أبٌ جزائريٌّ قدَّم لصغيره هدية كانت سبباً في مقتله.. قصة انتحار طفل بسبب "الحوت الأزرق"

تم النشر: تم التحديث:
BLUE GAME GAME
SOCIAL

لم يكن يتوقع عبد الحق حشايشي، من منطقة الرصفة بسطيف شرق العاصمة الجزائر، أن تتحول اللوحة الإلكترونية التي اشتراها لفلذة كبده من أجل المذاكرة والمراجعة، إلى "حوت أزرق" ينهي حياة ابنه عبد الرحمن صاحب الـ11 ربيعاً.

هذا الحوت الذي عُرف بأنه حيوان بحري مسالم بعرض المحيطات، تحول في لحظة إلى وحش كاسر مزق أكباد كل من عرف الطفل عبد الرحمن حشايشي.


الفاجعة



في منطقة صالح باي الهادئة، التي كسر صمتَها قليلاً مترشحون عن مختلف الأحزاب السياسية للانتخابات المحلية المقبلة، اهتز سكانها مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني، على خبر انتحار طفل يبلغ من العمر 11 عاماً.

الخبر ورغم مرارته في بداية الأمر، فإنه مرّ على سكان المنطقة كأنه حدث ليس بالجديد؛ لكون هناك حالات انتحار يومياً تُكتب على صفحات الجرائد وتُسمع وتُشاهد على أثير الإذاعات وشاشات التلفزيون.

لكن وبعد التدقيق بملابسات هذه الحادثة، تبدو الغرابة جلية في أسباب هذا الانتحار، حيث تعد الحالة الأولى على المستوى الوطني بالجزائر، لكنها طبعاً ليست الأولى على المستويَين العربي والعالمي.

وكان الضحية يسكن في كنف عائلة التي تتكون من 4 أفراد، والديه وأخته الصغيرة صاحبة الـ7 سنوات، ومستواه في الدراسة متوسط على العموم، لكنه مولع بالرياضات القتالية والإبحار في عالم الإنترنت.

عاد عبد الرحمن حشاشي إلى البيت بعد يوم من الدراسة بمتوسطة أحمد بوعكاز، وأخذ لمجته كالمعتاد ثم بدأ يذاكر مع أخته الصغيرة.

ويتحدث عبد الحق حشايشي، والد عبد الرحمن، بصوت خافت حزين لـ"هاف بوست عربي" عن فقدان فلذة كبده، قائلاً: "ابني لم ينتحر؛ بل أكله الحوت الأزرق، هذا الحوت الذي تسلل إلى (آيباد) ابني في حين غفلة".

ويضيف: "وجدناه مشنوقاً في غرفة داخل البيت، بعد لحظات فقط من فتحه للوحة الإلكترونية (آيباد) التي اشتريتها له بهدف مراجعة دروسه، وبعد تحقيقنا فيما كان يشاهده عبر اللوح، تأكدنا أن آخر ما كان يتابعه هو لعبة (تحدي الحوت الأزرق)".


كان مدمناً وحاول الانتحار مرتين



والد الضحية عبد الحق حشاشي يؤكد جهله بما كان يلعبه أو يشاهده ابنه عبر اللوح الإلكتروني، لكن وبعد وفاته، "أصدقاؤه في الدراسة كشفوا عن أنياب هذه اللعبة الملعونة"، كما وصفها.

ويذكر في هذا الشأن: "أصدقاء عبد الرحمن كانوا على علم بأن ولدي كان مدمناً لعبة الحوت الأزرق وكذا مريم، وأكدوا أنهم شاهدوه أكثر من مرة وهو يتسلى بهما، وقد تجاوز كل التحديات".

ويردف: "لاحظنا بعض التغييرات في تصرفاته، حيث بات أكثر قلقاً ومغامرة، وحاول القفز من سطح البيت مرتين، وخلال مراجعتنا للوح تأكدنا بلوغه اليوم الخمسين من التحدي الذي لم يَسلم منه هذه المرة".

