العرب يكررون ما فعله معهم الأكراد.. صحيفة أميركية تنقل "المعركة الانتقامية" شمال العراق

تم النشر: تم التحديث:
KURDS IRAQ
Ako Rasheed / Reuters

دائرة مغلقة من الانتقام المتبادل بين العرب والأكراد بدأت تحدث في شمال العراق، فمع هبوط كفة ميزان الأكراد، لم يضيع المنتصرون الجدد الوقت؛ بل باشروا العمل في محو آثار 3 سنوات من الحكم الكردي في المنطقة.

فمنذ اندحر الأكراد في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، أتمت القوات العراقية إزالة الأعلام الكردية، مستبدلين تلك البيارق المزينة برمز الشمس وصور "شهداء" البيشمركة الذين سقطوا في حرب داعش بصور أخرى "لشهدائهم" هم، حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

حتى إن صورة جدارية لوالد حركة الكفاح الكردي الوطني، الملا مصطفى بارزاني، طُمست معالمها هي الأخرى وخُط عليها على عجل "يحيا العراق".

انقلاب ميزان القوى الذي رجحت فيه كفة العرب المحليين هذه المرة على الكرد هنا، يمثل انتهاء جولة جديدة من شطب وتسوية الحساب بين القوميتين الجارتين، الأمر الذي ينذر بتقويض آمال الاستقرار في البلاد، التي خرجت لتوها منتصرة في حربها ضد تنظيم داعش.


تعريب وتكريد


يقول أحمد جعفر الذي يرأس منطقة زمار في شمال العراق (60 كم شمال شرقي الموصل): "يزعم الساسة العرب أن الأكراد كرّدوا المنطقة، فيما يزعم ساسة الكرد أن العرب عرّبوها. ليست الأمور مستقرة أبداً، ليس في زمار وحدها فحسب؛ بل في العراق كله عامة، ونحن قلقون من المرحلة المقبلة".

وكان المقاتلون الأكراد قد استولوا على المنطقة الغنية بالنفط والتي يبلغ عدد سكانها 90 ألف نسمة عام 2014 عندما غنموها من تنظيم داعش؛ لكن معظم أهالي المنطقة هم من العرب، وكان التحرير الحقيقي قد جاء بمقدم القوات العراقية التي أخرجت المقاتلين الأكراد قبل بضعة أسابيع.

الهجمة العراقية التي أخرجت الميليشيا الكردية من آخر معاقلها في البلاد جاءت بعد تحالف عراقي-كردي في الحرب على تنظيم داعش؛ أي إن حلفاء البارحة عادوا من جديد إلى النزعة القديمة في تفضيل أجنداتهم الشخصية على وحدة الصف التي نشأت فيما بينهم ضد عدوهم داعش مع اقتراب هزيمة هذا العدو.

هذا الانقلاب والتبدل في المواقف قد جاء مباشرة بعد التحركات الكردية للانفصال عن بقية العراق بالاستفتاء الذي أجري في 25 سبتمبر/أيلول 2017 على استقلال إقليم كردستان؛ حيث شرع رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في تبدل مفاجئ، في تعبئة الجنود والقوات ضد الأكراد، حلفائه السابقين.

وفي غضون أيام، كانت بغداد قد بسطت نفوذها على مناطق متنازعة مختلطة السكان كان الكرد قد استولوا عليها خارج نطاق إقليمهم الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي شمال العراق؛ حيث استغل الكرد تلك المنطقة المستولى عليها والممتدة من حدود إيران شرقاً وحتى سوريا غرباً لتوسعة مساحة أراضيهم بنسبة 40%.


نصبوا خيامهم


وما زالت بغداد تطالب الأكراد بتسليم بقية المناطق التي استولوا عليها خارج النطاق الرسمي لإقليمهم، فضلاً عن تسليم المعابر الحدودية الدولية التي في أيديهم؛ وقد حشدت الحكومة المركزية جنودها على مقربة من زمار؛ للضغط على الكرد للتفاوض أو ربما للهجوم عليهم في حال فشلت المفاوضات.

من جهتهم، دعا الأكراد، الإثنين 13 نوفمبر/تشرين الثاني، إلى الحوار؛ بغية تخفيف التوتر مع الحكومة المركزية؛ فإزالة الرموز الكردية من المنطقة ذكّر الكرد بفصلٍ أَسود عاشوه في الماضي عندما هُجِّروا جماعياً من تلك المناطق نفسها على يد الدكتاتور السابق صدام حسين، ضمن مساعيه لإحكام سيطرة الحكومة على الموارد النفطية والأراضي الزراعية الخصبة شمالاً في حملته لـ"التعريب".

