السعودية تخوض معارك خاطئة ضد إيران ولا تملك خطة واضحة للتعامل معها.. وطهران تتفوق بنقطة قوة على المملكة

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

وجدت السعودية دوراً جديداً لها في السنوات الأخيرة، بعد أن كانت قوة إقليمية سلبية وحذرة. ويتردد صدى الطموح الذي لا هوادة فيه لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خاصة بعد أن قمع رجالَ أعمالٍ وأفراداً من العائلة المالكة، عبر الشرق الأوسط، مدفوعاً بالرغبة الملحّة لاختبار النفوذ الإيراني. ولدى الأمير وجهة نظر في هذا الشأن. إيران على وشك أن تصبح قوة مهيمنة في المنطقة بدءاً من العراق ووصولاً إلى لبنان.

في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، يقول إميل حكيم، الباحثٌ في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن السعودية ربما تبالغ في وصف نوايا ونفوذ إيران، لكن الدول الغربية والآسيوية تقلل من شأن هذا الأمر.

ويؤكد حكيم أن الإيرانيين أنفسهم واضحون بشأن الكيفية التي ينظرون بها للمنطقة، وهو ما تبيّن من تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني عندما قال متفاخراً الشهر الماضي: "لا يمكن اتخاذ أي قرار في العراق، وسوريا، ولبنان، وشمال إفريقيا، ومنطقة الخليج دون موافقة إيران".

وربما لا تتمتع طهران بسيطرة كاملة في بغداد، ودمشق، وبيروت، لكنها تستطيع تشكيل السياسية والمعارك في هذه الدول بفضل وكلائها وحلفائها.

وبالنظر إلى هذه الظروف، يقول كاتب المقال، فإن لدى الأمير محمد بن سلمان أسباباً وجيهة للتشكيك في قيمة السياسة الخارجية لحكام السعودية السابقين، التي كانت تتسم بتجنب المخاطر.

ويشير الكاتب إلى أنه في ظل حكم ملوك السعودية السابقين، كانت الرياض حريصة فعلاً على التواصل مع طهران رغم الممارسات الإيرانية الاستفزازية، مثل تسريع وتيرة تطوير برنامجها النووي في الوقت الذي كان يتودد فيه الملك عبدالله للرئيسين الإيرانيين أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، والتآمر لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.

لكن الآن باتت السياسة الخارجية والأمنية السعودية جامحة، بحسب وصف كاتب المقال، وبدلاً من مقاومة النفوذ الإيراني بحرصٍ وحشد دعم واسع لهذه المجهودات، سلكت الرياض نهجاً عشوائياً، مثيراً للقلق، وذا نتائج سلبية - ولا تزال إيران متقدمة عن الرياض بخطوة.


عاصفة الحزم


كان التدخل السعودي في اليمن، أو ما سُمي "عاصفة الحزم"، حيث حاربت المملكة وحلفاؤها نيابة عن قوات الحكومة اليمنية، التي تقاتل ضد الحوثيين المدعومين من إيران، مُكلِّفاً وغير حاسم، حتى بعد مرور أكثر من عامين ونصف على الحرب.

ويوضح إميل حكيم أنه في الواقع يمكن أن يؤدي التدخل السعودي في اليمن إلى نفس النتيجة التي ترغب الرياض في منعها، وهي تحوُّل حركة الحوثيين إلى كيانٍ شبيهٍ بحزب الله في لبنان، باستثناء أن الحوثيين أقرب إلى الحدود السعودية. وما لم تنته الحرب في اليمن قريباً، سيتربع هؤلاء المقاتلون المسلحون والمدعومون من إيران فوق قمة دولةٍ ممزقة ومجتمع يتضور جوعاً.

ويضيف حكيم في مقاله أن الحصار المفروض على قطر بقيادة السعودية أكثر نجاحاً من تدخلها في اليمن. فقد أثمرت جهود الرياض الرامية إلى ترويض السياسات الإقليمية القطرية المفعمة بالقوة والثقة، وباتت أزمة حصار الدوحة تحظى حالياً باهتمامٍ أقل على ساحة الدبلوماسية الدولية.

ورغم هذا فإن تكلفة تدهور صورة المملكة في المنطقة مرتفعة، فقد بات العديد من عواصم الدول يرى الصراع، الذي يصفه السعوديون على أنه كفاحٌ من أجل مستقبل الشرق الأوسط، بأنه صدامٌ مدمر غير ضروري بين العائلات الملكية الغنية في المنطقة.

وتسببت المغامرة السعودية الأخيرة - التي تمثلت في إجبار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي كان حليفاً مفضلاً للرياض من قبل، على الاستقالة ووضعه قيد الإقامة الجبرية، على الأرجح - في إرباك العديد من الأشخاص في لبنان ودولٍ أخرى. ومن المحتمل أن تكون هناك تداعيات لهذا الأمر، وفق ما يؤكد كاتب نيويورك تايمز.


الرابح الأكبر


وتصبّ هذه الخطوة في مصلحة إيران وحزب الله، اللذين يتظاهران باحترام مؤسسات الحكم اللبنانية، رغم أنهما عمِلا على تقويض الدولة اللبنانية لعقودٍ عبر اغتيال المنافسين، وإغراق البلاد في حروب أجنبية، وجلب مقاتلين أجانب إلى المنطقة.

وعلى النقيض، كانت السعودية تدعم مؤسسات الدولة وتتعاون مع سياسيين معترف بهم كممثلين للحكومة مثل الحريري. ويشير الكاتب إلى أن ما يدور في ذهن الرياض حالياً وما تخبِّئه في جعبتها للبنان ليس واضحاً.

