نهاية التحالفات القديمة.. الاعتقالات التي طالت أسرة بن لادن تحطم فكرة "الوفاق الملكي" في السعودية

تم النشر: تم التحديث:
GH
غ

من بين أولئك الذين أُلقِيَ القبض عليهم في اعتقالات غير مسبوقة هذا الأسبوع من كبار الأمراء، ورجال الأعمال الأثرياء، وكبار المسؤولين، كان سليل واحدة من الأسر الأكثر تميزاً في المملكة السعودية: بكر بن لادن، رئيس شركة المقاولات العملاقة، والأخ غير الشقيق لأسامة بن لادن.

كانت نهايةً مذهلةً للتحالف الذي استمرَّ لعقود من الزمن بين بن لادن وأسرة آل سعود الحاكمة، التي أمَّنت لمجموعة بن لادن السعودية الاحتكار شبه الكامل لمشاريع التوسّع الضخم في اثنين من أقدس المواقع الإسلامية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، خلال فترات حكم الملوك السعوديين المُتعاقبين.

تقول الحكومة إنَّ 208 أشخاص قد وُضِعوا قيد الاحتجاز في عملية التطهير، التي تأتي في ظلِّ تحقيقٍ لمكافحة الفساد، كشف عمَّا لا يقل عن 100 مليار دولار من عمليات الكسب غير المشروع والاختلاس.


نهاية التحالفات


وقد وصف نُقَّاد وخبراء سعوديون الاعتقالات بالحركة الجريئة والمحفوفة بالمخاطر، من قِبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتهدف إلى تعزيز السلطة، بينما يهيمن على منافسيه المُحتَمَلين، ويُسكِت النقاد، ويُفكِّك التحالفات التي بُنيت مع فروعٍ أخرى من العائلة المالكة.

ولا تشير اعتقالات بن لادن والجهات الأخرى فقط إلى نهاية التحالفات القديمة، بل تتحدَّث أيضاً عن المطالب الكبرى التي تُطرَح على مجتمع الأعمال لدفع الرؤية الاقتصادية لولي العهد في عهد انخفاض أسعار النفط، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس الأميركية.

يقول أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة أوراسيا: "هذه بداية صعود القومية الاقتصادية".

ويُعد مشروع "نيوم" من أبرز هذه الخطط، وهو مشروع بقيمة 500 مليار دولار، والذي يَعِد بأن يكون أكثر مدن العالم مستقبليةً وتقنيةً، والذي كشف عنه ولي العهد في مؤتمرٍ استثماري عالمي عُقِدَ في السعودية الشهر الماضي.

لكن بدلاً من تلقي تعهدات كبيرة للمشروع من قِبل قادة الأعمال السعوديين، يقول كامل إنَّ الأمير سلمان حصل على صمتٍ تام.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت أسرة بن لادن هي الشركة التي شرعت في التعاقد مع بعض مشاريع العائلة المالكة الأكثر حساسية، بما في ذلك بناء القصور الخاصة في سنوات النعمة التي أتت مباشرةً بعد اكتشاف النفط في السعودية.

وكلما أنفقت الأسرة المالكة بإغداقٍ على رحلات إلى الخارج وعلى القصور الجديدة في الداخل، أصبحت أسرة بن لادن دائنين لهم، وكذلك المقاولون الخاصون بهم.

وكانت مجموعة بن لادن التي كانت تحظى بالثقة، وتقدم خدمةً لها حفاظاً على السرية، تبني مشاريع الدفاع السرية في المملكة، فضلاً عن ناطحات السحاب، والجامعات، ومستشفى عسكري، ومطار، ومنطقة مالية، وأكثر من ذلك بكثير.

وكشركةٍ خاصة تُدار من قِبل أفراد عائلة بن لادن الكبيرة، لم تكن الشركة غريبةً على الاضطرابات السياسية والتغيرات في المملكة. بل في الواقع، كان جزء من نجاحها هو قدرتها على التكيُّف مع نزوات الملوك والأمراء.

ويقول ستيف كول، مؤلف كتاب "The Bin Ladens: An Arabian Family in the American Century": "كانت عائلة بن لادن قادرة على البقاء كعنصرٍ أساسي بالنسبة للأسرة المالكة، رغم الأحداث الدرامية جداً التي حدثت داخل العائلة المالكة".

ولم تكن مجموعة بن لادن أيضاً بعيدة عن الجدل. فقد نجت من ضربةٍ مُوجَّهةً لاسم العائلة وسمعتها، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، في نيويورك، التي نظمها أسامة بن لادن، ابن مؤسس العائلة محمد بن لادن.

