خطأ ارتكبه أكبر رئيس في العالم قبل 9 أيام تسبب في الانقلاب العسكري عليه ووضعه تحت الإقامة الجبرية

تم النشر: تم التحديث:
MUGABE
AFP

بالأمس وقع انقلاب عسكري مفاجئ على أقدم رئيس في إفريقيا، وأكبر رئيس في العالم، الذي ظل يحكم زيمبابوي منذ استقلالها قبل 37 عاماً وحتى قبل ساعات، بقبضة من النار، ولكن خطأً واحداً تسبب في الإطاحة به.

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية الخميس، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، إن حكم روبرت موغابي بدأ التفكك النهائي بخطأٍ غير معهود. وهو تحدي الرجل القوي في البلاد والقادر على هزيمة موغابي البالغ من العمر 93 عاماً، أو دعمه من أجل تمهيد الطريق أمام زوجته غريس وعصبتها ذات النفوذ المتزايد.

وكان موغابي قد أقال إيمرسون منانغاغوا، نائب الرئيس سابقاً، المُلقَّب بـ"التمساح" لمكرِه وطول عمره وصلابته- من منصبه قبل تسعة أيام، بحسب الغارديان.

وبحسب الغارديان كان ينبغي لموغابي، وزوجته البالغة من العمر 53 عاماً التفكير ملياً في طريقة الإقالة. ولكنَّ ذلك لم يحدث، فصار موغابي قيد الإقامة الجبرية في مقر إقامته الرسمي بضاحية بوروديل الراقية. ولا يعرف أحد مكان وجود زوجته غريس موغابي.

وكان موغابي ينوي إقالة منانغاغوا وجهاً لوجه فى مكتبه، بيد أنَّ رئيس الاستخبارات السابق رفض السفر لمسافةٍ قصيرةٍ عبر العاصمة الزيمبابوية هراري لمقابلته.

وحاول الرئيس مرةً أخرى مقابلة منانغاغوا، مُعاوِنه وساعده اليمنى منذ أن كانا يحاربان معاً في حروب التحرير في سبعينيات القرن الماضي، وطلب منه في هذه المرة الحضور إلى مقر إقامة الرئيس الرسمي. ولكن لم يصله أي رد مرةً أخرى.

وقال مسؤولٌ في الحزب الحاكم، الذي يحمل اسم ZANU-PF أو "الاتحاد الإفريقي الوطني في زيمبابوي - الجبهة الشعبية"، إنَّ هذا الرفض الثاني اعتُبِرَ دليلاً على التخاذل، وبعد ذلك بساعات، أعلن متحدث باسم الحكومة في مؤتمرٍ صحفي بهراري إقالة منانغاغوا من منصبه بسبب "الخيانة، وعدم الاحترام، والخداع، وعدم الجدارة بالثقة".

وهرب منانغاغوا، الذي كان متوقعاً أن يخلف موغابي المريض منذ وقت قريب في شهر أغسطس/آب الماضي، إلى دولة موزمبيق المجاورة.

ثم أعقبت ذلك مدة هدوءٍ قصيرة، شهدت تشاور منانغاغوا وحلفائه مع الجيش الزيمبابوي وأنصارٍ آخرين في زيمبابوي ومدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، بالإضافة إلى مُمثِّلين عن حكومة جنوب إفريقيا. وكان دعم جنوب إفريقيا الضمني حاسماً، إذ لم يكن نجاح أي محاولة لإطاحة موغابي ممكناً دون الدعم الإقليمي الذي يمكن لجنوب إفريقيا توفيره، كما تقول الغارديان.

وقال كونستانتين تشيوينغا، قائد الجيش الزيمبابوى يوم الإثنين، 13 نوفمبر/تشرين الثاني، إنَّ الجيش سيتدخل في حال تهديد الاستقرار والأمن في البلاد.

ولم يكن هناك ردٌّ من موغابي، وأعلن بعض أنصار زوجته غريس التحدي. وفي عصر يوم الثلاثاء، 14 نوفمبر/تشرين الثاني، اتخذت عرباتٌ مُدرَّعة مواقعها حول هراري، وبحلول الساعة الواحدة صباحاً من يوم أمس، الأربعاء 15 نوفمبر/تشرين الثاني، أحكم الجيش قبضته على استوديوهات الإذاعة الحكومية، وأعلن تشيوينغا تدخُّل الجيش للحفاظ على الوطن من "المجرمين".

وأدرك الكثيرون في زيمبابوي أنَّ تشيوينغا يقصد العصبة، التي تحمل اسم G40، المحيطة بالسيدة الأولى.

