3 يهود ومصرية سيُحددون مصير القدس.. ترامب يريد إبرام صفقة القرن وفريقه يبدأ بصياغة خطة سلام للشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Bloomberg via Getty Images

بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاروه بتطوير مخطّطهم الملموس، الخاص بإنهاء النزاع المستمر لعشرات الأعوام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهي خطةٌ من شأنها أن تذهب لمدى أبعد مما طالته إطارات العمل السابقة، التي قدَّمتها الحكومة الأميركية مسبقاً، سعياً لما أطلَقَ عليه الرئيس الأميركي "الصفقة النهائية" أو "صفقة القرن".

وقال مسؤولو البيت الأبيض إنَّه بعد 10 أشهر من تثقيف أنفسهم حول تعقيدات أعند خلافٍ في العالم، فإنَّ فريق ترامب من القادمين الجدد نسبياً على عملية صنع السلام في الشرق الأوسط قد انتقل إلى مرحلةٍ جديدة من مشروعهم، على أمل تحويل ما تعلَّموه إلى خطواتٍ ملموسة تُنهي مأزقاً أحبط حتى الرؤساء ذوي الخبرة الأكبر في المنطقة، حسبما نقل عنهم تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وعَلِقت احتمالات السلام في شِباكِ قضايا أخرى تستنزف منطقة الشرق الأوسط، وقد ظهر هذا في الأيام الأخيرة على يد السعودية ومواجهتها المتصاعدة مع حزب الله، المدعوم من قبل إيران، في لبنان.

وتُشارك إسرائيل السعودية قلقها تجاه حزب الله، وأيضاً جهود إيران الموجَّهة لتخصيص ممرٍ لها عبر أراضي جنوب سوريا. وإذا ما اندلعت حربٌ مع حزب الله، فإنَّ هذا من شأنه أن يُحبِط أية مبادرة مع الفلسطينيين.


القدس


وقد جمَّع فريق ترامب توثيقاتٍ "غير ورقية" تستكشف عدة قضايا متعلِّقة بالنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، ويقول مسؤولون إنَّهم يتوقَّعون التطرُّق لنقاطٍ كانت محلَّ انقسامٍ طويل الأمد، مثل وضع القدس والمستوطنات الموجودة بالضفة الغربية. ومع أنَّ ترامب لم يتعهَّد بدعم خيار الدولة الفلسطينية، يقول مُحلِّلون إنَّهم يتوقَّعون أنَّ الخطة يجب أن تُبنى حول الحل الذي يتضمَّن دولتين (فلسطينية وإسرائيلية) كما يُدعَى، الذي كان في قلب محاولات صُنع السلام لمدة أعوام حتى الآن.

وقال جايسون غرينبلات، وهو كبير مُفاوضي الرئيس ترامب: "لقد قضينا وقتاً طويلاً نستمع ونشارك في حواراتٍ مع الإسرائيليين، والفلسطينيين، وزعماء إقليميين رئيسيين على مدار الأشهر الفائتة حتى يساعدنا ذلك في التوصُّل لصفقةِ سلامٍ تدوم. نحن لن نضع مساراً زمنياً مصطنعاً لتطوير أو تقديم أية أفكارٍ مُعيَّنة، وكذلك لن نفرض أبداً قبول أية صفقة. إنَّ هدفنا هو تسهيل، وليس فرض اتفاقية سلامٍ مستمر لتحسين حياة الإسرائيليين والفلسطينيين والأمن في المنطقة".


صانع صفقات


وقرَّرَ ترامب، الذي يعتبر نفسه صانع صفقات، قبول تحدي السلام الإسرائيلي - الفلسطيني، عندما تولَّى منصبه في شهر يناير/كانون الثاني 2017، إذ جذبته فكرة النجاح فيما فشل فيه غيره من الرؤساء، وأسند المهمة إلى جاريد كوشنر، صهره وكبير مستشاريه. ولم يكن لدى أي منهما خلفيةٌ عن القضية، وقوبلت محاولتهما بالسخرية، لكنَّ حقيقة أن الرئيس ائتمن صهره المقرَّب على الأمر قوبل في المنطقة كعلامةٍ على الجدية.


