أدهشوا العالم بمعاملتهم للأسرى واقتسموا الطعام مع المدنيين.. بطولات منسية للمسلمين دفاعاً عن أوروبا

تم النشر: تم التحديث:
S
s

كانوا يتقاسمون الطعام مع المدنيين الجائعين، وأدهشوا الضباط الفرنسيين والبلجيكيين والكنديين بمعاملتهم الإنسانية لأسرى الحرب من الألمان.

وعندما طُلب منهم تفسيرُ سلوكِهم، نقلوا آيات من القرآن، وتعاليم الرسول محمد بشأن كيفية التعامل مع مقاتلي العدو.

إنهم أبطال منسيون، الجنود المسلمون الذين حاربوا دفاعاً عن أوروبا في الحرب العالمية الأولى.

تقرير لصحيفة الغارديان رصد مبادرة لتسليط الضوء على هؤلاء الرجال الذين دفنت أعداد كبيرة منهم في مقبرة الحرب الوطنية الفرنسية، بين أطلال الخنادق التي امتدت 440 ميلاً وشكّلت الجبهة الغربية إبان الحرب العالمية الأولى.

تقول الصحيفة، كان هناك حشد يرتعد من الدهشة، بدلاً من برودة الجو أثناء الاستماع إلى قصص حياة الرجال الذين عانوا أهوال الحرب العالمية الأولى.

وبحسب ما نقلت الغارديان، في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، فقد سقطت أكثر من 1.5 مليار قذيفة مدفعية في هذا الجزء من شمالي فرنسا، بالقرب من بلدة أراس، مما دفع الجنود إلى تسمية الأراضي الزراعية التي قاتلوا عليها بـ"جحيم الشمال" أو "المقبرة".

وبدا الحشد الذي جاء لتكريم هؤلاء الأبطال غير مصدق لحجم معاناتهم، وبدت عليهم نظرات كُفرٍ بتاريخ لم يسبق أن رواه أحد من قبل.

فبعدما سافر هؤلاء الجنود آلاف الأميال من الأجواء الأكثر سخونة (البلاد الإسلامية)، دخلوا الخنادق مع الأئمة الذين اشتملت مهامهم على قيادة صلاة الجماعة وترديد نداء الصلاة في آذان المُحتضرين، وحينها صدرت أوامر خاصة بشأن كيفية الصلاة وموعدها؛ إذ يقول بيان صادر عن القيادة الفرنسية العليا "إذا كانت الحرب مُحتدمة، وليس لدى المُسلم لحظات من السلام لأداء صلاته، فعليه فقط تحريك رأسه وجذعه"، وأضاف أنه "في الحالات التي تشهد لحظات من الهدوء، بإمكان المسلم أداء الصلوات كلها متوالية".


حلال


وكان يتم تقديم الطعام الحلال بشكل روتيني، وكان يعدّه طهاةٌ جاؤوا بصحبة الرجال، وعندما كانت تنفذ الإمدادات الطبّية، كان يستخدم أولئك الجنود العلاجات العشبية التقليدية من موطنهم للمساعدة في علاج الرفاق المصابين، أيّاً كانت عقيدتهم. وعلّم البعض أغانيهم الفلكلورية لأولئك الذين يخدمون معهم، بغض النظر عن لغتهم، في خضم المآسي الوحشية للحرب.

وتظهر أدلة تضحياتهم في إحدى الزوايا في نوتردام دو لوريت، التي تحتوي على قبور 40.000 جنديّ فرنسي سقطوا على الجبهة الغربية. ولا تتميز شواهد القبور الإسلامية فقط بنقوشها الإسلامية، بل إنها تتجه شرقاً نحو مكة، وقد تم تصميمها من قبل الرسام الفرنسي إتيان دينيت، الذي اعتنق الإسلام في عام 1908.

وهناك أنهى الحشد، الذي كان بالأساس من مسلمين بريطانيين تواجدوا في نوتردام دو لوريت قبل الاحتفال بذكرى يوم الهدنة، الذي يتزامن مع عطلة هذا الأسبوع، زيارتهم بالصلاة على قبور جنود شمال إفريقيا الذين يشاركونهم نفس العقيدة.


