دعوة إلى "ثورة توافقية" تعيدُ إلى ثورات "الربيع العربي" روحها وتحاصر التدخُّل الخارجي

تم النشر: تم التحديث:
GADDAFI DEMONSTRATIONS
| MAHMUD TURKIA via Getty Images

يدعو عالم الاجتماع التونسي، المنصف ونّاس، إلى "ثورة توافقية جديدة" تعيد إلى ثورات "الربيع العربي" روحها، وتحاصر التدخل الخارجي في المنطقة، وتحقق التغيير العميق، الذي تطالب به المجتمعات العربية.

وفي كتابه الصادر مؤخراً بتونس، تحت عنوان "ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى، محنة بلد"، عن الدار المتوسطية للنشر، يعتبر "ونّاس" أنّ تحقيق الاستقرار وإعادة بناء ليبيا وترسيخ الدولة، هي مشاريع مشروطة بتحقيق المصالحة الشاملة بين الفئات والقبائل والجهات في الدولة الجارة لبلاده.

ويضيف أن "ليبيا اليوم هي مجتمع الورش المفتوحة، لأنّها تمرّ بمرحلة التأسيس من العدم.. وأولى هذه الورش هو ضمان الاستقرار ومأسسته، ليس اعتماداً على قوة السلاح والنار، وإنّما اعتماداً على الحوار والتوافق".

التوافق حصن ثقافي

ويمضي في التأسيس لهذه الفكرة بقوله إن "التوافق حصن ثقافي وسياسي ومدني وأخلاقي ضد التطرف، وخاصة ضد العنف السياسي، وتلك هي أبرز فضيلة من فضائل التوافق، الذي لا بديل عنه في أي مجتمع كان، وخاصة في مجتمع يعيش أزمة بنيوية عميقة، منذ حوالي عقود خمسة، مثل المجتمع الليبي".

ويعتبر "ونّاس" أن من علامات عبقرية الشعوب هي "حسن إدارة العيش المشترك وحسن تقاسمه، من خلال عنصري تكريس حق الاختلاف وترسيخ الحوار المفضي إلى التوافق".

ويشدد على أن اللجوء إلى الحل الحواري والتفاوضي المفضي إلى التوافق هو أكثر قابلية للتحقق من أي حلّ آخر، وأقلّ كلفة سياسية ووطأة على المجتمع.

وحسب رأيه، لم يُفض الإكراه الذي مورس في المنطقة العربية، على امتداد عقود من الزمن، إلاّ إلى التوترات وأشكال العنف، مثلما حصل، بدءاً من 2011 (يقصد ثورات الربيع العربي).

وتعاني ليبيا حالياً من اقتتال بين كيانات مسلحة عديدة، وصراع على السلطة بين حكومتين، هما حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً، في العاصمة طرابلس (غرب)، و"الحكومة المؤقتة" في مدينة البيضاء (شرق)، وهي تتبع مجلس نواب طبرق، التابعة له قوات شرقي ليبيا بقيادة خليفة حفتر.

جذور الأزمة الليبية

ويرى عالم الاجتماع التونسي أنّ المجتمع الليبي بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، وخاصة القبلية، يحتاج إلى استكشاف كل السبل المفضية إلى الحوار، و"دون ذلك تضيع فرص المجتمع الليبي في الخروج من الأزمة".

ويعود إلى الجذور التاريخية للأزمة الراهنة في ليبيا، منذ صعود نظام حكم العقيد معمّر القذافي (1969-2011)، إثر انقلاب الفاتح من سبتمبر/أيلول 1969.

ويرى أن عهد القذافي دشّن مرحلة العنف، التي أدّت بعد أربعة عقود إلى الانفجار، فالعنف الثوري والإيديولوجي "ساهم وبشكل رئيسي في مراكمة الأحقاد التي شكلت البيئة الحاضنة لانفجار 2011 (الثورة)، فهي التي أنتجت الانغلاق المولّد للانفجارات الشعبية".

كما أدى التوتر بين السلطة السياسية الجديدة والمجتمع إلى غياب عقد أخلاقي وسياسي مبني على التفاهم والتوافق، "فالعسكريون والأمنيون برعوا في إنتاج الأعداء الوهميّين والاصطناعيين في مجتمع يفتقر حتى إلى المجتمع المدني الولاّد للنخب والمنظمات المناضلة والمعارضة"، وفق "ونّاس".