السعودية تستدعي أبو مازن


ويرى فريق ترامب التقاءً في العوامل يجعل اللحظة الحالية سانحةً للتوصُّل إلى صفقة، ويتضمَّن ذلك استعداداً متزايداً من جانب الدول العربية لحلِّ المشكلة أخيراً وتحويل انتباهها تجاه إيران، التي يرونَّها تمثِّل تهديداً أكبر. وبوضع هذا في الاعتبار، تتوسَّط مصر الآن في عقد مصالحة بين محمود عباس، رئيس الضفة الغربية، وحماس المتحكّمة في قطاع غزة، وهي صفقة من شأنها أن تُرسِّخ كيان السلطة الفلسطينية باعتبارها ممثلةً للشعب الفلسطيني. كذلك استدعت السعودية عبَّاس للحضور إلى الرياض لتؤكِّد عليه أهمية التوصُّل إلى صفقة.

وقال نيمرود نوفيك، وهو زميل بمنتدى السياسات الإسرائيلية وعمل كمستشارٍ سابق لشؤون السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز، الذي فاوض للتوصُّل لمعاهدة أوسلو المعقودة في تسعينيات القرن الماضي: "تبدأ الأحداث بالاصطفاف في توجُّهٍ ما وهذا يخلق بدوره دفعاً. لكن السؤالين الرئيسيين هنا هما "هل سيُقرِّر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المضي قدماً في الأمر؟"، و"هل سيُقرِّر الرئيس ترامب، عندما يقدِّم له فريقه الخطة المنتَظَرة، أنَّها تستحق رأس المال السياسي الذي سيستثمره فيها؟".


لن يتفاوضا


إنَّ كلاً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من جانب إسرائيل والرئيس محمود عباس من جانب السلطة الفلسطينية ليس في وضعٍ يسمح بالتفاوض. إذ يواجه نتنياهو تحقيقاتٍ في تهمٍ مُتعلِّقة بالفساد، وضغطاً من اليمين السياسي في ائتلافه الصغير ألَّا يقدّم أية تنازلات، بينما عباس هو الآخر رجلٌ مسن يواجه معارضةً قوية وسط جمهور ناخبيه.

ويحيط الشكٌ بمبادرةِ السلام، خاصةً من قِبَلِ أولئك ممن قضوا أعواماً يجاهدون لتخطِّي التحديات نفسها بمجموعة الأدوات ذاتها. إذ تدارس الرئيس الأسبق باراك أوباما ومستشاروه تقديم معاييرهم الخاصة لعقد اتفاقٍ العام الماضي 2016، لكنَّهم اختاروا أخيراً ألَّا يشاركوا حتى بمجموعةٍ عامةٍ من القواعد فيما كان الوقت ينفد قبل نهاية فترته الرئاسية.

وقال فيليب غوردون، الذي كان منسِّقاً لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض في ظلِّ إدارة أوباما: "لا جديد تحت الشمس فيما يتعلَّق بسلام الشرق الأوسط. عندما تخوض في تلك التفاصيل، عندها إذن تعترض طريقك الاعتراضات القوية من كلا الجانبين. وإذا كان فريق ترامب لا يريد أن يُجهض الأمر قبل بدئه، فقد ينتهي بهم الأمر بوضع قواعد مبهمة، لكن مما رأيناه نحن، فإنَّ حتى تلك القواعد المُبهَمة هي أبعد مما يُبدي الطرفان استعداداً لتقبُّله".

وقالت تمارا كوفمان ويتس، وهي مسؤولة سابقة بوزارة الخارجية الأميركية في ظلِّ إدارة أوباما، إنَّ كلاً من الزعيمين الفلسطيني والإسرائيلي "مقيَّدان بشدة" لا بائتلافاتهما الحاكمة فقط، بل بشعوبهما المُتشكِّكة التي تتجنَّب المخاطرات. وقالت: "من الصعب حتى على الزعماء السياسيين المستعدين لذلك أن يُقدِّموا تنازلاتٍ كبرى في ظلِّ تلك الظروف".


