رحلة علاج شاه إيران الطويلة التي انتهت بموته في مصر.. جريمة طبية غامضة تحولت إلى مأساة مروِّعة

تم النشر: تم التحديث:
S
S

مات في المنفى، إمبراطوراً مُنكسراً في عالمٍ يتفكك.

لفَظَ مُحمَّد رضا بهلوي، شاه إيران، أنفاسه الأخيرة في مصر في عام 1980، في أعقاب فترةٍ ملحمية مدتها 19 شهراً، حولته إلى لاجئٍ ثري غير مرغوبٍ فيه، في منتصف علاقةٍ مُتقلِّبة بين الولايات المتحدة الأميركية والثورة الإسلامية بإيران، التي أتت بآية الله الخميني إلى السُّلطة. وتُعد قصته قصةً مُبهمةً لحاكمٍ مُستبِّد أساء الحكم على التاريخ، وأخطأ في تقدير القوى المُعادية له.


جريمةٍ طبية غامضة



يأتي الفيلم الوثائقي الجديد "A Dying King: The Shah of Iran" كقصةٍ عن جريمةٍ طبية غامضة، ويتحدث عن طاقمٍ من الأطباء الدوليين، والغرور والأخطاء التي نسجت النهاية الغامضة ضمن القصة السياسية الأكبر، حسب تقرير لصحيفة لوس أنغلوس تايمز الأميركية.

فبعد أن شُخِّصَت إصابته بسرطان الدم الليمفاوي، وهو الأمر الذي ظل سرياً لسنوات، كان الشاه ضحية العمليات الجراحية الفاشلة والمُشخصة بطريقةٍ خاطئة، والمُضاعفات الناجمة عن الخراج والعدوى التي أدت إلى وفاته. وكان الكثير من تلك المعاملة السيئة، ولجوئه إلى مصر مُرتبطاً بتخلي أميركا عنه بعدما كانت حليفةً له.

لعب الشاه رغم بُعده الجغرافي دوراً محورياً في حياة مخرج العمل بوباك كلهر، الذي كان عمره 7 سنوات في عام 1976، حين هاجرت عائلته من إيران إلى لوس أنغلوس في أثناء تحركات الثورة.

نشأ كلهر في حي شيرمان أوكس في كاليفورنيا، وكان يبيع الصحف والجرائد، وتخرَّج في جامعة نورث ريدج بولاية كاليفورنيا. أصبح كلهر مفتوناً بحال السياسة في وطنه الأم، وكيف كان الشاه مقترناً بمصيره، وكذلك بنزوح العديد من الأميركيين الإيرانيين.

وقال كالهر، المخرج المبتدئ والوسيط العقاري الذي استضاف عرضاً سياساً وطبياً على راديو إيران في المحطة الإذاعية KIRN 670 AM بمدينة سيمي فالي: "ما زال سبب مجيئنا هنا غامضاً. كان الفيلم بمثابة رحلة اكتشاف للذات. قمتُ بشراء الكاميرا والأضواء، وبدأتُ في السفر وإجراء المقابلات مع الناس. ودعاني أصدقائي بالعالِم المجنون. استهلك العمل جزءاً كبيراً من أموالي الخاصة. ولكنَّه لم يُجِب عن كل الأسئلة، ما قدمناه يشير فقط إلى بداية الطريق".

وقال كالهر، الذي يبدأ عرض فيلمه يوم الخميس القادم، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، في لوس أنغلوس، وتقوم على توزيعه شركتا فيجن فيلمز وكارو بيكتشرز: "إنَّها لحظةٌ فارقة. إنَّنا نتجه إلى صراعٍ عسكري مُحتمل مع بلدٍ لا نفهمه. أياً كان الجانب "السياسي" الذي تتبناه... فمن المهم أن نفهم التاريخ. بعدها يمكنك اتخاذ قرارٍ مدروس. كانت تلك هي نيتي من هذا العمل، وأتمنى أن نتمكَّن من تطويره".

وتشير البوصلة في هذه الأيام إلى اتجاهاتٍ عديدةٍ في ظل الحروب القائمة في الشرق الأوسط، وتزايد العداء بين دولة إيران التي يُسيطر عليها الشيعة والسعودية التي يُسيطر عليها السنة، وعلاقات حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتوترة مع طهران بشأن الاتفاق النووي.

