"لا تنخدعوا بخطابه".. أستاذة تاريخ تحذر الغرب: بن سلمان يعيد صياغة سياسات قديمة تؤجج التطرّف والطائفية

تم النشر: تم التحديث:
U
ؤ

"إنه خطاب الأمير التحرُّري يخفي دوافع أكثر خبثاً"، هكذا وصفت روزي بشير الأستاذة المساعدة للتاريخ بجامعة ييل الأميركية، حديث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن التحديث والقضاء على التطرّف بالسعودية.

وقالت روي بشير، الكاتبة في مجلة جدلية الإلكترونية، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، إنه في فعاليةٍ عالمية للاستثمار جرت مؤخراً في الرياض، أعلن ولي العهد السعودي عن خططه لبناء مدينة عالمية عملاقة (نيوم)، على الساحل الشمالي الغربي للسعودية، على مدار السنوات العشر المقبلة.

وليزيد ثقة المستثمر بالمملكة "طمأن بن سلمان العالم بأنَّ السعوديين يريدون العودة إلى الإسلام المعتدل الذي كان موجوداً في البلاد قبل 1979".

تضمَّن ذلك التعهُّد وعداً ووعيداً؛ إذ تعهَّد ولي العهد بالقضاء فوراً على الأفكار المتطرِّفة وإعادة تأسيس سعودية متسامِحة، في حين حمَّل إيران وثورتها التي قامت في 1979 مسؤولية تحوُّل السعودية نحو جعل الأفكار الدينية أفكاراً متطرفة برعاية الدولة.


أهدافه الحقيقية


تقول الكاتبة: "ينبئنا هذا التصريح المزدوج بالكثير عن أهداف بن سلمان، وأيضاً عن كيفية تخطيطه من أجل تحقيقها. ومثلما هو الحال مع حملة نهاية الأسبوع الماضي، التي شملت اعتقال بعض أكثر الأشخاص ثراء ونفوذاً في البلاد، تحت مُسمَّى تطهير الفساد، يُخفي خطاب الأمير التحرُّري دوافع أكثر خبثاً"، حسب تعبيرها.

تبدو الهجمات على التطرُّف الديني أمراً إيجابياً بالنسبة للمنتمين لكافة المشارب السياسية في الغرب، إذ تَعِد بالتحرُّر السياسي، وتستحضر لغة "الحرب على الإرهاب".

لكنّ النصف الثاني من تصريح بن سلمان -المتمثل في الإشارة إلى الثورة الإيرانية 1979 باعتبارها نقطة تحول في السياسة السعودية- هو الذي يشي بمتاعب في المنطقة.

إذ يشير إلى خططه لتصعيد الصراع مع إيران ووكلائها، كسبيلٍ لحشد الدعم الدولي بعد الفشل في حشد الدعم بالداخل (وبالفعل، أصدرت السعودية تحذيراً نارياً لإيران الإثنين الماضي، 6 نوفمبر/تشرين الثاني، مُتَّهِمةً غريمتها بالقيام بـ"عملٍ من أعمال الحرب").

ولم يؤدِ تصديق ترامب، زعيم ما يُسمَّى بالعالم الحر، على حملة القمع الداخلية للنظام السعودي، والتصعيد المعادي لإيران، والتهديد بحربٍ ضد لبنان، إلا لتشجيع بن سلمان على سياساته.

وحتى في الوقت الذي تكيل فيه الحكومات ووسائل الإعلام الغربية المديح له، يُنظَر إلى ولي العهد الشاب داخلياً باعتباره حاكماً فاسداً، وغير كفء، يختبئ وراء خطاب الليبرالية، والتسامح، ومكافحة الفساد.

وهذا الرأي يتشاطره أعضاءٌ في العائلة الحاكِمة، والنخبة الاقتصادية، والسكان بوجه عام، الذين يرون بن سلمان شخصاً أخَلَّ بالوضع القائم من أجل إثراءٍ شخصيٍّ واسع ومطامع سياسية.


إثراء شخصي وتعصب طائفي


تقول أستاذة التاريخ: يُمثِّل الإثراء الشخصي جزءاً كبيراً من مشروع نيوم، الذي يُعَد محاولةً لتوليد مصادر دخلٍ جديدة من شأنها أن تفيد بن سلمان بالأساس، بعدما نحَّى الكثير من النخب الاقتصادية التقليدية في البلاد جانباً.

لكنَّ الإعلان عن نيوم والتحوُّل المزعوم نحو التسامح الديني يتضمَّن أيضاً مفارقة كثيراً ما يجري إغفالها؛ فخطة ولي العهد من أجل إقامة مملكة سعودية متسامِحة تقوم على دعوات طائفية متعصِّبة تماماً، تُصوِّر إيران (والإسلام الشيعي) باعتبارها الجاني في كل الأمور السيئة بالمملكة. ولتتذكَّروا أنَّ 10 إلى 15% من سكان السعودية هم شيعة.

غفل المستثمرون المحتملون عن تلك المفارقة، وركَّزوا بدلاً من ذلك على الأرباح المحتملة التي يمكن جنيها من المناخ المواتي الآن أكثر للاستثمار الأجنبي.