لكن الكرد أنفسهم بعدما دحروا تنظيم داعش وأخرجوه من بعض تلك المناطق عمدوا بدورهم إلى تدمير بيوت العرب وتهجير الكثير منهم بتهمة دعم المسلحين الإرهابيين.

أما الآن، فيعود من تلقاء أنفسهم أولئك العرب الذين طردهم الكرد من زمار إلى منطقتهم وينصبون الخيام وسط خراب قراهم؛ وقالت بعض مجموعات حقوق الإنسان إن القرى دمرتها قوات الكرد جزئياً على الأقل؛ في محاولة منهم لتغيير المنطقة ديموغرافياً لصالحهم.

ومنذ دخول القوات العراقية إلى المنطقة وسيطرتها عليها بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2017، فرَّ من تلك المناطق المتنازع عليها أكثر من 180 ألفاً معظمهم أكراد، حسبما تقول الأمم المتحدة.

وقال بعض الأكراد الفارّين إنهم يخشون من دائرة انتقام القوات العراقية والسكان المحليين من العرقيات الأخرى، وخصوصاً العرب الذين لم ترُق لهم سيطرة الكرد على المنطقة، فهؤلاء الآن يتمتعون بقوة جديدة منحتها لهم عودة السلطة الفيدرالية إلى حكم المنطقة.


تدمير متبادل


وقد شهدت بعض المناطق نهب وحرق الممتلكات الكردية، وفي زمار تم استبدال رئيس الشرطة ورئيس المخابرات الكرديين باثنين من العرب، فيما عادت الأعلام العراقية لترفرف على البلدة من جديد.

يقول أحد مواطني المنطقة، وهو كهل في الـ60 من العمر: "لقد تحررنا من البيشمركة"، حيث كان المواطن قد عاد إلى زمار قبل أقل من 3 أسابيع ليجد بيته وكل مباني قرية بارزان العربية قد احترقت.

وتشير صور القمر الاصطناعي، التي نشرتها منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير لها العام الماضي، إلى أن الدمار الذي حل ببارزان قد نزل ربعه على الأقل بالقرية بعد مجيء الكرد إليها وسيطرتهم عليها.

وفي رد فعل على ذلك التقرير، قالت السلطات الكردية إن بارزان كانت مركزاً من مراكز عمق تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وإن 523 بيتاً في القرية قد تدمرت من دون تحديد هوية المسؤول عن ذلك الدمار، حسبما قالت "هيومان رايتس ووتش".

أما بالنسبة للسكان العرب العائدين إلى قراهم، فلا شك لديهم في هوية الفاعل الملوم.

يقول ناظم جندي، الشاب ذو الـ22 عاماً: "بإمكان الأكراد الذين لم يؤذوا الناس أن يعودوا، أما من آذوا الناس فلا". وكان هذا الشاب قد عاد مؤخراً إلى قرية بارزان، وهو الآن يعيش في خيمة قرب أطلال بيته المهدم.


منازلهم لنا


الآن مع ضعف شوكة الكرد، بدأ بعض العرب يتمادون، فهم يستغلون الفرصة ليكيلوا الصاع صاعين؛ رداً على ما رأوه ظلماً ارتُكب بحقهم طيلة 14 عاماً منذ سقوط صدام، الذي شكل نقطة تحول لصالح الأكراد.

المواطن العراقي العربي أحمد الخليف الحامدي، طرده الأكراد عام 2003 من قريته "باردية" القريبة من زمار؛ لزعمهم أن الأرض التي بنى عليها بيته عام 1985 كانت قد اغتُصبت تحت حكم صدام. أما في أكتوبر/تشرين الأول 2017، فقد عاد حامدي لاستعادة ما تبقى من منزله المتهدم.

يقول حامدي إن على العرب الذين تدمرت منازلهم أن يسكنوا الآن في بيوت الفارّين من الكرد، ويتابع: "سنفعل بالكرد ما فعلوه بنا".

وقال رحمان عبد الله، العقيد في وحدة الشرطة الفيدرالية المكلفة أمن زمار، إنه التقى قادة القبائل المحلية من مجموعات عرقية مختلفة وحثهم على عدم أخذ سلطة القانون في أيديهم وتركها للجهات المختصة.

وختم بالقول: "علينا دفن الأحقاد وتناسي الماضي لكي نمضي إلى الأمام، فإن استمر الناس على هذا المنوال، فسنظل على هذه الحال إلى الأبد".