أثرياءالمملكة ينقلون أموالهم إلى الخارج.. وكالة أميركية تكشف تحركات سريعة لمليارديرات سعوديين يخشون مصادرة ثرواتهم

تم النشر: تم التحديث:
S
s

كشفت وكالة بلومبيرغ الأميركية، أن عدداً من أبرز الأثرياء السعوديين حرصوا على نقل أصولهم وممتلكاتهم إلى خارج المملكة، لتجنُّب خطر إلقاء القبض عليهم، في إطار ما أطلقت عليه السلطات السعودية "حملة ضد الفساد"، وذلك وفقاً لستة أشخاص مُطَّلِعين على المسألة.

ونقل تقرير للوكالة عن هؤلاء الأشخاص المُطّلِعين على الأمر، والذين رفضوا الكشف عن هُوياتهم نظراً لحساسية الأمر، قولهم إنَّ بعض المليارديرات والمليونيرات السعوديين يسعون لبيع استثماراتهم في دول مجلس التعاون الخليجي المجاوِرة، وتحويلها إلى أموال نقدية، أو تسييل ممتلكاتهم في الخارج، وإنَّ بعضهم دخل في محادثاتٍ مع البنوك وشركات إدارة الأصول لنقل أموالهم إلى خارج البلاد.

واستناداً إلى تحقيقاتٍ جرت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، تُقدِّر السلطات أنَّ 100 مليار دولار على الأقل قد بُدِّدت "في عمليات فسادٍ ممنهج واختلاسات على مدى عقود"، وذلك وفقاً لما ذكره النائب العام الشيخ سعود المعجب في بيانٍ، اليوم الخميس، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وأضاف أنَّه تم استدعاء 208 أشخاص في المجمل لاستجوابهم حتى الآن، وأنَّ 7 منهم قد أُطلِق سراحهم دون توجيه اتهامات.


المستثمرون الأجانب يعيدون النظر


وحتى وقوع الاعتقالات المُفاجِئة لعشرات الأمراء ورجال الأعمال البارزين في السعودية في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، كانت النخبة السعودية هدفاً لبنوك عالمية مثل دويتشه بنك، وبنك كريدي سويس، وبنوك عالمية أخرى تسعى لإدارة ثرواتهم. والآن تجد تلك النخبة نفسها مطاردة في حملةٍ استهدفت بعض أبرز الأمراء والمليارديرات والمسؤولين السعوديين.

وقال فيليب دوبا-بانتاناسشي، وهو اقتصادي وخبير استراتيجي جيوسياسي في شركة ستاندرد شارترد للخدمات المالية والمصرفية، مقيم في لندن: "لا شك في أنَّ الكثير من المستثمرين في الخارج يعيدون تقييم نظرتهم للخليج كمكانٍ مستقر يمكن التنبؤ بأحداثه للقيام بالأعمال فيه. هناك نظرة متنامية بأنَّ الحوكمة تصبح تعسُّفية على نحوٍ متزايد، أو على الأقل تصبح أقل ارتكازاً على القواعد".


الإمارات تُجمِّد


وقال الأشخاص المُطَّلِعون على المسألة، إنَّ المصرف المركزي السعودي، المعروف باسم مؤسسة النقد العربي السعودي، طلب من المُقرِضين في المملكة تجميد حسابات عشرات الأفراد ممن ليسوا رهن الاعتقال، بالإضافة إلى أصول أولئك المعتقلين.

وقال النائب العام السعودي في بيانٍ صدر الإثنين، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، إنَّ الاعتقالات التي جرت في عُطلة نهاية الأسبوع كانت مجرد "مرحلة أولى" في الحملة.

وبالإضافة إلى ذلك، قال الأشخص المُطَّلِعون اليوم، الخميس 9 نوفمبر/تشرين الثاني، إنَّ المصرف المركزي الإماراتي طلب من المؤسسات المالية تزويده بمعلومات عن حسابات 19 مواطناً سعودياً. ووفقاً لتعميمٍ اطَّلعت عليه وكالة بلومبيرغ، طلب المصرف أن يتم إبلاغه عن أي حسابات، أو ودائع، أو استثمارات، أو أدوات مالية، أو تسهيلات ائتمانية، أو صناديق ودائع آمنة، أو تحويلات مالية مرتبطة بهؤلاء الأشخاص.


احتياطي العملات الأجنبية


وقال جيسون توفي، الخبير الاقتصادي في شؤون الشرق الأوسط بمؤسسة كابيتال إيكونوميكس والمقيم في لندن، إنَّه في الوقت الذي تُعَد فيه الجهود الرامية للحد من الفساد محلَّ ترحيب، فإنَّ "سرعة وحجم الحملة قد أثارا الخوفَ لدى المستثمرين".

وأضاف توفي: "هناك أيضاً مخاوف إضافية من أن يؤدي عدم اليقين السياسي إلى فترة من خروج رؤوس الأموال، تُجبِر مؤسسة النقد العربي السعودي على استنفاد احتياطاتها من النقد الأجنبي بوتيرةٍ أسرع".

