوى أنه عنف، وقد نجح العادلي في ذلك.

في الشهور الأخيرة نشرت الصحف المصرية مقولات منسوبة لحبيب العادلي، قيل إنها جزء من مذكرات عكف الرجل على كتابتها مؤخراً، كانت هذه إحدى المقولات "عندما دخلت الوزارة كان المعتقلون 23 ألفاً وعندما خرجت كانوا لا يزيدون على 800 شخص، لأنه في 2003 خرج 13 ألف معتقل نتاج المصالحات الفكرية، وهؤلاء الـ800 عندما كانوا يجلسون مع الضباط يقولون لهم أنهم لو خرجوا سيقتلونهم باكراً، وللأسف تم الإفراج عنهم في العهد الماضي، وذهبوا لسيناء وجبل الحلال".


"الثقة الزائدة بالنفس" تنتج أساليب جديدة في التعذيب


كان عام 2003 محطة جديدة في رحلة العادلي، كما يشرح محمد العربي "كان الأفق السياسي مسدوداً في تلك الفترة ولا يوجد حراك سياسي، والمشكلة الأساسية التي كانت عنف الجماعات الإسلامية بدت في طريقها للحل، لكن حرب العراق كانت بداية نزول الناس للشارع للمرة الأولى منذ 1977".

في نفس العام، اختفى مساعد رئيس تحرير جريدة الأهرام رضا هلال في ظروف غامضة، لم يظهر بعدها حتى اﻵن. ترجح أسرة هلال أن الداخلية قد اختطفته وقامت باخفائه، خصوصاً أنه كان ينتقد توريث الحكم لجمال مبارك في وقت مبكر. وتضيف الأسرة أن مشادة وقعت بينه وبين إلهام شرشر زوجة حبيب العادلي، التي كانت تعمل صحفية في الأهرام أيضاً، بسبب نفس الموضوع. في التحقيقات التي أجرتها النيابة، اتهم أشقاء رضا وزير الداخلية بالمسؤولية عن الأمر هو وجمال ومبارك، وإلهام شرشر التي تقول الأسرة أنها هددت هلال في مكالمة تليفونية، لكن التحقيقات لم تصل لشيء عن الرجل.

الحديث عن مصير رضا غير موثق، فقد شهد الصحفي عماد فواز الصحفي بجريدة الكرامة، بناء على وثيقة قال إنه حصل عليها، أن هلال قد اختطف بواسطة التنظيم السري الذي أشرف عليه حبيب العادلي بنفسه وقاموا بإيداعه في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية عنبر الخطرين تحت اسم مستعار في نفس عام اختفائه، بينما شهد الصحفي محمد الباز بناء على ما أكدته مصادره في الداخلية، ونشره في صحيفة الفجر، أن رجال الوزير عذبوا هلال حتى الموت، وقاموا بدفن جثته في مقابر البساتين، أو تحت مبنى الاستثمار بمحافظة القاهرة.

كان العادلي شاهداً على ما يقرب من نصف مدة حالة الطوارئ التي طبقت طوال عهد مبارك، ورغم ذلك، كان الأول الذي استمر في منصبه 14 عاماً، كأطول وزير يتولى المنصب، ينفي أن تكون الطوارئ تستخدم إلا في أضيق الحدود.

مرت ثلاث سنوات أخرى، حتى انفجرت قضية تعذيب عماد الكبير، سائق الميكروباص الذي قبض عليه عام 2006، أثناء مشاجرة في بولاق دكرور أحد أحياء محافظة الجيزة. داخل القسم، تم ضربه بقوة، ثم حاول الضابط إدخال عصا في مؤخرته. تم تصوير هذه الواقعة بواسطة أمين شرطة، ثم وزعت أسطوانة مدمجة على سائقي الميكروباص يتضمن الفيديو إذلال عماد. تم تداول المقطع بشكل كبير وقتها، لدرجة أنه كان حديث وسائل الإعلام والنشطاء.

