فيسك يكشف أسرار مقابلته مع الحريري قبل 8 سنوات.. هكذا انقلبت السعودية من أحبِّ البلدان لقلبه إلى أكثرها جحيماً

تم النشر: تم التحديث:
SAAD HARIRI
JOSEPH EID via Getty Images

كان لقاء حصري، جمع الصحفي البريطاني روبرت فيسك مع رئيس وزراء لبنان المستقيل سعد الحريري قبل 8 سنوات، تحدث خلاله عن شعوره كرئيس للوزراء آنذاك، وعن عشقه للسعودية التي تحتجزه اليوم وأجبرته على الاستقالة من منصبه.

كلمات المراسل الخاص لمنطقة الشرق الأوسط في صحيفة الإندبندنت البريطانية، والتي دونها بمقال له في صحيفة The Independent البريطانية- لها وقع آخر وأهمية كبيرة، ليس فقط للقائه سعد؛ بل أيضاً لمعرفته بوالده رفيق الحريري التي تحدث عنها أيضاً.

فعندما سمع فيسك أنَّ الرئيس ماكرون على استعدادٍ لنقلِ رئيس الوزراء اللبناني المُختَطَف إلى باريس هوَ وعائلته -وهم ضحايا أكثر عمليات اتِّخاذ الرهائن لطفاً في تاريخ السعودية كما يقول- لم يسعه سوى أن يتذكَّر ما قاله سعد الحريري منذ بضعة أعوامٍ مباشرةً بعد أن أصبح رئيساً لوزراء لبنان عام 2009: "أنا أحذو حذو والدي".

"حقاً، كيف كان شعورك بأن يكون رئيساً لوزراء لبنان؟"، سؤال وجهه فيسك لسعد، لم يكن يتوقع أن تصدمه الإجابة.

قال الحريري: "أنتَ تعلم أنَّ هذا واجبي. لكنِّي أفتقد السعودية، أفتقِدُ كوني أستطيع أن آخذ عائلتي بالسيارة وأقود عبر الصحراء ليلاً وأن نشعر برياحِ الصحراء على وجوهنا، وأن نكون نحن فقط، وحدنا. بلا شرطيين، ولا حراسة، ولا جنود". حسناً، أعتقد أنَّ السعودية هيَ ما سترتبط في ذهنه بالشرطيين، والحراسة، والجنود بدلاً من لبنان من الآن فصاعداً. لكنَّ ذلك كان تصوُّراً مثيراً للاهتمام عن عائلة الحريري.

يتابع الكاتب البريطاني: "عرفتُ والده أكثر مما عرفته. فعندما اغتيل هو و21 شخصاً آخرين على يد مفجرٍ انتحاري على ساحل بيروت عام 2005، رأيت جثة رفيق الحريري ملقاة على الطريق. كان الحريري الأب رجلاً ممتلئاً وكنت في البدء أظنه الرجل الذي يبيع خبز الزعتر على الكورنيش حتى رأيت الشعر على ياقته. كانت النار ما زالت مشتعلة بجواربه. التقيته للمرة الأولى، مع زميلٍ لي، ليس في لبنان؛ بل بالرياض، العاصمة السعودية التي يُحتَجَز فيها ابنه الآن، حيث كان يعيش في بذخٍ طالما اعتادته عائلته، ولا تزال".

كان رفيق الشاب نسبياً آنذاك -كان ذلك في التسعينيات، قبل أن يصبح رئيساً للوزراء- جالساً في مجمَّع المكاتب حيث مقر شركة أوجيه، المُفلِسة الآن، مستغرقاً في العادة المحببة والمثيرة للأعصاب لكلِّ رجال الأعمال العرب: التحدُّث مع مستشاريه مع النظر باستمرارٍ لشاشة تلفازٍ واسعة تصرف انتباهه عن المحادثة.

كانت لدى الحريري الأب أفكارٌ عظيمة من أجل لبنان. كان من الواضح أنَّه أراد إعادة بناء البلاد من بعد الحرب الأهلية، حسبما يقول هيرست، الذي سأله: لِمَ العيش في السعودية إذن؟ وردَّ علينا سائلاً في المقابل: "ولِمَ لا؟ إنَّها بلاد رائعة للعيش فيها. إنَّها بلادٌ عظيمة، بشرط ألَّا تتورَّط في السياسة".


