هل تسعى الرياض للحرب؟.. نيويورك تايمز: السعودية تصعّد تجاه لبنان وتجر الشرق الأوسط إلى مزيد من التوتر

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

طالبت السعودية مواطنيها بمغادرة لبنان أمس الخميس، 9 نوفمبر/تشرين الثاني، مُصعِّدةً أزمة مُربِكةً بين البلدين العربيين، ومُثيرةً المخاوف من أنها قد تؤدي إلى أزمةٍ اقتصادية أو حتى إلى نشوب حرب.

جاء الطلب بعد زيادة السعودية حدة إداناتها لحزب الله، الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران والتي تُعَد القوة العسكرية الأقوى في لبنان، وأكَّدت أنَّ لبنان عملياً قد أعلن الحرب على السعودية، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وفي حين قال المحللون إنَّ نشوب حربٍ يُعَد أمراً مستبعداً –لأنَّ السعودية ليست قادرةً على شن حرب وإسرائيل لا ترغب فيها الآن– فإنَّهم يشعرون بالقلق من أنَّ أي إجراءاتٍ سعودية تزيد حدة التوتُّرات فهي تزيد بالتالي من خطر اندلاع نزاعٍ عَرَضي، في ظل وجود العديد من الصراعات الجارية في المنطقة.

لم يتأخر رد حزب الله كثيراً على الخطوات السعودية الأخيرة، فقد أُعلن، الجمعة 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، عن اختطاف مواطن سعودي. وقال موقع سبق السعودي: "إن سفارة المملكة في لبنان تجري اتصالات مكثفة مع الجهات الأمنية اللبنانية للإفراج عن مواطن سعودي، اختطفه عناصر من ميليشيا حزب الله".

وتتمثَّل خلفية الأزمة في سلسلةٍ من الخطوات التي اتخذتها السعودية في الأيام الأخيرة لمواجهة منافستها الإقليمية الصاعدة إيران، والاعتقالات المفاجِئة لأكثر من 200 سعودي، بينهم 11 أميراً، في ما تصفه الحكومة بأنَّه حملةٌ على الفساد، في حين يراه النقاد ترسيخاً لسلطة وليّ العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان.

وكان لبنان قد تورَّط في الأزمة بطريقتين: فبعد إطلاق صاروخٍ من اليمن على العاصمة السعودية الرياض السبت الماضي، 4 نوفمبر/تشرين الثاني، اتَّهم المسؤولون السعوديون حزب الله وإيران بالمساعدة في الهجوم. وأعلنوا أنَّ الهجوم يرقى إلى إعلان حربٍ من طرف لبنان، وهو الأمر الذي يُمثِّل قفزةً مفاجئة كون الدولة اللبنانية لا تسيطر على حزب الله.

trump putin

وفي الوقت نفسه، سافر رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بصورةٍ مفاجئة إلى الرياض، وأعلن استقالته هناك في اليوم ذاته. وكانت الشكوك تتنامى في أوساط المسؤولين والدبلوماسيين في بيروت الخميس بأنَّه لم يجرِ فقط الضغط عليه من جانب السعودية لفعل ذلك، بل وأنَّه مُحتجَزٌ هناك كذلك على غير رغبته، وفق ما أكده سفير فرنسا لدى الرياض من أنه لا يملك كامل حريته.

وبالرغم من بواعث القلق، قال المحللون والمسؤولون والدبلوماسيون إنَّ شنّ السعودية لعملٍ عسكري ضد لبنان هو أمرٌ بعيد المنال، رغم عدم اطلاعهم على تفكير ولي العهد السعودي، وذلك لأنَّ السعودية بالفعل تمددت فوق طاقتها وأُرهِقَت في حربٍ بدأتها قبل عامين ضد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن.

وقد عبَّرت السعودية عن استيائها من لبنان بهذه الطريقة من قبل؛ إذ تعد تلك هي المرة الرابعة على الأقل خلال 5 سنوات التي تطلب فيها الرياض من مواطنيها مغادرة لبنان.

لكن حتى قبل الأزمة الحالية، كانت المخاوف تزداد في لبنان من أنَّ إسرائيل – التي تشارك السعودية هدفها المتمثِّل في دحر النفوذ الإيراني – ستشعل حرباً أخرى ضد حزب الله لكبح القوة والنفوذ والأسلحة المتزايدة التي راكمها الحزب اللبناني أثناء لعبه دوراً حاسِماً في الحرب الدائرة بسوريا المجاورة.

