قرية أندلسية تُمارس نشاطاً سرياً متوارثاً منذ زمن طويل.. وأهلها يخططون لغزو باريس وروما!

تم النشر: تم التحديث:
UBRIQUE
IHervas via Getty Images

بقرية أندلسية نائية، يجري في سرية تامة نشاط متوارث منذ زمن بعيد، نشاط يحاول عرّابوه إخفاءه عن الأعين رغم أن نتائجه منتشرة في كل العالم.

"أوبريق".. هي قرية جميلة تقع بإقليم أندلوسيا في جنوب إسبانيا، ولكنها بعيدة، وليس بها مطار أو محطة قطارات، كما أن حركة النقل البري غير منتظمة بها.

تقع هذه القرية في منتصف وادٍ محاطة بالجبال العالية؛ ولهذا فإن الطريقة الأسهل للوصول إليها هي عن من خلال السيارة، ولكن حتى الطريق نفسه ليس سهلاً؛ إذ يمتلئ بالمنحدرات والتعرجات.



المدينة الأقرب للقرية هي إشبيلية الأندلسية التي تقع على بُعد 75 كيلو متراً.

ورغم أن هذه القرية بعيدة عن العواصم الكبرى للموضة مثل باريس، نيويورك، ميلان ولندن، فإن هذه القرية صلتها وثيقة بهذه المدن الكبرى، حسب تقرير لموقع BBC Mundo الإسباني.

فأوبريق هي مورّد هام للمنتجات الجلدية اليدوية لأشهر العلامات التجارية للمنتجات الجلدية في العالم.


ويمثل هذا النشاط مورداً مالياً هاماً للقرية التي تقع بالإقليم، الذي كان يتركز الوجود العربي في إسبانيا به قديماً.

وهذه القرية أيضَا هي جزء من طريق القرى البيضاء في الأندلس، وهو طريق سياحي شهير يمر بعدة قرى تتميز بيوتها كلها باللون الأبيض.


السرية



@elpotrobolsos #artesania #ubrique #moda #madeinspain

A post shared by El Potro (@elpotrobolsos) on


من المعروف أن علامات تجارية مثل: Louis Vuitton, Gucci, Hermes, Chanel, Chloe, Loewe وCarolina Herrera، تستعين بالحرفيين المحليين لصناعة حقائب اليد والمحافظ والأحزمة.

وتقريباً، كل هذه الأسماء ليست على استعداد للاعتراف بهذا الأمر.

وترجع هذه السرية إلى الخوف من أن يتم استغلال الأمر وتقليد المنتجات، ما قد يسبب خسائر كبيرة لهذه الشركات.

خوان أنطونيو سانشيز، مدير المنتجات الجلدية المصنّعة Ranchel، يقول إن هذه الشركات الكبيرة غالباً ما تكون لها متطلبات صارمة جداً.

ويتابع: "علينا أن نوقّع التعاقدات في سرية تامة، سواء المصنع أو المدير أو العاملين أنفسهم".

ويضيف: "كلٌّ لديه عقد فردي، ولا يمكن التقاط الصور أو رسم التصاميم أو أي شيء يتعلق بالمنتجات".

ورث سانشيز أعماله عن أبيه، وأمضى أكثر من 4 عقود في هذه الصناعة.

لكن علاقة أوبريق بالصناعات الجلدية أقدم من ذلك بكثير؛ إذ بدأت هذه الصناعة منذ أكثر من 200 سنة، وفي البداية اقتصرت على دباغة الجلود.


المُصنّع الأكبر في إسبانيا



Pieles & Moda Juan Maza Curtidos Requena 2018/19 #pieles #moda #bolsos #modelos #cinturones #tapiceria #coleccion #ubrique #piel

A post shared by JuanManuel MazaPajuelo (@ubriquejuanmazapielesytejidos) on


مع مرور الوقت، تطورت الصناعة حتى وصلت إلى الصناعات الجلدية المختلفة من حقائب وأحذية أكسبت البلدة شهرتها اليوم.

في الوقت الحالي، تُحضر الجلود المدبوغة مسبقاً من بلدات أخرى، بينما يعمل سكان القرية في مهام أكثر تخصصاً.

يعمل أكثر من نصف السكان في تجارة الجلود، وإنتاج غالبية هذه السلع الفاخرة التي تباع في إسبانيا بالإضافة إلى عملهم كمورّدين لماركات الأزياء الأجنبية.

يقوم كل جيل بنقل أسرار هذه الصناعة الدقيقة عالية الاحترافية إلى الجيل الذي يليه.

يقول سانشيز إن معظم جيرانه اكتسبوا الخبرة والمهارة منذ طفولتهم في أثناء مراقبة آبائهم خلال عملهم، "هذه التقنيات يمكن أن تنتقل فقط من الآباء إلى الأبناء؛ لأنها شديدة التخصص، فأصبحت كما لو كانت تجري في دمائهم".

هذه المهارات والحرفية المذهلة هي التي جذبت العلامات التجارية الكبرى التي اكتشفت مهارات سكان أوبريق، ويرجع الفضل في كثير من الحالات إلى الأحاديث الجانبية وتناقل الأخبار من شخص إلى آخر.

يقول خوسيه أوروتيا، مؤسس العلامة التجارية للأحذية الراقية والإكسسوارات La Portegna، إن أحد معارفه هو من أخبره عن كنز المواهب المخبأة في أوبريق.