يهود


ويتضمَّن الفريق الأساسي، المُكوَّن من أربعة أشخاص، والمُكلَّف بوضع خطة السلام، كوشنر، وغرينبلات، ودينا باول نائبة مستشار الأمن القومي، وديفد فريدمان السفير الأميركي لدى إسرائيل. ويستشير هؤلاء أيضاً دونالد بلوم القنصل العام في القدس، وآخرين من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي. وقال مسؤولون إنَّ الجهود المذكورة قد تستغرق وقتاً حتى بداية العام المقبل.

ولا يخفي ترامب وفريقه حقيقة أنَّهم موالون لإسرائيل. إذ تفاخر الرئيس مسبقاً بكونه "أقرب أصدقاء" إسرائيل، وكذلك فإنَّ كوشنر، وغرينبلات، وفريدمان كلهم يهود أرثوذكس تربطهم صلاتٌ بإسرائيل. لكنَّ دينا باول مسيحية قبطية مولودة في مصر، وطوَّر كوشنر علاقاتٍ قوية مع السعوديين وعرب آخرين، وكذلك عاد مؤخراً من زيارةٍ للرياض. والتقى ترامب بكلٍّ من نتنياهو وعبَّاس ثلاث مراتٍ على حدة.

وقوبل الفريق بمديحٍ واسع. وقال حسام زملط، مبعوث السلطة الفلسطينية إلى واشنطن، في مقابلةٍ صحفية: "نحن نعتقد أنَّ تلك فرصةٌ تاريخية، ونحن لن ندَّخِر جهداً لدعم استثمار الرئيس ترامب من أجل مستقبلٍ أفضل". بينما قال نتنياهو في أثناء رحلةٍ إلى لندن هذا الشهر، نوفمبر/تشرين الأول: "إنَّهم يحاولون التفكير خارج الصندوق".

وكان باراك رافيد، وهو صحفي إسرائيلي كتب أكثر من سبقٍ صحفي عن المجهودات الأميركية، قد كتب في صحيفة هآرتس الإسرائيلية ذات التوجُّه اليساري في الربيع الفائت أنَّ ترامب قد "نجح في إعادة الحديث عن السلام، ذاك الذي أصبح كلمةً بذيئةً على مدار الأعوام الفائتة، إلى وسط الشعب الإسرائيلي والحوار السياسي".

لكنَّ مسؤولين من كلا الجانبين يعبِّرون سراً عن قلقهم تجاه كون ترامب وفريقه لا يزالون ساذجين تجاه الشرق الأوسط، وبالتالي غير فعَّالين في تحقيق أهدافهم.

وقال دنيس روس، الذي شارك سابقاً بصفته مفاوض سلام في الشرق الأوسط، إنَّ فريق ترامب "قد أبلى حسناً في تقديم أنفسهم بصفتهم مستمعين في البدء"، وهُم الآن "يُؤخذون بجدية" في المنطقة.

إنَّ قرار تقديم خطةٍ ملموسة أمرٌ منطقي إذا كنت قد رتَّبت له مُسبَّقاً. وقال روس: "إذا قمت باستئناف المفاوضات فحسب، ولم يصاحبها شيءٌ آخر، لن يأخذها أحد بجدية. يقول الناس إنَّهم شاهدوا هذا الفيلم سابقاً. وأنت مهمتك أن تريهم أنَّ هذا ليس صحيحاً، شيءٌ ما مختلف هذه المرة".


الثمن الباهظ الذي سيدفعه الفلسطينيون


وقال بعض المُحلِّلين إنَّهم يعتقدون أنَّ خطة ترامب قد تأتي ومعها شروط مُسبَّقة، يكون كلا الجانبين قد وافقا عليها بغرض بناء الثقة بين جميع الأطراف. وبالنسبة لإسرائيل، قد يتضمَّن هذا الحد من بناء المستوطنات ليشمل الأراضي الحالية فقط دون الاستيلاء على أراضٍ جديدة، والتعهُّد بحلٍّ يشمل إقامة دولتين مستقلتين، وإعادة تخصيص جزء صغير من الضفة الغربية للفلسطينيين لإعطائهم قدراً أكبر من السلطة.

