الخطر الأكبر للزلزال السياسي بالسعودية.. تصاعد احتمالات المواجهة الأميركية الإيرانية وترامب يكرر خطأ بوش

تم النشر: تم التحديث:
1
1

الجانب الأخطر للزلزال السياسي الأخير في السعودية والاضطرابات التي تشهدها المنطقة الذي يلوح في الأفق، هو احتمالية حدوث مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتصاعد بوتيرةٍ سريعة، حسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية.

ففي الوقت الذي كان فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يُرسِّخ سلطته المُطلَقة في مطلع الأسبوع الماضي، بشنِّ حملةٍ على آخر أقاربه من العائلة الملكية، ومستثمرين مليارديرات، ورجال دين وهابيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان كانوا يُمثِّلون تهديداً لحكمه، أعلنت المملكة أنها تُحمِّل إيران مسؤولية هجوم صاروخي استهدف الرياض، نفَّذَه المتمردون الحوثيون في اليمن. ولدى الحوثيين في اليمن علاقاتٌ مع طهران، لكن المزاعم السعودية لا تزال غير مُؤكَّدة.

وفي أثناء ذلك، استقال سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني والحليف المُقرَّب من السعودية، بغتةً من منصبه، بينما كان يزور الرياض، قائلاً إنه يخشى من محاولةٍ إيرانيةٍ لاغتياله. ونفى الجيش اللبناني وجماعة حزب الله اللبنانية، المتحالفة مع إيران، أي محاولة من هذا القبيل. وأصبحت لبنان بشكل متزايد نقطة ساخنة في الحرب الباردة بين طهران والرياض.


ستتورط في الصراع


إذا ما قرَّرت السعودية خوض مواجهة مع إيران، ستجد الولايات المتحدة الأميركية نفسها في وسط الصراع، وفقاً لما ورد في تقرير بلومبيرغ.

وأظهرت تصريحاتٌ للرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه للأمن القومي موقفاً أميركياً أكثر عداءً لطهران. ويتضمن رد الفعل السلبي ذلك إلغاء التصديق الأميركي على الامتثال الإيراني للاتفاق النووي المُبرَم عام 2015، رغم الأدلة الدامغة على امتثال طهران، إلى جانب فرض عقوبات على قوات الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله، وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.


تفكير قديم


وتعكس رغبة إدارة ترامب في عزل إيران والضغط عليها نهج تفكير عتيق لا يأخذ في الاعتبار الحقائق المُتغيِّرة اليوم في الشرق الأوسط. فالنتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن ذلك سيُعزِّز دون قصد قبضة إيران في المنطقة، مثلما فعل غزو إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش للعراق في عام 2003.

ويُزعَم أن إيران حالياً هي الطرف الأقوى في الشرق الأوسط. فهي لاعبٌ حاسمٌ في سوريا ولبنان والعراق، ويمتد نفوذها إلى اليمن وأفغانستان. وإجبار القوة الإيرانية على التراجع سيعني تحدي القوات الإيرانية في البلدان التي تكون فيها هذه القوات متكاتفة مع ميليشيات محلية، أو في البلدان التي تتواجد فيها هذه القوات بناء على حكوماتها كما هو الوضع في حالة العراق وسوريا.

وعلاوة على ذلك، لم تعد إيران منبوذةً عالمياً. وتحظى إيران بشراكةٍ قويةٍ مع روسيا في سوريا، ويتزايد الاهتمام المشترك بينها وبين تركيا في القضايا التي تتعلَّق باستقلال الأكراد وتعزيز الحكومة المركزية في بغداد.

وتدعم كل من تركيا وإيران دولة قطر في نزاعها مع السعودية والإمارات. وخلق هذا الخلاف منافذ لإيران لإظهار نفسها أمام قوى كبرى أخرى مثل الصين والهند، باعتبارها قوةً قادرةً على إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط.

ومع الانقسامات المُعمَّقة في العالم العربي ومجلس التعاون الخليجي، تتعارض محاولات الولايات المتحدة الأميركية لعزل إيران مع المحاولات الأوروبية والروسية والصينية لمداهنة طهران للعب دورٍ إقليميٍ بناءٍ بصورةٍ أكبر، وهو دور جدير بوضعها كقوة صاعدة.


النووي


وستجذب محاولات الولايات المتحدة لتعطيل الاتفاق النووي على الأرجح أطرافاً دولية إلى جبهة إيران، خاصة أن الدول الأوروبية قد ترى طهران شريكاً يمكن الاعتماد عليه أكثر في الالتزام بالتعهُّدات، على نقيض واشنطن التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها.

وتتحوَّل إيران أيضاً بصورةٍ متزايدة إلى آسيا كمصدرٍ للنقد والتجارة. وتنظر الصين إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في مبادرتها الاقتصادية "حِزام واحد، طرِيق واحد"، أو يُعرف باسم "طريق الحرير الجديد"، والتي تسعى إلى ربط بكين بالشرق الأوسط وأوروبا. كما تنظر اليابان وكوريا الجنوبية والهند أيضاً إلى طهران باعتبارها سوقاً غير مُستَغَل يستحق مخاطرة قصيرة الأجل، نظير تحقيق مكاسب اقتصادية مستقبلية. وجميعهم الآن يشترون النفط الخام والبتروكيماويات الإيرانية، ويتطلعون جميعاً إلى إقامة استثمارات كبيرة في الاقتصاد الإيراني.