مشروع من أجل الأبطال المسلمين


وقد كانت هذه الزيارة جزءاً من مشروع رائد أطلقته منظمّة تدعى "مؤسسة الأبطال المنسيين 14-19"، وثّقت لأول مرّة مساهمة جميع المسلمين الذين قاتلوا وعملوا في صفوف قوات التحالف خلال الحرب العالمية الأولى. ويشير رقم 19 في اسم المنظمة إلى الصراع الذي سببه الوجود العسكري في سوريا عام 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

وأمضى الباحثون السنوات الست الماضية في البحث عن المحفوظات العسكرية والدبلوماسية والخاصة، بما في ذلك المذكرات والخطابات، عبر 19 دولة، ووصلوا إلى أكثر من 859 ألف وثيقة باللغات الفرنسية والفارسية والأردية والروسية والألمانية والعربية، فضلاً عن مئات الصور. وتشير تقديراتهم إلى أن نحو 2.5 مليون مُسلم قد ساهموا في انتصار التحالف، إما جنوداً أو عُمّالاً. وهي أول مرّة يتم فيها إقرار مثل هذه الأرقام.

وأنشئت تلك المنظمة من قِبل البلجيكي لوك فيرير، البالغ من العمر 53 عاماً، بعدما خاض في أول مذكرات للحرب العالمية الأولى كانت لجدّه الأكبر، والذي تحدّث فيها بشكل مكثّف عمن وصفهم بـ"المحمّديين" الذين واجههم في الخنادق. ولأن فيرير أُخِذَ بسحر ما قرأ، فتش في كتب التاريخ لتعلّم المزيد، ولكنّه لم يجد سوى القليل فحسب من المعلومات المتاحة، فبدأ بإجراء بحثه الخاص، في بداية الأمر من خلال سجلات الحرب البلجيكية والفرنسية، وأدرك أن هناك قصّة أكبر يتعيّن سردها.

وفي الحقيقة، لقد أصبح منهمكاً جداً في ذلك، حتّى إنه تخلّى عن وظيفته في مجال صناعات الطيران، لإنشاء المنظمة في عام 2012، وليكرّس حياته لتوثيق دور جميع المسلمين المشاركين في الحرب.


من أين جاؤوا؟


وقد جُلِب أولئك المسلمون من جميع أنحاء إفريقيا والهند والشرق الأقصى والشرق الأوسط وروسيا وحتّى أميركا، ولكن قصصهم التي تمس القلب عن الحياة والاحتضار إلى جانب رفاقهم الأوروبيين المسيحيين واليهود كان لها الصدى الأكبر لدى فيرير وفريقه، فهم يقولون إن معرفة التاريخ يمكن أن تساعد في التغلّب على بعض المشكلات في أوروبا اليوم.

وتُظهر الوثائق التي تم الكشف عنها تعلّم الأئمة والقساوسة والحاخامات مراسم دفن وصلوات بعضهم البعض على الموتى على جبهة القتال. وثمة تقارير تشير إلى أن الجنود المسلمين كانوا يتقاسمون الطعام مع المدنيين الجائعين، في حين كان الضباط الفرنسيون والبلجيكيون والكنديون يعربون عن دهشتهم من معاملة المسلمين الإنسانية لأسرى الحرب من الألمان. وعندما طُلب من الجنود تفسيرُ سلوكِهم، نقلوا آياتٍ من القرآن، وتعاليم الرسول محمد بشأن كيفية التعامل مع مقاتلي العدو.

وقال فيرير، وهو ليس مسلماً: "إن اليمين المتطرف وكراهية الإسلام آخذة في الارتفاع في جميع أنحاء أوروبا. ومشروعنا متعلّق بجعل جميع الناس في جميع أنحاء القارة على فهم بأن لدينا تاريخاً مشتركاً. وهذا لا يتعلق بالسياسة أو الاستعمار، فنحن ببساطة نقدم الحقائق لأن هذه قصة تحتاج أوروبا كلها إلى معرفتها".

وأضاف قائلاً "يُصوَّر المُسلمون على أنهم العدو في الداخل، وأنهم الوافدون الجدد الذين لم يقدموا مساهمة قيّمة لأوروبا، ولكننا نستطيع أن نثبت أنهم ضحّوا من أجل أوروبا الحرّة، وساعدوا على جعلها على ما هي عليه، وأن لهم الحق في أن يكونوا هنا".


