بلومبيرغ: خيارات السعودية لإضعاف حزب الله اللبناني فات أوانها.. وحقائب إيران السرية ستنقذه

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

المغامرة الخارجية الجديدة التي شرعت المملكة العربية السعودية فيها من خلال التدخل في توازن القوى الطائفي الدقيق بلبنان من أجل تقويض حزب الله المدعوم من إيران- تبدو أمام خيارات محدودة.

فحتى في ظل عمل السعوديين مع الولايات المتحدة وإسرائيل في محاولة لعزل حزب الله، فإنَّ الأمر في نهاية المطاف قد لا يعدو كونه مجرد إزعاجٍ بسيط لهؤلاء المسلحين الذين امتدت مخالبهم خارج معقلهم بجنوب لبنان في السنوات الأخيرة. فحزب الله قوة إقليمية، وينتشر مقاتلوه في اليمن، والعراق، ويقدم مساعداته للرئيس بشار الأسد في سوريا، حسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية.

y


فات الآوان


وعندما أعلن رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، فجأةً، استقالته من العاصمة السعودية الرياض يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، قائلاً إنَّه يخشى على حياته، بدا أنَّه كان يستهدف حزب الله وحلفاءه الإيرانيين.

وقد أثار ذلك مخاوف من سقوط لبنان مرةً أخرى في الصراع بين المتنافستين الإقليميتين الطائفيتين؛ إيران والمملكة العربية السعودية. ورغم تزايد حدة التوتَّرات، فإنَّه لا توجد إشارات على أنَّ فصائل لبنانية أخرى مستعدة أو قادرة على مواجهة حزب الله.

قال دينيس سوليفان، المدير المشارك لمركز الشرق الأوسط بجامعة نورث إيسترن في بوسطن، إنَّ حزب الله إذا خرج سالماً من هذه الأزمة، "فإنَّ عدم خسارة حسن نصر الله، زعيم الحزب، ستُمثِّل نصراً".

وأضاف سوليفان أنَّ الأوان قد فات لمواجهة حزب الله، على الأقل لن يكون ذلك ممكناً "بضربةٍ واحدة". وأردف: "لقد خرج الجنيّ من قمقمه وأصبح حزب الله موجوداً خارج لبنان. إنَّه في كل مكانٍ الآن".

y


الحريري قد يعود


ولم تحلَّ بعدُ، تلك الدراما التي جعلت مطاف الحريري ينتهي بالمملكة العربية السعودية. فقال يوم الأحد الماضي، 12 نوفمبر/ تشرين الثاني، إنَّه سيرجع لبلاده قريباً، رغم تأكيده عدم تراجعه عن استقالته إلا إذا توقف حزب الله عن التدخل فى الدول الأخرى.

كان ذلك مطلباً قديماً للسعودية، الداعمة السابقة لسعد الحريري، الذي وُلِد بالرياض، ووالده رفيق الحريري، الذي اغتيل في عام 2005.

وقد اتهمت السعودية حزب الله بأنَّه كان وراء إطلاق صاروخٍ باليستي صوب العاصمة الرياض بعد فترةٍ وجيزة من استقالة الحريري، ونصحت رعاياها بمغادرة لبنان، مُتَّهِمةً الحزب الشيعي بالتخطيط لهجمات ضد المملكة، بما في ذلك شن هجمات من الأراضي اليمينة.

وتواصل السعودية اتباع سياسة خارجية أكثر نشاطاً تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نجل الملك سلمان، الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، والذي يحاول تغيير وجه البلاد. وتستمر المملكة في قصف اليمن منذ عام 2015، في محاولةٍ لإعادة حليفها إلى السلطة، وتقود الآن حصاراً على قطر.


كيف كان رد فعل حزب الله؟


تحدَّث نصر الله مرتين عن الاستقالة، وفي كلا الخطابين كان سلوكه هادئاً ومتصالحاً، مُبدِّداً المخاوف من نشوب نزاعٍ شامل مع السُنَّة، وشارك في المطالبة بعودة الحريري من "الاحتجاز" السعودي على الرغم من "خلافاتهما السياسية".