صراع لعدة أشهر

وكان الصراع على السلطة بين منانغاغوا وموغابي محتدماً طوال عدة أشهُرٍ ماضية، حتى قارب على بلوغ ذروته. وسيضطر الطرف الخاسر في الصراع للسفر إلى أي منفى، هذا إن غادر البلاد في الوقت المناسب.

وكان مُعظم المُحلِّلين والدبلوماسيين الغربيين يُرجِّحون فوز منانغاغوا. وصحيحٌ أنَّ المعركة قائمةٌ في أروقة الحزب الحاكم، ولكنَّ أهميتها وصلت إلى ما هو أبعد من ذلك، وتحولت إلى صراع أجيالٍ بين محاربين قُدامى خاضوا حروب السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ومنافسين طموحين أصغر سناً، إذ يُشير اسم G40 إلى متوسط أعمار أعضاء الجماعة.

ثم حدث تحوُّلٌ في مسار الأحداث، ويبدو أنَّ الرئيس قرَّر تفضيل أسرته على الحزب. إذ شهدت الأسابيع الأخيرة تحدُّث السيدة الأولى علانيةً عن احتمالية تولِّي سيدةٍ لرئاسة البلاد في المستقبل القريب، فضلاً عن مجاهرة زوجها بانتقاد أنصار منانغاغوا، بحسب الغارديان.

ومن المقرَّر أن يجتمع أعضاء الحزب الحاكم في مؤتمره السنوي، في شهر ديسمبر/كانون الأول المُقبل، حتى تُعلَن ترشيحات المناصب العليا ويجري التصديق عليها. ولا شك في أنَّ احتمالية ترشيح غريس موغابي لمنصب نائب الرئيس قد جذبت انتباه منانغاغوا والعديد من أنصاره داخل الجيش، وما عزَّز جذب انتباههم هو عملية التطهير الجارية داخل الحزب، التي هدَّدت نفوذهم وامتيازاتهم.

وهم يعرفون كذلك أنَّ غريس، على عكس زوجها المعزول موغابي، مكروهةٌ من الجميع تقريباً في زيمبابوي. إذ تعُج بعض وسائل الإعلام التي تتحلى بصراحةٍ نسبية بتقارير عن جولات تسُّوق السيدة الأولى وتبذيرها في الشراء، والسلوكيات الطائشة لابنيها اللذين يُنفقان ببذخٍ في الملاهي الليلية، ونوبات غضبها العنيفة كما يُزعَم. حتى إنَّ بعض مؤيدي الرئيس المُخلصين يقولون إنَّها ينبغي ألَّا تخلُف زوجها أبداً.

ولم يكن منانغاغوا، أيضاً، يحظى بقبولٍ كثيراً. فدَوره في مذابح منطقة ماتابيليلاند، غربي زيمبابوي، في أوائل الثمانينيات أدَّى إلى نُفور أكثر سكان مناطق جنوبي وغربي زيمبابوي منه. ولكنَّ الرجل، البالغ من العمر 75 عاماً، يحظى باحترامٍ، ومن المحتمل أن يلقى قبولاً كقائد. وعلاوةً على ذلك، سيكون هناك أملٌ في بعض الاستقرار، وفرصةٌ لإعادة استنهاض الاقتصاد المُنهار، بحسب الصحيفة البريطانية.

ويقول مسؤولو المعارضة، إنَّ المحادثات مع "أفراد الجيش" جاريةٌ منذ عدة أشهر حول استبدال موغابي بسلطةٍ انتقالية بقيادة منانغاغوا، ولكن بشرط وضع سياسيي المعارضة البارزين مثل مورغان تسفانغيراي، القائد المخضرم لـ"حركة من أجل تغيير ديمقراطي"، في المناصب العليا.

ومن المقرَّر إجراء الانتخابات العام المُقبل، ولكن قد يُدعى لعقدها في وقتٍ مبكِّر. وعلى الرغم من الدعم الواسع الذي تحظى به "حركة من أجل تغيير ديمقراطي" في المدن وبين أوساط الشباب، قد لا يزال من المحتمل فوز منانغاغوا بترشيح حزب الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي - الجبهة الوطنية، وخصوصاً إذا كانت أجهزة الحزب تدعمه، وإذا بدا أنَّه مُستعدٌ لقيادة حكومة شاملة.

لذلك فإنَّ موغابي، "المحمي" من قِبل الجيش في مكان إقامته في العاصمة، هراري، يُواجه قراراً صعباً. فقد يسعى لمقاومة القوة السياسية الهائلة التي تتحرَّك بسرعةٍ نحوه، أو التفاوض، أو الانصياع طواعيةً لقادة زيمبابوي الجُدُد.