وحدتهم قطر وفرقتهم إيران.. السيسي يتخلى عن دعمه للرياض ويرفض الدخول في حرب ضد حزب الله

تم النشر: تم التحديث:
ADEL ALJUBEIR
ب

رغم علاقته القوية مع الخليج، يبدو أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لديه عقيدة صارمة في النزاعات، تسبب له بين كل حين وآخر مشكلات مع دول مجلس التعاون، أو السعودية تحديداً.

فمصر تواجه توقعاتٍ عالية من جانب السعودية ورعاتها الآخرين من دول الخليج بوقوفها بصفِّهم في ظل تصاعد حدة التوتر مع خصمهم الإيراني، ويتضمن هذا أن تضع ثقلها العسكري -المتمثِّل في أكبر جيش عربي قائم- بالأزمة إذا ما بدت الحاجة له.

لكنَّ من الواضح أنَّ مصر لا رغبة لها في التورُّط بنزاعٍ عسكري ولا تريد أن ترى ذلك التوتُّر القائم يُدخل المنطقة في دوَّامات معركة سعودية-إيرانية بتوكيل أطرافٍ أخرى، مثلما حدث في العديد من المعارك التي تُمزِّق الشرق الأوسط الآن.

ومن هنا، فإنَّ تردُّد مصر قد يؤدي إلى توتُّراتٍ بين القاهرة والرياض، حسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس الأميركية.


موقف متوازن


قد كان موقف القيادة المصرية حتى الآن موقفاً متوازناً، تُشير فيه إلى دعمها لحلفائها بالخليج، فيما تحاول أيضاً تهدئة التصعيد الذي يشنّونه ضد إيران.

وصرَّح الرئيس المصري الأسبوع الماضي بأنَّ أيَّ تهديدٍ لأمن دول الخليج "هوَ تهديدٌ لأمننا الوطني الخاص"، مُحذِّراً إيران بأن تتوقَّف عن التدخُّل. لكنَّهُ كذلك قال إنَّ المنطقة "تواجه كفايتها من انعدام الاستقرار والتحدِّيات بالفعل" وليست بحاجةٍ لأزمةٍ أخرى مع إيران أو حزب الله، ودعا لإقامةٍ حوارٍ لحل الأزمة.

وفي المقابل، اتَّجه مسؤولون مصريون آخرون لخطابٍ أكثر حدَّة ضد إيران الشيعية غير العربية، لكنَّهم لم يتبنوا لغةً طائفية أو إثنية كالتي يستخدمها أصدقاؤهم الخليجيون السُنَّة.

وأثار الخطاب التصعيدي الأخير المخاوف من أن قيام حربٍ بالوكالة في لبنان لم يعُد أمراً مُستَبعَداً.


تحذيرات من التورط


وقد حذَّر مُعلِّقون مصريون صراحةً من التورُّط في نزاعٍ عسكري يبدأه السعوديون؛ فكتب عماد حسين، محرِّر صحيفة "الشروق" المصرية المقرَّب من الحكومة: "إنَّ واجب مصر الوطني هوَ أن تُخبر إخوتنا بأنَّنا نقف في صفِّهم للدفاع عن أمن السعودية، والخليج، والمنطقة بأكملها، لكنَّ هذا لا يعني أن ننجرَّ على أيديهم إلى حروبٍ ونزاعاتٍ، هي في جوهرها طائفية ولا فائدة فيها لأحدٍ سوى أعداء الأمة العربية".

وقد دفع وليُّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بسياساتٍ إقليمية عدوانية، من بينها التدخُّل العسكريّ في اليمن، وحصار قطر، والخطوة الأخيرة ساندته مصر في تحقيقها.

ويتفق النظامان الحاكمان في البلدين على معاداة تيار الإخوان المسلمين، متهمَين إياه بإقامة تنظيم يتحرك في الظل لأسلمة المجتمع وإبعاده عن النظام العلماني المفروض الآن، فضلاً عن دعمه للمخططات الرامية إلى إسقاط نظام آل سعود في مكة والمدينة، حسبما ذكر في تقرير لصحيفة Occhi della Guerra الإيطالية.

ومن هذا المنطلق، وظّف حكام السعودية كل نفوذهم لدعم السيسي، واستفادوا منه لخدمة مصالحهم.
فقد ساندت الرياض السيسي بدعمٍ ماديٍّ كبير، فيما عانى الجنرال، الذي أصبح رئيساً، لترميم اقتصاد مصر المهلهل.

ويُقدَّر أنَّ المملكة قد قدَّمَت لمصر أكثر من 10 مليارات دولار مِن منحٍ وقروضٍ بتسهيلاتٍ في السداد منذ عام 2013 حتى الآن، بالإضافة لعدةِ شحناتٍ من الوقود المجانيِّ التي تُقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات.