يقول أوروتيا: "طلبت رؤية بعض العينات وذُهلت من جودة ما ينتجه السكان".

بالنسبة له، يرى أوروتيا أن تاريخ القرية والطريقة التي يسوق بها السكان منتجاتهم هما إرث من أسلافهم، وهذا يمثل أحد عوامل الجذب لأصحاب العلامات التجارية؛ إذ يساعد في إضفاء طابع تاريخي على منتجاتهم.

يقول أوروتيا إن فكرة إنشاء الشركة تعود إلى والدته، التي كانت من هواة السفر وصديقة الكاتب الأميركي إرنست همنغواي في رحلاته الغريبة حول العالم.

في أثناء البحث بين صوره، شعر الرجل بالحنين إلى الماضي حينما كان للأشياء طابعها الخاص وتتم العناية بها مثل الكنوز.


صناعة قد تختفي




لهذا السبب، يريد أوروتيا إعادة الماضي عبر جودة منتجاته؛ إذ يقول: "في أوبريق، يستطيع الناس تقديم أفضل أنواع المساعدة؛ لأن لهم خبرة عظيمة تشكلت من عملهم في هذه الصناعة منذ قرون".

بالنسبة إليه، هذه الحرفة البطيئة التي لا تقدر بثمن تختفي تدريجاً؛ لذا من الصعب العثور عليها في أماكن أخرى.

يقول أوروتيا في إعجاب: "إن مفهوم الحِرف اليدوية نفسه يختفي من العالم تدريجياً؛ لذلك فإن جمال هذا المكان ليس أنه شارع أو اثنين من المنازل التي تحترف هذه الصناعة؛ بل هي القرية بأكملها".

وفي حين اعترف بأنه يمكن أن يخفض التكاليف ويزيد حجم الإنتاج بمكان آخر، فإنه يصر على أنه ليس هذا ما يهمه، "بالنسبة لي كرجل أعمال، يهمني بالطبع أن أوفر الوقت والتكاليف، ولكن هنا يجب أن يختلف الأمر؛ إذ إن صناعة حقيبة ممتازة تحتاج إلى الوقت الكافي بالتأكيد، ليس هناك مجال للغش".

بدأت بعض المصانع المحلية بالفعل باستخدام خطوط التجميع لتسريع العملية، ولكن العديد من الشركات الأخرى رفضت أن تفعل هذا الشيء.


"صُنع في أوبريق"




يقول خورخي أوليفا بيريز، مدير العلامة التجارية الجلدية المحلية El Potro، إنه باستثناء القص والتصميم، كل حقيبة مصنوعة بنسبة 100٪ من قِبل عامل واحد.

يقول أوليفا: "من المهم جداً التمسك بهذه المهارات".

مثل العديد من أولئك الذين يعملون هنا، قال إنه يرغب في الاعتراف بهذه المهارات بتمييزها بجملة "صُنع في أوبريق".

يقول أوليفا: "أعتقد أن هذا مهم للغاية بالنسبة لمستقبلنا ومستقبل صناعتنا".

ويمكن أن يكون ذلك مفيداً أيضاً في مواجهة التهديد الذي يشكله المنافسون الأقل تكلفة الذين قدموا إلى بلادهم، على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يواجهون فيها شيئاً من هذا القبيل.


هزموا الصينيين




قبل عقد من الزمن، وخلال ذروة الأزمة المالية، عانى المنتجون المحليون انخفاضاً حاداً في الطلب، وقررت العديد من العلامات التجارية الكبرى تبديل مقدمي الخدمات لخفض التكاليف، فاختار معظمهم الصين أو البلدان الآسيوية الأخرى.

واصلت العلامات التجارية الأرخص العمل مع الحرفيين في أوبريق، ولكن حجم العمل انخفض كثيراً؛ لأن الكثير من الناس فقدوا وظائفهم وكان عليهم أن يبحثوا عن مصادر الرزق في صناعات أخرى.

يقول مدير الثقافة في أوبريق، خوسيه مانويل فرنانديز ريفيرا: "على الرغم من ذلك، فإن العديد من العمال والحرفيين واصلوا العمل؛ لأنهم يعرفون أن تفوّق جودة منتجاتهم سوف يجعل العملاء يعودون".

كانوا على حق؛ فبعد عام واحد عادت العلامات التجارية من جديد.

يقول فرنانديز: "تعلم الصينيون بسرعة كبيرة، لكننا نعلم أنهم لا يستطيعون الوصول إلى الجودة والتفاصيل التي نقدمها، وهذا ما تطلبه العلامات التجارية الكبيرة".

والسبب الآخر الذي جعل العلامات التجارية تعود إلى أوروبا، هو أن حقيبة كُتب عليها "صنع في آسيا" يصعب بيعها لزبائنها الرئيسيين: الأشخاص الذين يعيشون في هونغ كونغ والصين وسنغافورة.

عندما تكون على استعداد لدفع مئات وحتى آلاف الدولارات لشراء حقيبة من العلامات التجارية الفرنسية أو الإيطالية، فإن آخر ما تتوقعه هو أنها قد صُنعت في بلدك.

كما أن العملاء الذين يدفعون مبالغ باهظة يبحثون عن الطابع اليدوي، يقول سانشيز: "في هذه الحرفة، يجب أن تعمل بيديك، كل منتج يختلف عن الآخر؛ لأن اللمسة الحرفية تختلف من شخص لآخر".