وقد دفعت عمليات الاعتقال المستثمرين من داخل المنطقة إلى بيع استثماراتهم. وقد كلَّفت عمليات التصفية من كافة دول مجلس التعاون الخليجي الأسهم، بما يُقدَّر بـ17.6 مليار دولار أميركي بحلول يوم الأربعاء الماضي، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. نتيجةً لذلك، انخفض رأس المال السوقي المشترك لكافة بورصات المنطقة إلى 900 مليار دولار أميركي، وفقاً للبيانات التي جمعتها وكالة بلومبيرغ.

وكان المستثمرون الخليجيون قد باعوا ما بلغ صافي قيمته 92.5 مليون دولار أميركي من أسهم دبي، يوم الثلاثاء الماضي، 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو رقم يُعد الأعلى منذ فبراير/شباط الماضي. كذلك، انخفض مؤشر السوق الرئيسي بالبورصة السعودية (تاسي)، بمعدل 0.3% في الساعة 2:18 من عصر اليوم الخميس، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، في العاصمة السعودية الرياض.

وقد فَقَد مؤشر سوق الكويت للأوراق المالية 4.4% من قيمته، في حين تراجع سوق دبي المالي بنسبة 4.8%. وتراجعت كل المؤشرات في المنطقة هذا الأسبوع، باستثناء مؤشر سوق مسقط 30 العُماني، الذي ارتفع بنسبة 0.03%.

وبدأت حملة الاعتقالات بعد أن أصدر العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمراً بتشكيل لجنة لمكافحة الفساد، يوم السبت الماضي، 4 نوفمبر/تشرين الثاني، برئاسة ابنه، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وشملت الاعتقالات الأمير متعب بن عبد الله، الذي عُزِل من منصبه كقائد للحرس الوطني السعودي القوي، في خطوةٍ عزَّزت التكهُّنات القائلة بأنَّ العاهل السعودي يستعد لتسليم السلطة إلى ولي العهد. وكان الأمير الوليد بن طلال، الذي يحتل المرتبة 61 ضمن قائمة أثرياء العالم، من بين المعتقلين أيضاً.


معاناة اقتصادية


تؤثر حملة التطهير على بعض أكثر العائلات السعودية ثراء. وعلى مدار عقود، استفادت تلك العائلات من علاقةٍ وثيقة مع حُكَّام البلاد، ساعدتهم على الفوز بعقودٍ كبيرة وعقد شراكاتٍ مع الشركات الدولية الساعية لإيجاد موطئ قدمٍ لها في أكبر اقتصادات العالم العربي.

وتأتي أيضاً في وقتٍ يعاني فيه الاقتصاد لمواجهة التراجع في أسعار النفط، إذ ترتفع البطالة في صفوف السعوديين، وبالكاد ينمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

وجمعت الحكومة عشرات المليارات من الدولارات من أسواق السندات الدولية، وسحبت من احتياطيات المصرف المركزي لتمويل عجزٍ في الموازنة وصل إلى نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015.


لا مفر أمامهم


وقال عماد مصطاقي، مسؤول الاستثمار المشارك المقيم بلندن في صندوق تحوُّط الأسواق الناشئة كابريكون فاند مانيجرز، إنَّ نقل الأصول من قبل المستثمرين "غير مفاجئ بالنظر إلى أنَّ عملية تطهير حقيقية ضد الفساد ستذهب لما هو أبعد من أحداث عطلة الأسبوع الماضي".

فالمصارف المركزية "لديها أنظمة قوية موجودة لتتبُّع تدفُّقات الأموال، وعلاقات ممتازة مع المصارف الكبرى على مستوى العالم، بحيث يمكن تجميد أي أصول تنتقل إلى الخارج وإعادتها إن كانت ناتِجة عن الفساد".

وقال شخصان مُطَّلِعان على المسألة، إنَّ بعضاً من أثرياء المملكة يشعرون بالقلق من أنَّ نقل أصولهم إلى خارج السعودية قد يثير الشك، ويُركِّزون بدلاً من ذلك على ممتلكاتهم الموجودة في دول مجلس التعاون الخليجي.


برنامج التحول


كما أنَّ السعودية في خضم تطبيق عملية تحوُّلٍ تهدف إلى فِطام الاقتصاد عن النفط. وتعتزم الحكومة إنشاء أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم، وبيع المئات من أصول الدولة، بما في ذلك شركة الزيت العربية السعودية، أرامكو، وحصص في أسواق المال، وأندية كرة قدم، ومطاحن دقيق.

وتدفع المخاوف من وقوع مواجهةٍ مُتجدِّدة بين السعودية وإيران المستثمرين لبيع أسهمهم في المنطقة أيضاً. وكان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قد استقال السبت، 4 نوفمبر/تشرين الثاني، مُعلِناً قراره من السعودية، وحمَّل إيران ومُسلَّحي حزب الله الذين تدعمهم مسؤولية قراره هذا.

قال سيرغي ديرغاشيف، الذي يساعد في الإشراف على أصول تُقدَّر قيمتها بنحو 14 مليار دولار بصفته مديراً مالياً كبيراً في يونيون إنفيستمنت برايفاتفوندز، الذراع الاستثمارية لمصرف DZ، بفرانكفورت: "الكثير من أموال مجلس التعاون الخليجي موجودة بالفعل خارج منطقة مجلس التعاون، خصوصاً في باريس، وجنيف، وزيوريخ، وآسيا. لا بد أنَّ هذه المراكز ستبقى مستفيدة إن انتقلت المزيد من الأموال إلى الخارج".