نيويورك تايمز: ثورة بن سلمان الدينية تنذر بتمرد أصولي.. وتحذيرات من انقلاب المتشددين على السعودية

تم النشر: تم التحديث:
ADEL ALJUBEIR
ب

قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن الإسلاميين في العالم العربي ينظرون بترقب شديد لنتائج التغييرات التي يقوم وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خاصة في المجال الديني والاجتماعي.

منذ فترةٍ قريبة، لخَّص رسام كاريكاتير جزائري، يعرف باسم "le Hic"، الوضع في السعودية من خلال إحدى رسوماته، حيث يظهر الملك السعودي وهو عازمٌ على مكافحة الإرهاب بينما يصوّب بندقيةً إلى رأسه.

تقول الصحيفة الأميركية في تقرير لها: "لقد لخصت تلك الرسمة المفارقة السعودية بأكملها: فالبلاد تُتنِج، وترعى، وتؤوي، وتغذي الإسلاموية التي تهدد أساساتها ومستقبلها".

لكن كيف حدث ذلك؟ تقول الصحيفة إن على المرء أن يعود إلى ما يقرب من 3 قرون إلى الوراء؛ كي يبدأ في الإجابة عن هذا السؤال، قرابة عام 1744م، حين شكَّل شيخٌ قبلي يُدعى محمد بن سعود، تحالفاً مع داعية (محافظ) يُدعى محمد بن عبدالوهاب، وأنشأ أول دولة مَلَكية في شبه الجزيرة العربية.

أصبح هناك عائلة سعود، التي تحكم البلاد، ومن ناحيةٍ أخرى هناك الوهابية، وهي نسخةٌ "متشددة" من الإسلام، يصفها أصحابها بأنها أصل الإسلام. وكان جميع أفراد العائلة المالكة ورجال الدين ملتحمين بعضهم ببعض على مدار عقود، سواء بعائدات النفط، أو بالشرعية المستمدة من قربهم من أقدس المواقع الإسلامية.

لكنَّ الوهابية -بحسب ما تصفها الصحيفة- أحد منابع التشدد العالمية اليوم؛ فهي مصدر أيديولوجي ومالي لقوة الإسلاميين وكوكبتهم من المساجد الأصولية، وشبكات التلفزيون المُكرَّسة لتقديم الوعظ الديني، ومختلف الأحزاب السياسية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

يبدو الإصلاح في المملكة الآن ضرورياً، لكنَّه يبدو في الوقت ذاته مستحيلاً؛ إذ كيف ستتمكَّن العائلة المالِكة من رفض دعم رجال الدين، ووقف تمويل الشبكات الأصولية، والقيام بما لا يقل عن عدة ثورات لضمان الحقوق الاجتماعية؟ إنَّ استقرار المملكة مُعرَّضٌ للخطر وبالتبعية استقرار المنطقة بأكملها أيضاً، حسب وصف الصحيفة الأميركية.


"الأمير الحديدي"


يشير ظهور الرجل الذي يُعرَف بـ"الأمير الحديدي"، محمد بن سلمان، إلى أنَّه قد يكون هناك حل للأزمة السعودية. فقد أثار وليّ العهد الشاب المتحمس، الذي يُنظَر إليه كإصلاحيّ، الكثير من الجدل بدايةً من اليوم الذي نصّبه أبوه فيه في مقدمة المشهد السياسي منذ عامين.

فهو يقترح، على سبيل المثال، نموذجاً اقتصادياً مختلفاً عن النموذج الشائع الذي يتمحور حول النفط والغاز، وأعلن مشاريع تنموية عملاقة، وخططاً لفتح البلاد للسياحة دون قيود أو شروط.

بل ويبدو أن الأمير على استعدادٍ حتى لمحاولة ما لا يمكن تصوره من قبل، وهو منح المرأة الحق في قيادة السيارات والذهاب إلى الملاعب الرياضية، وإعادة فتح دور السينما أخيراً، وفوق كل شيء، الضغط على رجال الدين، ومراجعة وتنقيح السنة النبوية.


ثورة دينية


تقول الصحيفة إن في كل هذا افتراض يحمل مخاطرة. فما يحدث في السعودية اليوم، وتحديداً ما يتعلق بحملات التطهير الأخيرة ضد الحرس القديم، يشبه ثورةً من داخل القصر وثورةً دينية.

بالإضافة إلى ذلك، تتصادف تلك التغيرات مع تجديد التحذيرات من جانب الحكومة السعودية من خطر التهديد الإيراني، ويتصادف أيضاً مع تقارب المملكة مع إسرائيل. فأي نوع من الثورة يمثله هذا الأمير؟ البعض يرى فيه بدلاً من ذلك رجلاً تُوجِّهه يدٌ أميركية، مهمته تطهير المنطقة.

وأياً ما كان الأثر الحقيقي لتلك التغيرات في السعودية، فإنَّ أثرها محسوسٌ بالفعل في غير مكان بالعالم. فلو خضعت السعودية -التي تعد مهد الفتوى- لإصلاحات، فإنَّ الإسلاميين في أنحاء العالم كافة سيقتفون أثرها، وإلا فسيجدون أنفسهم في الجانب الخاطئ من المعتقد الديني.

ففي الجزائر، على سبيل المثال، يُظهِر المتشدِّدون الإسلاميون عدم ارتياحهم بصورةٍ غير محسوسة؛ فعلى الشبكات الاجتماعية، تسود نظرية المؤامرة ويُنظَر إلى إصلاحات محمد بن سلمان باعتبارها نتاجاً لإملاءاتٍ أميركية.

أمَّا الصحف المُحافِظة وكُتَّاب الافتتاحيات من الإسلاميين -الذين يحرصون دائماً على متابعة الشؤون السعودية كافة ويسارعون بالتعليق على أي لمحةٍ مخالفة للإسلام- فيلتزم معظمهم الهدوء هذه المرة أو يدافعون دفاعاً خجولاً عن الوهابية. كما أنَّ الصمت يغلب على المساجد أيضاً.

وينتمي إسلاميو الجزائر إلى واحد من معسكرين: الأول، الذي يُفترَض أنَّه سلفيٌّ خالِص، يَدَّعي وصلاً بالسعودية. وقد أحدثت إصلاحات محمد بن سلمان اضطراباً في هذا المعسكر؛ خوفاً من إمكانية أن تكون إشارة إلى انتهاء تمويلها وتوجيه ضربة لشرعيتها.


الإخوان


أمَّا المعسكر الآخر فينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتعد الأحزاب السياسية التي شكَّلها هذا المعسكر مقبولة من جانب الحكومة الجزائرية.

لكنَّ حتى منتسبي هذا المعسكر يشعرون بالقلق كذلك. فلو نفذت السعودية الإصلاحات فسيخسرون رداء التسامح؛ ومن ثم موقعهم من الخارطة السياسية الجزائرية؛ إذ يسحب ولي العهد السعودي البساط من تحت أقدامهم، بتقديم نفسه باعتباره أكثر اعتدالاً من كل المعتدلين في المنطقة.

ومن ثم، فإنَّ الإسلاميين بأنواعهم كافة يشعرون بالقلق من أن يجدوا أنفسهم أيتاماً. ويمكن أن يحاول المعسكر المعتدل بفعل الصدمة أن يلحق بركاب الأمير. أمَّا المعسكر الأصولي، الذي قد يفقد بصماته المعتادة، فيمكن أن ينقلب ضد المملكة ويشن ما يشبه الحرب المقدسة ضد الأرض المقدسة.