3 مراحل ليبية

ويرى "ونّاس" أن المجتمع الليبي مر بثلاث مراحل بارزة، أولها هي: مرحلة بدايات توحيد المجتمع وإخضاعه لسلطة مركزية واحدة، مع اكتشاف النفط، وتوجّه الملك إدريس السنوسي (1890 – 1982) إلى إيجاد ديناميكية توحيد سياسي ومجتمعي تستند إلى خلفية دينية.

والمرحلة الثانية هي مرحلة المجتمع المعطل، وهي حصيلة إرادة صريحة برفض أي أشكال الوساطة السياسية والتمثيلية بين الحاكم والمحكوم، ومنع لوجود أية هياكل مدنية تقوم بدور التوسط في هذه العلاقة، مثل الأحزاب السياسية والجمعيات والمنابر الثقافية.

أما المرحلة الثالثة، بحسب "ونّاس"، فهي مرحلة المجتمع المفكك، حيث تولّد بعد أربعة عقود من تعطل المجتمع مجتمع آخر يتسم بظهور شروخ وتفككات عميقة متأتية، لكون المجتمع غير محصّن من الداخل بما فيه الكفاية.

ويعتبر أن التفكك في المجتمع الليبي بدأ منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، واستمرّ في التعمّق في الثمانينات، إلى أن جاءت فرصة 2011، ليجد أن المناسبة سانحة للتعبير بقوّة عن وجودهما.

حكم العسكر

ويحمّل عالم الاجتماع التونسي النخبة العسكرية التي قادت ليبيا، خلال أربعة عقود، مسؤولية تعطيل تطوّر المجتمع.

ويرى أنه "كان بإمكان العسكر أن يكونوا فاعلاً تحديثياً مهمّاً وقاطرة تطوير مجتمعي واقتصادي وتنموي أساسيّ.. فالعسكر في ليبيا لم يهدروا فقط فرصة الريع البترولي الهائل، الذي قدّر بأكثر من ألف ترليون دولار بين 1969 و2002، ولكنّهم أضاعوا ما هو أهمّ من كل ذلك، وهو قيادة عملية التحديث المجتمعي العميق".

ويخلص "وناس" إلى جملة من العِبر من الحالة الليبية الراهنة، يمكن تعميمها على بقية المجتمعات العربية.

ومن خلاصات التجربة الليبية هو أنه على الشعوب أن تأخذ مصيرها بيدها، وأن تتحمّل كلفة أي تغيير سياسي واجتماعي، لا أن تنتظر الخلاص من منقذ خارجي.

ويضيف قاعدة ثانية، وهي أنه حتى وإن كانت الانتفاضات عنيفة ومسلحة فمن المفيد الإبقاء على الباب مفتوحاً أمام الحلّ السياسي السلميّ.

وينبّه إلى درس آخر مستخلص من ليبيا، وهو أن تغيير النظم الاستبدادية مهمّ في حدّ ذاته، "ولكن الأهمّ من كل ذلك هو إيجاد البدائل التي تضمن الاستقرار".

وانطلاقاً من الدرس الليبي، ينتهي "وناس" في كتابه إلى مراجعة مسار ثورات الربيع العربي، فيؤكّد أنّه "ربّما كان ضرورياً إيجاد ثورة توافقية جديدة، تنبني على تفاهم واسع بين الأحزاب والجامعات والنخب السياسية، وتعيد للانتفاضات روحها، وتحاصر التدخل الخارجي، وتوجد التغيير العميق الذي طالبت به المجتمعات العربية".

تجاهل حكومي

وفي مقدمة كتابه يشكو عالم الاجتماع التونسي من تجاهل الحكومة التونسية لإحاطته العلمية والميدانية بالوضع الليبي.

ويقول: "رغم خبرتي الميدانية بالشأن الليبي لم تسألني الدولة التونسية في يوم من الأيام معلومة أو مشورة أو نصيحة، الأمر الذي يؤكد الهوة السحيقة بين الباحث وصانع القرار".

و"ونّاس" هو أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، ويدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية والاقتصادية (حكومي).

ويعد "ونّاس" من أبرز الباحثين المختصين في الشأن الليبي، وقضى سنوات، خلال تسعينيات القرن الماضي في ليبيا يدرس المجتمع ميدانياً، وله دراسات وكتب منشورة عن ليبيا.