ولقيت الحادثة تضامناً كبيراً مع أسرة المنتحر في الواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك.


التحقيق



الملازم الأول عبد الوهاب عيساني رئيس خلية الإعلام والعلاقات العامة بأمن ولاية سطيف، يؤكد فتح تحقيق في هذه الحادثة، إلا أنه رفض الحديث عن أسبابها.

ويؤكد عيساني لـ"هاف بوست عربي": "نعم، تدخلت مصالح أمن دائرة صالح باي وفتحت تحقيقاً في حادثة وفاة الطفل، لما عُثر عليه مشنوقاً بغرفة في بيت والده في قلب المدينة".

الضحية -بحسب عيساني- "هو تلميذ في متوسطة أحمد بوعكاز بصالح باي، وقد تم تسليم مجريات التحقيق للجهات القضائية التي ستفصل في الأسباب الحقيقية للانتحار، كانت لعبة إلكترونية أو غيرها".

ويضيف: "ما نستطيع تأكيده هو العثور على طفل يبلغ من العمر 11 عاماً مشنوقاً بواسطة حبل داخل بيت والده، والسلطات القضائية ستفصّل لاحقاً في أسباب وحيثيات هذه الحادثة الأليمة".


صافرات الإنذار



حادثة انتحار عبد الرحمن حشايشي حركت المختصين من الإعلام، وتكنولوجيا المعلومات، وحتى النفسانيين وعلماء الاجتماع في الجزائر؛ لخطورة الوضع.

ويعتقد الدكتور اليامين بودهان، متخصص بالإعلام والاتصال في جامعة سطيف 2، أن "تقمص الأطفال تحديداً شخصيات الألعاب الإلكترونية هو ما يهدد حياتهم أو يجعلهم يكتسبون في الغالب اتجاهات عنيفة، كثيراً ما تتحول هذه الاتجاهات لسلوكيات عنيفة وغير سوية في الواقع".

ويرى اليامين في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أن "انغماس الأطفال في واقع الألعاب الإلكترونية الافتراضي يجعلهم يمارسون أدواراً اجتماعية بديلة، فيشعرون بأنهم أبطال خارقون بإمكانهم تجاوز الواقع كما يحصل في لعبة تحدي الحوت الأزرق أو غيرها".

هذا الأمر -بحسب بودهان- "يحقق للأطفال متعة ظرفية، ويوفر لهم فرصاً للهروب من الواقع الحقيقي الذي يعيشونه، فيجدون واقعاً بديلاً يوفر لهم اللذة والمتعة، لكن غالباً ما يتحول إدمان هذه الألعاب إلى خطر حقيقي لما يتقمص الأطفال هويات بديلة ويجعلهم ذلك يحاكون الواقع الافتراضي" .

وناشد المتحدث "السلطات الوصية والأولياء مراقبة ما يشاهده ويلعبه الأبناء، خاصة في المؤسسات التربوية، ونوادي الإنترنت، وقبل ذلك كله في البيت".

وهو ما يذهب إليه الطبيب النفساني مبروك لعوج، في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، والذي ألح على إبعاد الأطفال عن خطر إدمان مثل هذه الألعاب الإلكترونية الخطيرة، التي كثيراً ما تقودهم إلى الانتحار بصورة مسلية وملهية.

والد الضحية عبد الرحمن، يناشد جميع الأولياء ضرورة مراقبة أبنائهم، ويقول لـ"هاف بوست عربي": "لو كنت أعلم بالخطر لما تركت ابني يلهو بهذه اللوحة الملعونة ولو يوماً واحداً".

وكانت قناة "الجزيرة" القطرية سابقاً قد بثت تقريراً مفصلاً عن خطر لعبة "تحدي الحوت الأزرق"، وقالت إن التحدي يبدأ برسم حوت، وينتهي بانتحار مدمنيها.