قطر توحّدهم


وفي مايو/أيار 2017، ظهر السيسي إلى جانب الملك سلمان والرئيس الأميركي في الرياض خلال افتتاح المركز العالمي لمكافحة التطرف، بعد أيام قليلة من مسارعة حكومته للمشاركة في الحصار المسلط على قطر.

ومن المعروف أن الدوحة تعتبر أحد الداعمين لتيار الإخوان المسلمين، وهو الدافع الرئيسي للموقف المصري المعادي لقطر.

ولا يعني هذا الانصياع لمشيئة آل سعود أن مصر باتت منسجمة بشكل كامل مع المواقف والخيارات السعودية وأنها أصبحت رهينة دائرة نفوذ الرياض.

فقد أظهر السيسي عكس ذلك، حيث حاول التحرك بشكل مستقل عن داعميه في الرياض؛ وذلك بهدف تحقيق مكاسب مالية بالدرجة الأولى، فضلاً عن ابراز مصر على اعتبارها دولة رائدة ومهمة في المنطقة.

ومن ثم، وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي مورست على القاهرة من قِبل واشنطن والرياض، أبت الحكومة المصرية دعم أي عمل عسكري محتمل ضد حزب الله على الأراضي اللبنانية.

وقد لفت موقف السيسي نظر المغردين في دول الخليج؛ إذ أشاروا إلى أن السيسي يتعاون مع السعودية والإمارات ضد قطر أبناء عمومتهم، بينما يرفض التحالف معهم ضد الخطر الإيراني.

وتساءلوا بسخرية عن مسافة السكة، وهو التعبير الذي سبق أن قاله السيسي كتعهد ضمني بسرعة نجدة دول الخليج إذا تعرضت للتهديد.


يستطيع أن يقول "لا"


ولَم تكن هذه أول مرة يقول فيها السيسي "لا" للرياض، فقد أبدت مصر من قبلُ استعداداً لمقاومة مطالب السعودية، وتحديداً في عام 2015، حينما تعرَّضت مصر لضغطٍ سعوديٍّ وخليجيٍّ شديد لإرسال قواتٍ بريَّة للقتال جنباً إلى جنب مع الائتلاف الذي تقوده السعودية ضد الشيعة المدعومين من قِبل إيران في اليمن.

وبدلاً من الامتثال، قصرت مصر مشاركتها في الحرب على إرسال سفنٍ وطائراتٍ حربية للقيام بدوريات ومهمات استطلاع على امتداد جنوب البحر الأحمر.

فلدى مصر ذكرياتٌ سيئة تحملها مِن تدخُّلها بحرب اليمن الأهلية في ستينيات القرن الماضي، حيث ساندت مصر الجمهوريين ضد النظام الملكي المدعوم من قِبل السعودية، في مغامرةٍ عسكرية مكلِّفة سيئة الطالع.

كذلك، ابتعدت مصر عن حملة الرياض للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، وساندت التدخُّل العسكري الروسي في صفِّ الأسد، وفاوضت لإقرار وقف إطلاقٍ للنار على نطاقاتٍ محلية بين الحكومة والمعارضة.


غضب سعودي


أغضبت تلك الاختلافات الرياض؛ ما أدَّى إلى توقيفٍ مؤقت للمساعدات الممنوحة لمصر في وقتٍ سابق من العام الجاري (2017).

وقال إريك تريجر (من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، إنَّه في نهاية الأمر فإنَّ السعودية "لم تحصل على تغييرات السياسة الخارجية التي أرادتها من مصر في مقابل دعمها السخيّ لها".

وأضاف: "تعلَّم السعوديون التأقلم مع التدخُّل المصري المحدود في اليمن".

ومنذ ذاك، فإنَّ السعوديين ومصر قد صححوا مسار العلاقة بين البلدين لدرجةٍ ما، متجاوزين عن الضغائن السابقة. والآن تريد القاهرة تفادي الوقوع في مشكلةٍ أخرى مع السعودية بسبب إيران.

وتبدو مصر مصمِّمة على تجنُّب أيَّ انزلاقٍ تجاه الدخول في نزاعٍ مسلَّح.

إذ أرسل السيسي وزير خارجيته إلى السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين. وفي الرياض، التقى الوزير وليَّ العهد السعودي، ومما يبدو، فإنَّه قد أشار عليه بتهدئة التصعيد الموّجَّه ضد إيران.

وقال أحمد أبوزيد، المتحدث باسم الوزير، عن الاجتماع المعقود يوم الثلاثاء، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017: "كان الوزير حريصاً على إيصال رغبة مصر في إعفاء المنطقة من أيِّ توتُّر من شأنه أن يفاقم من عدم الاستقرار والاستقطاب التي تشهده المنطقة بالفعل".


شروط السيسي للحرب


ويبدو من سجل مصر في عهد السيسي تردُّدها تجاه اتِّخاذ فعلٍ عسكري إلا في حال وقوع أرضها الخاصة تحت تهديدٍ مباشر أو تعرُّض الخليج لعدوانٍ جليّ، حسب تقرير "أسوشيتد برس".