واتخذ عددٌ من المسؤولين الإسرائيليين استقالة الحريري – التي عزاها إلى التدخُّل الإيراني – باعتبارها دليلاً على أنَّ حزب الله وإيران والحكومة اللبنانية جميعهم واحدٌ ويُمثِّلون الشيء ذاته. وزاد ذلك القلق حتى على الرغم من إصرار كلٍ من حزب الله وإسرائيل على أنَّهما وإن كانا مستعدين للحرب فإنَّهما لا يرغبان بها الآن.

وكان رد الفعل في واشنطن، أمس الخميس، على قرار السعودية الطلب من مواطنيها مغادرة لبنان حذراً أيضاً.

وحذر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، الجمعة، الدول والجماعات المختلفة من استخدام لبنان أداة لشنّ حرب أخرى أكبر بالوكالة في الشرق الأوسط قائلاً إن الولايات المتحدة تؤيد بقوة استقلال لبنان.


هل تندلع الحرب؟


لكن السؤال المطروح هو ما إذا كانت التوتُّرات المتزايدة ستثير حرباً على أي حالٍ أم لا؟

وقال مسؤولون إسرائيليون إنَّهم بينما يحتفون بموقف الأمير محمد بن سلمان المتشدِّد حيال إيران، فإنَّهم ليسوا واثقين مما إذا كان ولي العهد خبيراً أو حذقاً بما فيه الكفاية لتجنُّب صراعٍ إقليمي أوسع، وهو الصراع الذي قد يجري استدراج إسرائيل إليه.

وقال نفتالي بينيت، وزير التعليم الإسرائيلي أحد أعضاء الحكومة الأمنية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "لدى إسرائيل هدفان: إيقاف مسار إيران تجاه فرض هيمنتها والسيطرة في المنطقة، وإقامة تحالف من اللاعبين العاقلين في المنطقة يتضمَّن إسرائيل. وسيمثِّل اصطفافٌ كهذا تطوُّراً إيجابياً بالتأكيد. وفي الوقت نفسه، علينا أن نكون حذرين للغاية لمنع التصعيد غير الضروري في المنطقة".

وقال دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، بصورةٍ أكثر وضوحاً إنَّ اتفاق إسرائيل مع السعودية حول هوية عدوهما أمرٌ في صالح إسرائيل، "لكنَّ ترك مهمة تحديد وتيرة التعامل لقائدٍ شاب متهور، في الوقت الذي لن يضطر فيه لخوض المعركة وحده، هو شأنٌ آخر".

ولإضافة مزيدٍ من الارتباك، لا أحد يدَّعي أنَّه يفهم منطق أو أهداف السعودية في لبنان. وبدا أنَّ استقالة الحريري التي تهدف على ما يبدو لعزل حزب الله على الأرجح لن تؤدي إلى شيءٍ سوى تقوية الحزب وحلفائه. فقد أهانت الحريري، وهو الحليف الرئيسي للمملكة في البلاد، وخلقت أزمةً سياسية يُحتمَل أن تُزعزِع الاستقرار في لبنان، ومنحت زعيم الحزب حسن نصر الله فرصةً للظهور بمظهر رجل الدولة الحصيف، داعياً للهدوء ومُعلِناً أنَّ عودة الحريري مُرحَّبٌ بها في أي وقت.

trump putin


تفسير آخر للتوتر الجديد


ويشير بعض المحلِّلين إلى أنَّ التصعيد السعودي في لبنان كان مرتبطاً بصرف الأنظار عمَّا يبدو أنَّه حملة تطهيرٍ سياسي داخل المملكة، ومحاولاتٍ فاشلة إلى حدٍ كبير لمواجهة إيران في سوريا واليمن بالخارج، أكثر من ارتباطه بتقليص قوة حزب الله. وغذَّت التطوُّرات التكهُّنات بأنَّ الأمير بن سلمان ربما يُجهِّز نفسه لإعلان توليه العرش.

فقال مايكل يانغ المُحلِّل بالشأن اللبناني: "ربما شَعَر بأنَّ بإمكانه إحراز نقاطٍ أسهل في لبنان ويقول للداخل: انظروا، إنَّني حازمٌ ضد حزب الله. بالنسبة لي كل هذا يشير إلى أنَّ وصول الملك محمد بن سلمان سيكون عاجلاً غير آجل".