صلاة العشاء


وجوهر روح المؤسسة هو نشر معرفة ما يتوصلون إليه إلى الشباب البريطاني والأوروبي على وجه الخصوص، بهدف أن يساعد ذلك الأجيال القادمة على فهم المجتمعات الإسلامية التي تعيش بينهم بشكل أفضل، وتُنظم جولات في ساحات المعركة باسم "التجربة الإسلامية في الحرب العالمية الأولى"، بالتعاون مع شركة أنجليا تورز، المتخصصة في زيارات ساحات المعارك، وهي زياراتٌ يتم تنظيمها لتلاميذ المدارس البريطانية.

بالإضافة إلى زيارة الخنادق والنصب التذكارية والمقابر، وسماع القصص الإنسانية وراءهم، تتضمن الجولات أيضاً زيارة إلى مسجد بدر في مدينة أمينز، من أجل عرض عن أبحاث المؤسسة، ويلي ذلك تناول وجبة شمال إفريقية تقليدية. ويتم كذلك تشجيع الزوار غير المسلمين على حضور صلاة العشاء.

يقول يوسف شامبرز، من مؤسسة التراث الإسلامي، التي تعمل مع المنظمة في بريطانيا "نحن نحاول بناء جسور، وأي طريقة لذلك أفضل من تقاسم وجبةٍ والتنشئة الاجتماعية معاً؟".

وأضاف "عملنا يركز على كافة المجتمعات والأعمار، ولكنه يُعنى بالصغار على نحو خاص. فنحن نريد أن يعرف الناس هذا التاريخ، لأننا نريد لكل طفل بريطاني وأوروبي أن يقول إن المسلمين كانوا أيضاً أبطالاً بالحرب العالمية الأولى".

وقد جذبت أعمال المؤسسة أنظار خبراء الحرب العالمية الأولى بالفعل؛ ففي الشهر الماضي، تواصل فيرير مع مؤرخين في جامعة هارفارد البريطانية، وقدّم أيضاً ورقة بحثية إلى الأمم المتحدة. وهناك خطط قائمة لإعداد كتاب في العام المقبل سيتضمن اقتباسات من الوثائق والصور التي تم الكشف عنها، ومعرضاً يجوب أوروبا. بالتزامن مع استمرار البحث، قد يرتفع العدد المشار إليه كتقديرات بشأن عدد المسلمين الذين ساهموا في الحرب العالمية الأولى، والذي يصل إلى 2.5 مليون مُسلم.

وبالنسبة لأولئك الزائرين الذين حضروا الجولة الافتتاحية، الأسبوع الماضي، كان ما أثّر فيهم بشكل خاص هو سماع رسائل من جنود مسلمين إلى أسرهم شاركوا فيها مخاوفهم وإيمانهم، تمت تلاوتها خلال الجولة.

وكانت إحدى تلك الرسائل من جندي جزائري، كان متمركزاً في الخنادق الواقعة حول نوتردام دو لوريت في عام 1916، وقال فيها "أقسم بالله وبما أقدّس، لن أتوقف أبداً عن صلاتي، لن أتخلى أبداً عن إيماني حتى لو هاجمتني محن أكثر فظاعة من تلك التي أجد نفسي فيها الآن".

بين الزوار كانت هناك طيبة شوكت، البالغة من العمر 25 عاماً من وسط لندن، وقالت "عندما تسمع تلك الشهادات الشخصية تفهم حقاً ما خاضه هؤلاء الرجال. فتجربة الجنود الأوروبيين في الحرب العالمية الأولى توثّق على نحو جيد من قِبل شعراء وكُتّاب، ولكننا لا نعرف أي شيء عن حياة المسلمين وغيرهم من جنود المستعمرات، وهذا يجب أن يتغير".


أعداد الجنود المسلمين


400.000 هنديّ (من الجيش الهندي البريطاني).
200.000 جزائريّ.
100.000 تونسي.
40.000 مغربي.
100.000 من وسط إفريقيا.
5000 صومالي وليبي (ضمن الجيش الفرنسي).
5000 أميركي مُسلم.
1.3 مليون روسي مُسلم.


الأيدي العاملة المسلمة المساهمة في الحرب


100.000 مصري.
35.000 صيني مُسلم.
130.000 مسلم من شمال إفريقيّا.
200.000 إفريقي مسلم من جنوب الصحراء الكبرى.
40.000 هندي مسلم.