هل تقوض العقوبات نفوذها؟


ومن غير المُرجَّح أن تؤدي العقوبات الأميركية ضد إيران إلى تقويض نفوذها في الشرق الأوسط. وتعتمد الحكومة السورية بشكل كبير على إيران، كما تراها الحكومة العراقية شريكاً في مكافحة الجهادية السنية والانفصالية الكردية. وستُبطئ العقوباتُ دون شكٍ نموَ إيران الاقتصادي، كما فعلت على مدار الأربعين عاماً الماضية، لكنها لن تُغيِّر قدرة طهران على إظهار نفوذها بصورةٍ جوهرية.

وليس من المُرجَّح أن تتوقَّف الولايات المتحدة وإيران عن كنِّ العداء لبعضهما البعض في الوقت القريب. لكن إدارة ترامب يمكنها معاملة إيران ليس باعتبارها تهديداً خبيثاً، بل كما تُعامل أي منافس كبير مثل روسيا والصين، إذ يمكن لواشنطن أن تتعامل مع طهران حيثما كان ذلك ممكناً. وعند الضرورة يمكن أن توضح واشنطن أنها لا تقبل بالتسويات فيما يتعلَّق بأمن واستقرار حلفائها.

وتحتاج واشنطن وطهران إلى التوصُّلِ لتفاهمٍ حتى لا تشعلان الاضطرابات في المنطقة أكثر. وسَيستلزم ذلك أن تتخلَّى إدارة ترامب عن محاولاتها لتعطيل الاتفاق النووي، والدعوة إلى تغيير النظام الحاكم في إيران. وسيؤدي الاستمرار في تشويه صورة إيران باعتبارها المسؤولة عن كل أزمات الشرق الأوسط إلى نتائج عكسية، ولن يُسفِر إلا عن مزيد من التصعيد في المنطقة. وقد استخدمت هذه الاستراتيجية خلال إدارة جورج بوش الابن وكانت ذات عواقب كارثية.

ويتعيَّن على إدارة ترامب أن تُعيد إقامة الاتصال على مستوى رفيع كما كان قائماً خلال عهد الإدارة الأميركية السابقة، وكذلك أن تُوسِّع نطاق مشاركتها الدبلوماسية لتشمل القضايا الأمنية الإقليمية. ويجب أن يحدث ذلك على مستوى وزاري، متضمناً وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيره الأميركي ريكس تيلرسون. وإذا حدث ذلك فإنه سيخفِّف بعض التوتر وسيُوفِّر صمامَ ضغطٍ للتخلص من بعض المظالم.


المواجهة العسكرية


ويمكن لذلك أيضاً أن يحل بعض الأزمات التي قد تنشأ في الخليج العربي، حيث يعمل سلاحا البحرية لكلا البلدين.

ففي عام 2016 جرى حلّ أزمة احتجاز إيران لبحارة أميركيين بصورة سلمية، بسبب التواصل الذي كان قائماً بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، ونظيره الإيراني ظريف. ويصعُب تخيُّل تسوية مثل تلك الواقعة في ظل المناخ الحالي المحموم دون اشتباك عسكري. ووجود قنوات الدبلوماسية لحل النزاعات بين دولتين معاديتين يُعد أمراً ضرورياً.

وليس من المُرجَّح أن الولايات المتحدة ستتمكَّن من إثناء إيران عن بعض أنشطتها الأكثر إزعاجاً، مثل دعم حزب الله أو حركة حماس الفلسطينية، لكن هناك أرضيةً وسطاً، حيث يمكن لكلا الجانبين التعايش مع الحقائق الموجودة على أرض الواقع.

فعلى سبيل المثال، لدى الولايات المتحدة وإيران مصالح مشتركة في منع عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق. ولا يريد أيٌّ من الجانبين أن يخرج الغموض السياسي في لبنان -الذي أصبح وشيكاً الآن بسبب استقالة الحريري- عن السيطرة. وتريد كل من طهران وواشنطن تعزيز الحكومة المركزية في أفغانستان. وفي نهاية المطاف، فإن كلا البلدين لهما مصلحة راسخة في انتهاء العنف الطائفي الذي اجتاح المنطقة.


العودة للماضي مستحيلة


ولا يجب على صُنَّاع السياسات في الولايات المتحدة الافتراض بأن بإمكانهم عكس التوجهات التي دامت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. فالغزو الأميركي للعراق أظهر كيف يمكن لضعف التخطيط والافتراضات الخاطئة أن يأتيا بنتائج عكسية.

فآنذاك توقَّعت إدارة بوش، على نحوٍ خاطئ، أن تحرير العراق من صدام حسين سيُطلِق العنان للحركات الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة، وسيُحد من النفوذ الإيراني. وبالمثل، فإن الافتراضات الخاطئة ربما عندما يتعلَّق الأمر بإيران يمكن أن تُمهِّد الطريق لتآكلٍ دائمٍ للسلطة الأميركية في شرقِ أوسطٍ لا يمكن التنبؤ بالتغيُّراتِ فيه على نحوٍ متزايد.