لم يكن العادلي مسؤولاً بشكل مباشر عن الواقعة، لكن الحالة التي خلقها الرجل كانت السبب. يوضح محمد العربي: طوال الوقت هناك تعذيب، وأنت تتحدث عن جهاز أمني هذه طبيعته، فالعادلي لم يخترع التعذيب، لكن حالة الثقة بالنفس الزائدة التي وصلت لها الداخلية جعلتها تأخذ أي شخص "تبهدله في القسم، أو تغتصبه بعصاية، وتصوره بشكل عادي جداً. وفكرة التصوير جاية من فكرة المتعة أنه بيعمل كدا ومش خايف من أي حاجة".

يرى محمد العربي أن السبب في زيادة التعذيب بشكل ملحوظ أن الإجراءات الاقتصادية التي كانت تتخذ وقت ظهور جمال مبارك مثل الخصخصة، كانت تتطلب مواجهة أمنية لأي احتجاجات محتملة، وهو ما حدث مع اعتصام 6 أبريل في المحلة عام 2008. لا يمكن القول إنه كان هناك تحالف بين العادلي ومبارك، لكنه نوع من التنسيق.

ويعد العادلي أطول وزير داخلية بقاءً في عصر مبارك أو حتي في تاريخ مصر الحديث.


الفشل يتفاقم مرة أخرى


في الفترة التالية وقعت عدة أحداث، اتهمه البعض بالإهمال فيها، واتهمه آخرون بالتسبب فيها بشكل مباشر. ففي 2005 وقعت تفجيرات في المدينة ذات الطابع السياحي شرم الشيخ، راح ضحيتها 88 قتيلاً منهم 7 أجانب.

تفجيرات مماثلة حدثت بالقرب من مسجد الحسين عام 2009، الذي يحمل نفس الطابع السياحي، قتلت فيها سائحة فرنسية، وأصيب 17 شخصاً. بعدها بعامين، وقعت تفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية، التي تسببت بمقتل 23 شخصاً.

وقتها قال العادلي أنه تأكد من مسؤولية تنظيم -يدعي جيش الإسلام وله أنشطة بقطاع غزة- عن التفجير.

في إطار التحقيقات التي أجرتها الشرطة، قتل الشاب السكندري، سيد بلال بعد ساعات من استدعائه للتحقيق في أمن الدولة، ووجد على جثته آثار تعذيب في الوجه واللسان والقدم. لم يكن بلال الشاب الأول في الإسكندرية الذي قتل على يد الداخلية، حيث سبقه خالد سعيد بستة أشهر على يد عنصري شرطة قاما بتفتيشه وضرب رأسه في سلم رخام حتى توفي. تسببت أخبار وصور مقتل الشابين في غضب واسع لدى النشطاء الذين قرروا النزول للتظاهر في عيد الشرطة الموافق 25 يناير 2011.

حسب مذكراته التي نشرتها الصحف، يقول العادلي" المعلومات التي جاءتنا عن أعداد المتظاهرين جاءت مغلوطة، حيث توقعنا أن العدد لن يزيد عن 400 ألف في كل المحافظات، لكن فوجئنا بالحشود"

بعد 3 أيام من التظاهر، كانت الشرطة تنسحب من الشوارع بعد أن أوقعت 664 قتيلاً، ثم نفدت ذخيرتها، في حين احتلت كل الميادين والشوارع الرئيسية، وبدأ اعتصام الآلاف في ميدان التحرير. في محاولة لاحتواء الموقف أقال مبارك العادلي في 31 يناير 2011، وقدم لمحاكمة عاجلة بدأت في فبراير من نفس السنة، وحبس العادلي في سجن طرة على ذمة قضايا الأمر بقتل المتظاهرين، والتربح وغسيل الأموال.

ظل العادلي في السجن حتى مارس 2015، بعد أن حصل على براءة في قضايا "الكسب غير المشروع"، و"اللوحات المعدنية"، و"قتل المتظاهرين" بينما قضى عقوبة الحبس 3 سنوات بقضية "سخرة المجندين".

خضع العادلي للإقامة الجبرية منذ نوفمبر 2016، في منزله بمدينة 6 أكتوبر، قبل أن تحكم عليه محكمة جنايات القاهرة بالسجن 7 سنوات في قضية فساد الداخلية.
لم تجد قوات الأمن التي توجهت لمنزل العادلي في أبريل 2017 الرجل في المنزل الذي يقيم فيه جبرياً -تحت حراسة- ومازال محاميه يؤكد أنه في مصر، وسيحضر جلسات إعادة محاكمته في يناير 2018.