وقال سامي نادر، رئيس مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية في بيروت، إنَّ الاستراتيجية كانت تهدف إلى التقليل من الخطوة السعودية، وأضاف أنَّ هذه الحجة سمحت لنصر الله بتصوير الأزمة على أنَّها ضربة للقانون الدولي عوضاً عن كونها مُتعلِّقةً بانخراط الحزب في صراعاتٍ إقليمية أخرى.

وقال نادر إنَّ حزب الله جزءٌ من الحكومة اللبنانية ويحتاج الى الغطاء السياسي الذي وفَّره له الحريري، في الوقت الذي تتزايد فيه العقوبات الأميركية المفروضة على الحزب، ويتصاعد الخطاب الإسرائيلى حول قصف لبنان وإعادته إلى العصر الحجري.


ما الذي كان السعوديون يحاولون فعله؟


قبل أيامٍ من استقالة الحريري، قال ثامر السهبان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، في تغريدةٍ له على تويتر، إنَّه مندهش من صمت الحكومة والشعب اللبنانيَّين على مشاركة حزب الله في حربٍ ضد بلاده، في إشارةٍ إلى الصراع في اليمن.

وقالت سانام فاكيل، الأستاذة المساعدة لدراسات الشرق الأوسط في جامعة جون هوبكنز الأميركية للدراسات الدولية المتقدمة، إنَّ الاستراتيجية كانت تكمن في إلحاق الأذى بلبنان -اقتصادياً ودبلوماسياً وسياسياً- وتثبيط التساهل والدعم الموجهَين لحزب الله. ولنتخذ مما حدث في عام 2005 درساً، عندما خرج اللبنانيون في احتجاجاتٍ أدَّت إلى خروج السوريين من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري.

وقالت سانام: "يتمثَّل الأمل الآن في أن يكون هناك زخمٌ وضغطٌ عام مماثل". لكنَّ ذلك لم يحدث بعد لحزب الله الذي تأسس في الثمانينيات وترسَّخ في نسيج لبنان السياسي والاجتماعي.

وأضافت: "نصر الله شخصٌ يعرف كيف يخرج من الأزمات؛ لذا فالسؤال هنا يدور حول الأفكار التي يُجهِّزون لها (في الحزب) كي يخرجوا مما يحدث أكثر قوة؟".


ما الذي يُمكن للسعوديين فعله الآن؟


بموجب الاتفاق الذي تُقسَّم به السلطة على أساسٍ طائفي في لبنان، يجب أن يكون رئيس الوزراء اللبناني سُنّيّاً، وأن يكون رئيس البلاد مارونياً مسيحياً، وأن يكون رئيس البرلمان شيعياً.

تحقَّق السلام على نحو كبير منذ انتهاء الحرب الأهلية التي قامت في الفترة بين عامي 1975 و1990، على الرغم من تزايد الخلافات في السنوات الأخيرة؛ بسبب قدوم أكثر من مليون لاجئ سوري، من السُنَّة بالأساس، إلى لبنان، ودَعَمَ حزب الله الشيعة والمسيحيين الذين سعوا لحماية مصالحهم.

لكن وفقاً لبلال صعب، وهو زميل بارز بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، فإنَّ السعوديين محدودي القدرة فيما يتعلَّق بالإضرار المباشر بإيران وحزب الله في لبنان. وقال بلال إنَّ أزمة الحريري لم تكن أكثر من "صداع بالنسبة لحزب الله".


حقائب إيران ستنقذه


والأكثر من ذلك هو أنَّ أي إجراءات مباشرة ضد لبنان يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية للمملكة العربية السعودية.

وفِي هذا الإطار، يقول بشارة أبو ريجيلي، الذي يبلغ من العمر 40 عاماً، وهو متخصص في تكنولوجيا المعلومات، إنَّ السُنّة والمسيحيين والدروز سيدفعون ثمناً أغلى من حزب الله إذا فرضت دول الخليج عقوباتٍ على لبنان.

وقال في شارع الحمراء ببيروت: "يحصل حزب الله على حقائب من الأموال من إيران؛ لذا لن يتأثر. إنَّهم يريدون تشديد الخناق علينا اقتصادياً حتى نثور ضد حزب الله، لكنَّ ذلك لن يحدث".