وفي واقع الأمر، فإنه إذا كان هدف الرياض هو مواجهة إيران فإنها تختار المعارك الخاطئة، إذ تعد لبنان واليمن دولاً هامشية تتسم الحروب فيها بتعقدها وارتفاع تكلفتها، بينما تبقى نتائجها غامضة ومكاسبها منخفضة. وفي الشرق الأوسط تتحدد موازين القوى في سوريا والعراق. لكن التكلفة مرتفعة والمخاطر أكثر ارتفاعاً في هذه الدول. وفي كلتا الدولتين تتقدم إيران عن السعودية كثيراً.

يقول إيميل حكيم في مقاله بنيويورك تايمز إن الرياض اعتقدت في عام 2011 أن دعمها للتمرد السوري سيساعدها في تعويض الهيمنة الإيرانية في العراق. لكن مجريات الأمور لم تسر بهذه الطريقة. فلا يمكن إحياء التمرد السوري المترنح، وانسلت الولايات المتحدة من الحرب الأهلية السورية بشكلٍ رئيسي، وبات مستقبل البلاد يتحدد في موسكو، وأنقرة، وطهران.

وربما هناك أنباء أفضل للسعوديين في العراق، حيث يحاولون استعادة دورهم بعد أن ظلوا ينكرون الواقع السياسي الجديد في البلاد منذ عام 2003. وتعد محاولات التقرب من مقتدى الصدر، رجل الدين المتقد الذي تحول إلى رمزٍ شعبوي يعارض دور إيران في العراق، وتأييد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، خطوات مذهلة لموازنة النفوذ الإيراني، لكن تأثيرها لا يزال غير مؤكد حتى الآن.

وتعلمت الرياض، بطريقةٍ قاسية، أن التحالفات الإقليمية، التي تُبنى بتكلفةٍ هائلة، لا تُؤتي المكاسب العسكرية والسياسية المتوقعة بالضرورة.


السيسي والرياض


ويشير الكاتب في مقاله إلى أن السعوديين دعموا نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بمليارات الدولارات، لكن السيسي حالياً يستأنف علاقته بالرئيس السوري بشار الأسد ويرفض الضغط السعودي لتصعيد التوتر مع إيران. كما رفض طلب السعودية بإرسال قوات مصرية إلى اليمن للقتال ضد الحوثيين.

وأكد الرئيس المصري أن بلاده تعارض توجيه ضربات عسكرية لإيران أو حزب الله اللبناني، ولا تفكر في اتخاذ أي إجراءات ضد حزب الله. وقال السيسي في مقابلة تلفزيونية إن أزمات المنطقة يمكن أن تعالج بالحوار، غير أنه دعا إيران إلى التوقف عن تدخلاتها، بحسب ما ذكرت قناة الجزيرة.

وكانت إعادة اصطفاف وتقارب السياسات السعودية والأميركية نجاحاً بارزاً للسعودية، وهو ما يُفسِّر استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأداءٍ مسرحي في المملكة. وتعاني الرياض من صدمة بسبب تجربتها مع إدارة أوباما، خاصة استعداد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لإصلاح علاقة واشنطن بطهران وتعليم إيران والسعودية درساً عن كيفية "مشاركة" نفوذهما الشرق الأوسط.

ويخلص الكاتب إلى أنه مما لا شك فيه أن الرياض وواشنطن يتقاربان حالياً في ما يتعلق بالملف الإيراني، لكن الأمر لا يرقى إلى استراتيجية مشتركة. وبالفعل يبدو أن ترامب، وصهره ومستشاره جاريد كوشنر، والأمير محمد بن سلمان، يخطئون في فهم الخيارات الرئاسية والملكية، والاتفاق المشترك لصياغة سياسات الدولة وتنفيذها.

ويؤكد حكيم أن إحراز النصر في المنافسة القائمة بين طهران والرياض يتوقف على القدرة والمهارة بشكل أساسي. فلدى إيران شبكة العلاقات، والخبرة، والصبر الاستراتيجي اللازم للقتال والفوز في الحروب التي تُدار بالوكالة بتكلفةٍ منخفضة، مع تمتعها بقدرة استثنائية على إنكار أفعالها. لكن السعوديين، ببساطة، لا يتمتعون بأي من هذه القدرات وهو ما يجعل محاولة هزيمة الإيرانيين في هذه اللعبة محفوفةً بالمخاطر ومُكلِّفة.

ويرى الكاتب أن لدى إيران نقطة قوة أخرى، إذ أظهرت أنها ستقف بجوار أصدقائها وحلفائها في السراء والضراء. وليس لدى السعوديين سياسة تتسم بهذا الثبات. "يمكنك أن تسأل المعارضين السوريين، وشيوخ العشائر في العراق، والسياسيين اللبنانيين للتأكد من هذا الأمر"، بحسب قوله.

وينتهي الكاتب في مقاله إلى أنه "لكي يكون رأيك صحيح بشأن التهديد الإيراني فهذا ليس كافياً، إذ تتطلب مقاومة النفوذ الإيراني -وهو هدف مُلحّ ومهم- إجماعاً دولياً واسعاً وسياسةً سعودية أقل عدائية. وفضلاً عن هذا، يُشتِّت الطموح السياسي الخارجي صعب المنال انتباه المملكة عن مهمات أخرى أكثر أهمية وخطورة مثل الإصلاح الداخلي".