وبالنسبة للفلسطينيين، قد يتضمَّن ذلك العودة لتعاونٍ أمني كامل مع إسرائيل، وتعليق سعيهم للحصول على اعترافٍ دولي، وإيقاف مدفوعاتهم إلى عائلات الفلسطينيين المعتقلين على خلفية هجماتٍ إرهابية. وقد تقدِّم دول عربية أخرى، خاصة السعودية، ومصر، والإمارات، والأردن هي الأخرى تعهُّداتٍ خاصة من جانبهم، مثل السماح لطائرات الركاب الإسرائيلية بالتحليق فوقهم أراضيهم، وإعطاء تأشيراتٍ لرجال الأعمال الإسرائيليين، ومدِّ خطوطٍ للاتصال مع إسرائيل.

ورفض مسؤولٌ بالبيت الأبيض هذه المزاعم، باعتبارها مجرَّد تخمينات. لكن التحديات الكامنة في وجه الوصول لتلك المرحلة من المفاوضات هائلة، أقلها التطرَّق لأسئلةٍ أصعب.


خط أحمر


وقال زملط، المبعوث الفلسطيني، إنَّ أية خطة مُحتَمَلة عليها أن تؤسِّس لدولةٍ فلسطينية ذات سيادة، بحدود ما قبل حرب 1967، بين إسرائيل والعرب، وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية. وقال: "هذا ليس أقصى ما نطلبه، بل هو أدنى المطالب. ما يحتاج الجميع فهمه هو التنازل التاريخي الذي قُدِّمَ بالفعل للوصول لهذا المطلب".

ويمارس حلفاء إسرائيل في واشنطن ضغوطاً من جانبهم هم أيضاً. وفي يوم الأربعاء المقبل، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ستنظر لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النوَّاب الأميركي في أمر مشروع قانون لتقليل المساعدات المُقدَّمة للسلطة الفلسطينية، إذا لم توقِف المُرتَّبات المدفوعة لعائلات المهاجمين الفلسطينيين.

وقال النائب دوغ لامبورن، وهو جمهوري من ولاية كولورادو ويرعى مشروع القانون: "إذا صار الفلسطينيون شركاءً جديرين بالثقة في أي نوعٍ من محادثات السلام، فإنَّ عليهم إثبات أنَّهم لا يُحرِّضون على الإرهاب. وعندما تدفع أنت نقوداً للناس -وفي الحقيقة كلما دفعت لهم أكثر قتلوا يهوداً أكثر- فإنَّ هذا تحريضٌ محض على الإرهاب".

ويقول القادة الفلسطينيون إنَّ تلك المدفوعات غرضها مساعدة الأسر المعوزة، وليس الترويج للإرهاب، ويتهمون إسرائيل بدورهم بدعم الإرهاب من خلال تشجيع وجود المستوطنين في الضفة الغربية. وكان أحد التنازلات الظاهرة ذكر مؤخراً في هذا السياق، وهو أن تساعد السلطة الفلسطينية هذه العائلات من خلالِ برنامج رعاية اجتماعية عام، لا يعطي أولوية لأقرباء السجناء.

ومع ذلك، يظن بعض المُحلِّلين أنَّ نتنياهو وعباس يسايران فحسب العملية الحالية، بهدف التأكُّد من أن الطرف الآخر هو من يُلام عند انهيار محادثات السلام.

وقال غرانت روملي، وهو باحثٌ في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: "إنَّ كلا الزعيمين يُمثِّلان العائق الأكبر في وجه عملية السلام. ففي النهاية، هناك تاريخٌ طويلٌ لكلٍّ من عبَّاس ونتنياهو، وهما يعرفان كيف يمارسان تلك اللعبة. كذلك لا يثق أحدهما بالآخر، ولا أعتقد أنَّهما سيصلان أبداً لمرحلةٍ يثقان فيها ببعضهما".