خوف سعد


وجهت عناصر الاتهام لجماعة حزب الله المُموَّل من قِبل إيران بقتل الحريري، وعندما أصبح سعد رئيساً للوزراء، خاف حزب الله هوَ الآخر؛ لذا كان أحد تبريراته التي صرح بها من السعودية عن سبب استقالته، أن حياته معرضة للخطر.

يقول هيرست: "كون سعد مواطناً سنّياً وكذلك مواطناً لبنانياً، توقَّع السعوديون من الحريري أنَّ يروِّض حزب الله الشيعي. لكن كان عليه أيضاً أن يحكُم لبنان متّحداً، وألَّا يسوقه إلى حربٍ أهليةٍ أخرى".

وبهذا، وعندما حاول ولي العهد السعودي، ذو الـ32 عاماً، محمد بن سلمان، تدمير نفوذ الإسلام الشيعي، كان من الحتمي أن يقع لبنان (ومعه الحريري) هدفاً لثائرة ذلك الشاب الخَطِر. وقد حاول الأمير قبلاً تدمير نظام بشار الأسد الشيعي، وفشل. وشنَّ حرباً ضد شيعة اليمن، وتحوَّلت الحرب إلى كارثة. وحاول أن يخنِق قطر اقتصادياً -على خلفية صلاتها الوثيقة بإيران- وأن يُصفِّي قناة الجزيرة، وفشل أيضاً. وبهذا، حوَّل ولي العهد جامَّ غضبه صوب لبنان، حسبما يقول الكاتب البريطاني.


5 سنوات وسيرحل


ويرى فيسك أن خطة بن سلمان في لبنان يبدو كما لو كانت أيضاً ستنتهي بفشلٍ ذريع، ويرجع الفضل جزئياً للرئيس ماكرون، هذا لأسبابٍ يتصدرها كون الحريري مواطناً فرنسياً يمكن لماكرون الدفاع عنه على نحوٍ مبرَّر. يريد ماكرون أن ترافقه زوجة الحريري وطفلاه إلى باريس، وبذلك لا تُترَك أيَّة رهائن في السعودية.

لكنَّ قصة الرهائن يراها فيسك ليست منطقية بعض الشيء، فمبدئياً لا يزال هناك أخوه بهاء الحريري.

لكن هنا، نوه فيسك مرة أخرى إلى مدى عشق سعد للسعودية كما أحبها والده، بعد فترةٍ وجيزة من إخباره فيسك عن حنينه لقيادة السيارة عبر الصحراء السعودية ليلاً، بعيداً عن بيروت، أجاب أيضاً عن سؤالٍ طرحه البريطاني عن طموحات سعد السياسية، فقال: "5 أعوام في السياسة اللبنانية، ثم سأرحل".

يقول فيسك: "كان ذلك قبل 8 أعوام من إجباره على قراءة خطاب (استقالته) في الرياض، وبعدها كاد أن يرحل".

لكنَّ الحريري ذاته يظل غير راضٍ عن بعض أقرب مستشاريه في تيار المستقبل التابع له في بيروت، وهو ذاته ممول من قِبل السعوديين. وليس بمقدورِ أحدٍ تحديد فيمن يشك الحريري بأنه يُدبِّر أمره لطعنه في الظهر. قد يظن البعض أنَّ ذاك كان فؤاد السنيورة، الاقتصاديّ والأكاديمي الموهوب والذي يُعَد عادةً صديقاً مخلصاً للحريري، وليس د.فاوست الذي قد يعقد صفقة مع الشيطان. لطالما أحببتُ السنيورة. وقف السنيورة في صفِّ رفيق، والد سعد الحريري، عندما حاول أعداؤه التلميح بوجود فسادٍ في حكومة رفيق اللبنانية. لكنَّ السياسة ببيروت أكثر مراوغةً من مثيلتها السعودية، وأحياناً أكثر خطورة، مع أنَّ ذلك قد يتغيَّر في القريب العاجل.

ويختم فيسك مقاله بقوله: "عندما أخذ رجال الأمن السعودي سعد الحريري من مطار الرياض في ليلته الأولى بالرياض، وجد نفسه أولاً على بُعد بضع مئات الأمتار من فندق ريتز-كارلتون حيث يُحتجر عشرات الأمراء السعوديين، مِن خصوم وليّ العهد، على خلفية تُهَمٍ بالفساد. لا بد أنَّه تساءل ما إذا كان على وشك الانضمام إليهم. عندئذ، بالطبع، لم تبدُ حرِّية رياحُ الصحراء السعودية خلَّابة كما بدت له يوماً".