وبدلاً من الحرب، يقول المحلِّلون إنَّ خطوات السعودية المقبلة ضد لبنان ربما تكون اقتصادية، مثل المقاطعة والحصار الذي تفرضه السعودية وحلفاؤها الخليجيون ضد قطر.

فكتب المُدوِّن إلياس مهنا إنَّ السعودية وحلفاءها قد يطردون المواطنين اللبنانيين، ويقطعون العلاقات الدبلوماسية، ويطالبون بإخراج حزب الله من الحكومة أو إجباره على نزع سلاحه.

ومن المُرجَّح ألا تُلحِق تلك الإجراءات بالحزب سوى أضرارٍ بسيطة؛ لأنَّه وبخلاف الأحزاب الأخرى واللبنانيين العاديين يمكنه الاعتماد على الدعم المالي الواسع من إيران.

لكن لم يكن أيٌ من هذا مطمئناً لشعب لبنان، البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 6.2 مليون نسمة وسحقته صراعات القوى الدولية والإقليمية، والتي كان آخرها الصراع بين السعودية وإيران، الذي يستغل الانقسامات الداخلية بين الطوائف اللبنانية. ونجت البلاد من حربٍ مدمرة في عام 2006 عندما واجه حزب الله إسرائيل وأجبرها على الانسحاب.

وأُصيبت لبنان بالحيرة طوال الأسبوع في محاولةٍ للإجابة عن سؤال: لماذا لم يعد الحريري إلى البلاد أو يتحدث إلى الصحفيين، أو حتى إلى العديد من حلفائه السياسيين ومستشاريه. وتابع اللبنانيون الشبكات الاجتماعية في مساء يوم الأربعاء الماضي، 8 نوفمبر/تشرين الثاني، لتعقب أثر رحلةٍ جوية انطلقت من الرياض وكان يُعتقد أن الحريري على متنها. لكنَّه لم يكن.

وأحجم حزبه السياسي تيار المستقبل عن إظهار تأييده علناً لتصريحات حزب الله وحليفه الرئيس ميشال عون، والتي أفادت بأنَّ الحريري كان رهينةً. لكنَّ الحزب أصدر بياناً يُلمِّح ضمنياً إلى أنَّ الحريري لا يتصرف بمطلق حريته، مشيراً إليه بأنه لا يزال يشغل منصب رئيس الوزراء.

وقال بيان الحزب إنَّ عودته "ضرورية لاستعادة كرامة واحترام لبنان"، مؤكداً دعمه لقيادته وتعهده بـ"المضي ورائه لدعم أي قرارٍ يتخذه".

وقابل الحريري الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والسعودية سفراء بريطانيا والاتحاد الأوروبي والقائم بأعمال السفارة الأميركية في مقر إقامته بالرياض يومي الأربعاء والخميس الماضيين.

وقال دبلوماسيون غربيون آخرون تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم إنَّ هؤلاء المبعوثين أيضاً خرجوا من لقاء الحريري ولديهم انطباعٌ بأنَّه لا يستطيع التحدث بحرية.

ونشرت السفيرة الأميركية لدى لبنان إليزابيث ريتشاردز صوراً للقائها مع مسؤولين بالجيش اللبناني، وأكدت على توفير الدعم الدولي للحكومة اللبنانية.

لكنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر تغريداتٍ على موقع تويتر خلال الأيام الأخيرة تحمل رسائل دعم غير محددة لحكام السعودية، إذ قال إنَّهم "يعرفون تماماً ما يفعلونه".

حاول لبنان التعامل مع هذا التوتر كعادته عبر المزج ما بين حالة الهياج العصبي واللجوء إلى حس السخرية لمواجهة هذه الأحداث المُنهِكة. فقد ثار الجدل بين الناس حول اللجوء إلى تخزين الأطعمة المعلبة تحسباً لحربٍ مقبلة، لكنَّهم أيضاً أكثروا من استخدام الكوميديا السوداء.

وقال كريم طرابلسي المحرر في الموقع الإخباري "العربي الجديد" في منشورٍ كتبه على موقع فيسبوك: "ينبغي أن تدفع السعودية ثمن علاجنا النفسي".