وقال المتحدث الرئاسي بسام راضي، في تعليقاتٍ منشورة هذا الأسبوع: "تتبنَّى مصر موقفاً راسخاً ضد الحلول العسكرية".

وقال مايكل حنا، وهو خبيرٌ بشؤون الشرق الأوسط في مؤسسة القرن بمدينة نيويورك، إنَّ لدى مصر مخاوفها "تجاه ما سيفعله الإيرانيون في سوريا واليمن".

وأضاف: "لكنَّ إيران ليست أولوية قصوى في مصر. فمصر لا تقلق بشأن إيران كما يفعل السعوديون".


السيسي واستقالة الحريري


وقالت صحيفة Occhi della Guerra الإيطالية إن تقارير صحفية غربية رصدت تحول مصر في بعض الملفات من دور الحليف إلى "الوساطة"، فبينما تساند مصر المملكة في حصارها المسلط على قطر، فإنها من جهة أخرى، تعمل على الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران.

وتتجلى هذه المساعي من خلال لعب مصر دور الوساطة، بين نظام بشار الأسد وفصائل المعارضة من أجل عقد مصالحة بين الطرفين في خضم الحرب السورية المستعرة.

ولكن السؤال الأكثر جدلاً: ما هو موقف مصر من الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري؟

وقالت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، إن الرئيس المصري قال خلال لقائه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، خلال زيارته للقاهرة التي تزامنت مع استقالة رئيس الحكومة اللبنانية المفاجئة، إنه "يخشى أن يكون الحريري في الإقامة الجبرية".

وأضافت أن السيسي حمّل برّي رسائل ثلاثاً إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله: بألا يرد في خطابه في المساء على الحريري؛ وألا يستفز حزبُ الله إسرائيلَ بغية عدم إعطائها أي ذريعة؛ وألا يستفز الشارع السنّي في لبنان.

وبحسب ما نُسب للسيسي، تبعاً لمعلومات في حوزة مديرية المخابرات العامة، لا أدلة على محاولة اغتيال كان سيتعرض لها رئيس الحكومة اللبنانية، إلا أنه يأمل جلاء الأسباب التي تبقيه في السعودية، وألا يكون بقاؤه هناك سبباً للذريعة هذه.

ولكن مكتب بري الإعلامي وصف ما نشرته "الأخبار" اللبنانية عن لقائه السيسي بأنه غير دقيق، دون أن يسمي الصحيفة المقربة من خطه السياسي.

ولكن حتى المواقف المعلنة تُظهر تباين السيسي مع السعودية، كما ظهر في تصريحاته خلال الاجتماع المنعقد في شرم الشيخ على هامش منتدى شباب العالم، وخلال لقاء تلفزيوني مع قناة "سي إن بي سي" الأميركية.

فقد قال السيسي: "لا يمكن السماح باندلاع أزمة جديدة بالمنطقة. وفي لبنان، يجب الاحتكام إلى الحوار والسلام. لا يمكن إثارة توترات جديدة بين السنّة والشيعة، حيث يعاني الشرق الأوسط بالفعل العديد من الانقسامات وهشاشة الوضع الأمني".

وحاول السيسي، من خلال هذه التصريحات، تهدئة الأوضاع، والتصرف ليس فقط على اعتباره حليفاً للسعودية؛ بل أيضاً شريكاً في إقامة علاقات مع دول أخرى بالمنطقة. فضلاً عن ذلك، حاول السيسي وقف طبول الحرب التي أخذت أصواتها تتعالى بقوة خلال الساعات الأخيرة.


مصر تسعى إلى لعب دور الوساطة


وترى الصحيفة الإيطالية أن السيسي يعمل على الحفاظ على علاقات متينة مع إيران. بالإضافة إلى ذلك، وبعد 30 سنة من الاعتماد على مبيعات الأسلحة الأميركية، أخذت القاهرة تتجه تدريجياً نحو السوق الروسية.

ومن المثير للاهتمام أن المخابرات المصرية في سوريا تتعاون ميدانياً مع الإيرانيين والروس لتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار.

في ضوء هذه المعطيات، تجزم الصحيفة بأنه، وبكل بساطة، القول إن السيسي يسعى لتقديم بلده على اعتباره طرفاً محايداً وناشطاً في الوقت نفسه، في حين أنه قادر على التعاطي مع مختلف الفرقاء في المنطقة.

وقد تواجه مصر مشكلة حقيقية على خلفية غضب الرياض وواشنطن من مواقفها المعلنة مؤخراً، مع العلم أن واشنطن قد بادرت منذ أسابيع بإيقاف كل المساعدات العسكرية الموجهة للقاهرة؛ بسبب تزايد التقارير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.