وفي عام 1931، أنشأ بن لادن الأكبر، وهو مهاجرٌ يمني فقير سافر شمالاً في عشرينيات القرن الماضي إلى ميناء جدة في البحر الأحمر، شركةً تحمل اسمه. وتزوَّج من أكثر من 20 امرأة، وأنجب أكثر من 50 طفلاً، بمن فيهم زعيم تنظيم القاعدة المستقبلي.

ويقول كول إنَّه بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، استأجرت أسرة بن لادن محامين ومُختصين في العلاقات العامة في الولايات المتحدة، لمحاولة نقل ازدرائهم لأسامة بن لادن، واستعدادهم للتعاون مع واشنطن.

وفي التسعينيات، تحت ضغط من الحكومة السعودية، أشرف بكر بن لادن على إجراءات تجريد شقيقه من جميع أسهمه في شركة العائلة وثروتها، وهي الخطوة التي جاءت عندما جردت المملكة زعيم تنظيم القاعدة من جنسيته.

وقال كول إنَّ "بكر حقق ما خطَّطَ من أجله، وهو أن يُحافِظ على سلامة الشركة، وأن يُبقيها مشروعةً في الاقتصاد الدولي، ومن ثم ركَّزَ بشكلٍ أساسي على البناء في المنطقة، وفي السعودية بشكلٍ خاص".

وكانت مجموعة بن لادن تُشكِّل أمراً حاسماً بالنسبة للحكام السعوديين في عام 1979، عندما فرض المسلحون حصاراً على أقدس موقع في مكة المكرمة لمدة 15 يوماً. ويذكر كول أنَّ الشركة التي كانت تعمل على مشاريع التوسع هناك ساعدت في طرد المُتمرِّدين من الأنفاق، لأنَّ الخرائط والمُخطَّطات كانت بحوزتهم.

لكن في حين كان تحالف آل سعود وبن لادن ركيزة لكيفية احتفاظ العائلة المالكة بالسلطة على مرِّ السنين، تغيَّرت احتياجات المملكة، كما قال كامل.

وأضاف: "لقد ساعدوا عائلة آل سعود في وقت حاجتهم، لكن فائدة تلك العلاقة قد استنفدت. ولم يعد هناك لعائلة آل سعود أي جاذبية ليحافظوا عليها، كما أنَّهم لا يمكنهم تحمّل تكلفتها".


الضربة الكبرى لشركات بن لادن


وفي عام 2015، عانت مجموعة بن لادن من ضربة كبيرة، وهي انهيار أسعار النفط وانهيار إحدى رافعاتها.

وأسفرت كارثة الرافعة عن مقتل 111 حاجاً على الأرضيات الرخامية النظيفة للمسجد الحرام، الذي يضم الكعبة. وأصبحت الشركة قيد التحقيق، كما جرى فرض حظر سفر على بكر بن لادن، ولا تزال الشركة مُتورِّطة في التقاضي حتى يومنا هذا.

وأدى انهيار أسعار النفط إلى تأخُّر المدفوعات الحكومية للمقاولين، وبحلول عام 2016، اضطرت مجموعة بن لادن إلى خفض عشرات الآلاف من فرص العمل. واشتكى العمال الساخطون من أنَّهم لم يتقاضوا أجوراً لأشهر، بينما خرج المئات إلى شوارع مكة في احتجاجات نادرة، وأضرموا النار في حافلات الشركة.

وفي ذلك الوقت، كانت الشركة في خضم أكبر توسُّع في تاريخ المسجد الحرام، وهو المشروع الذي بدأه الراحل الملك عبدالله، الذي شمل بناء واحد من أطول الأبراج في العالم، على رأسه ساعة مُضاءة بالنيون.

وشاركت الشركة أيضاً في مشاريع بناء مثيرة للجدل، كان قد أمر بها الملك، التي قال المؤرخون إنَّها محت آثاراً رئيسية من تاريخ مكة، يعود تاريخها إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

ويؤكد كول أنَّه في أوقات كثيرة كان يُنظر إلى أسرة بن لادن كجزء من الحرس القديم، جزء من الاقتصاد الذي يقوم على العلاقات الشخصية، وليست تلك التي لا تتسم بالشفافية.

وكجزءٍ من ذلك النظام، بدا أن حالة مجموعة بن لادن المالية جيدة قبل انهيار أسعار النفط، على الرغم من أنَّها لم تكشف عن أرقامها. ومن المعروف أنَّ بكر بن لادن لديه طائرات خاصة، وعقارات في جميع أنحاء العالم.

ومن المحتمل أنَّ يكون تحوّل ولي العهد لإلغاء التحالفات القديمة وقواعد السلطة قد كلَّف أسرة بن لادن الكثير. وقال كول: "يُمكن أن تراهم بسهولة عالقين في قصة عن الفساد والامتيازات".