وأعاد الفيلم عبر مزيجٍ من اللقطات الأرشيفية ومقابلاتٍ مع عددٍ من الأطباء رواية أحداث عام 1979، حين فرَّ الشاه وأحكم الخميني قبضته على إيران. وحذَّر الخميني الرئيس الأميركي جيمي كارتر وزعماء غربيين آخرين من إيواء الشاه، وهو تهديدٌ تسبَّب في عواقب وخيمة بعد شهورٍ، عندما اقتحمت حشودٌ السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 رهينة. وجد الشاه نفسه بلا وجهة، مُتنقلاً بين المغرب وجزر الباهاما والمكسيك، وأخيراً إلى نيويورك، بعد أن تراجع كارتر عن قراره. ووصفت زوجته فرح تلك المحنة بأنَّها "سلسلةٌ من الكوارث".


هل كان الإهمال هو السبب أم شيء آخر؟


في الفيلم، يقول خورخي سيرفانتس، الطبيب الجراح الذي عمل مستشاراً طبياً لدى السفارة الأميركية في المكسيك: "الأمر برمته كان قصةً من الإهمال". وقال مورتون كولمان، الطبيب المُختص في علم الأورام الذي عالج الشاه في مستشفى نيويورك، إنَّه ما بين المسؤولين الحكوميين، والأطباء، والدبلوماسيين، كان هناك عددٌ كبير للغاية من الأشخاص يقومون على رعاية الشاه، أكبر من اللازم، وكانت هناك تداعياتٌ سياسية هائلة.

وأعادت قصة الشاه، التي استمر أثرها خلال العقد الأخير من الحرب الباردة تشكيل السياسة العالمية، وأسهمت بقوة في صعود الإسلام الراديكالي والإرهاب المُستمر في ضرب المنطقة وخارجها. ويبدو الشاه اللطيف بماله وتاجه وميدالياته وزوجته الأنيقة الآن ملكاً ضالاً وكتوماً وعنيفاً في روايةٍ ساخرة، كرجلٍ لامع لم يسقط على يد أعدائه، ولكن بسبب تردده، والأطباء المتنافسين، والهوس بعدم إظهار الضعف.

كانت الأخطاء الطبية عديدة؛ إذ شُخِّصت إصابته بالملاريا خطأً، وعملية إزالة حصوات المرارة التي أجراها في نيويورك لم تُزِل جميع الحصوات، ولم يُعالَج طحاله المتضخم على الفور. وعندما أُزيل الطحال أخيراً في مصر على يد جراح القلب الأميركي المشهور الطبيب مايكل ديبغي، أُصيب البنكرياس ونتج خُراجٌ ولم يتلقى المُضادات الحيوية الوريدية اللازمة. وبعدها استُدعِيَ جراحٌ فرنسي لمعالجة الخراج وتطهير جسده من العدوى، لكنَّ الشاه الذي كان يُسمي نفسه يوماً ما "ملك الملوك" دخل في غيبوبةٍ، وتوفي في يوليو/تموز 1980.


ثماني فرق طبية


وفي قصةٍ نُشرت في مجلة فانيتي فير الأميركية في عام 1988، كتب ويليام شاوكروس، الصحفي البريطاني الذي كان كتابه "The Shah’s Last Ride" مصدراً لكالهر في فيلمه، أنَّ وفاة الشاه كانت "قصةً مليئة بالتكتم والهوس بالغموض تحولت إلى مهزلةٍ مروِّعة".

واستطرد شاوكروس: "كان لدى الشاه على الأقل ثماني فرقٍ من الأطباء؛ أطباؤه الإيرانيون الأصليون، والفرنسيون، والمكسيكيون، وفريق كين، والأطباء الأميركيون في لاكلاند (قاعدة جوية في الولايات المتحدة في ولاية تكساس)، وأطباء من دولة بنما، وفريق الطبيبين كين وديبغي في القاهرة، وأخيراً مجموعات متغيرة من الأطباء المختلفين، الذين لديهم أفكارٌ مختلفة عن كيفية علاجه وإمكانية إنقاذه".

كان الشاه ضحيةً للسياسات المتغيرة وخطواته غير المحسوبة؛ رجلٌ لم يعد بالإمكان مساعدته، نجل سلالةٍ حاكمة في رحلةٍ طويلة ومضطربة. وذكر كالهر أنَّ معظم الأطباء الذين تحدَّث إليهم قالوا: "لو كان الشاه رجلاً عادياً يدخل أي مشفى كبير في أي مدينةٍ كبيرة في أي بلد، لكان من الممكن أن يُعالَج".