لكنَّ وسائل الإعلام الرئيسية هي الأخرى تسمح للوضع بالتفاقم، وتؤيد بدلاً من ذلك مشروع نيوم بصورةٍ كبيرة، وتشيد بانتقاد ولي العهد للتطرُّف الديني -الذي يأتي في أعقاب إنهاءٍ لحظر قيادة النساء للسيارات مُقرَّر في يونيو/حزيران 2018- باعتبار ذلك مؤشراً على الالتزام الجاد بالإصلاح الليبرالي.


قمع لكل معارضيه


تلفت الكاتبة إلى أنَّ هذا التفسير يتغاضى عن القمع المُنسَّق والعنيف من النظام السعودي ضد كل منتقديه، بمن فيهم الباحثون الدينيون، والمفكرون العلمانيون، والنشطاء الشيعة، والكُتَّاب، والبيروقراطيون، والمؤسسة الدينية نفسها. وعلى الرغم من أنَّ القمع ضد المعارضة قائم منذ بعض الوقت، فإنَّه لم يظهر في عناوين الأخبار العالمية إلا بعد الاعتقالات رفيعة المستوى التي جرت على مدار الأيام القليلة الماضية.

وتهدف تلك الاعتقالات، التي تختَبِئ وراء خطابٍ شعبوي يُروِّج لحملةٍ مزعومة للقضاء على الفساد، في حقيقة الأمر لإسكات وتجريد، إن لم يكن تطهير البيروقراطيين وأعضاء الأسرة الحاكمة، الذين يمتلكون قوةً اقتصادية وسياسية ولا يزالون غير موافقين على صعود بن سلمان إلى السلطة من تلك القوة التي يمتلكونها.

وتفيد الاعتقالات محمد بن سلمان بطريقتين. فمن الناحية السياسية، تقلب تلك الاعتقالات توازن القوى في النظام السعودي، ولا تترك أمامه سوى منافسين قلائل. ومن الناحية المالية، تجعل مطالبته بأصول منافسيه كي تصبح له، وهو جزء من جهد مستمر منذ عامين لترسيخ قوته الاقتصادية، أمراً أيسر.

وتمكَّن بن سلمان من فعل كل ذلك بالاعتماد على أسلوبٍ مُجرَّب من القادة السعوديين وأثبت نجاعته، يتمثَّل في إخفاء السياسات داخل خطابٍ يبدو إيجابياً ومتفقاً مع الولايات المتحدة ويحظى بإعجابها.

ويُعَد تشويه الماضي والحاضر أمراً محورياً في السلطة السعودية، التي عادةً ما تستخدم إطارات عمل مقبولة دولياً كالحرب على الإرهاب، والدين المعتدل، ومكافحة الفساد لقمع المعارضين السياسيين. وبالمثل، كان نشر الطائفية والخطاب المعادي لإيران للقيام بذلك هو أيضاً عنصراً أساسياً لدى السلطة السعودية.


القمع بدأ قبل ثورة إيران.. التقدميون نموذجاً


تقول الكاتبة إن هذه الأساليب واضحة في ادِّعاء محمد بن سلمان بأنَّ السعودية كانت دولة إسلامية "معتدلة" حتى الثورة الإيرانية في 1979. لكنَّ خطه الزمني هذا قفز 10 سنوات على الأقل.

فالتأسيس الحقيقي للدولة السعودية كان قائماً على قراءة إسلامية متعصِّبة ومعادية للشيعة. وكان الملك الراحل فيصل، الذي تولَّى السلطة من 1964 حتى 1975، هو مَن رسَّخ الدولة الدينية المُحافِظة التي نعرفها اليوم.

ولم يكن هذا الترسيخ رداً على إيران الثورية، بل رداً على حركات تقدُّمية داخلية هدَّدت العائلة الملكية السعودية إلى جانب المصالح الأميركية الإمبريالية في الستينيات. وبدعمٍ من الولايات المتحدة، سحق نظام فيصل تلك الحركات، مُغلِقاً الباب في وجه قيام حياةٍ سياسية علمانية في المملكة.

مع القضاء على كل المنتقدين العلمانيين تقريباً، أصبح النضال الشعبي والنشاط المناوئ للنظام ذا طبيعة دينية أكثر فأكثر. وبعد الحظر النفطي في 1973، أصبح الإسلاميون أكثر انتقاداً للنظام بسبب تجاوزاته المالية وتعزيز التحالف السعودي - الأميركي.

بلغ السخط ذروته في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، حين قام 100إسلاميّ وهابيّ غير منتمين للمؤسسة التقليدية في المملكة بالسيطرة المُسلَّحة على المسجد الحرام في مكة، وهو العمل الذي كان يعني لفت الأنظار إلى السُّبُل التي استخدم بها نظامٌ سعودي فاسد الدينَ والعنف كي يحافظ على حكمه المستبد.

وأدَّت الظروف نفسها إلى تأجيج اضطراباتٍ شعبية سلمية قادت إلى انتفاضةٍ مناوئة للنظام في القطيف، بالمقاطعة الشرقية الغنية بالنفط في الشهر ذاته.

وفي ظل تعتيمٍ إعلامي كامل ومساعدة من قواتٍ أجنبية، سحق النظام عسكرياً حركتين مختلفتين هيكلياً كافحت ضد الاستبداد وسياسةٍ خارجية عمياء موالية للولايات المتحدة، وألقى باللائمة في كليهما على إيران والتطرُّف الشيعي.


الصحوة


لكن لا مجال يتَّضح فيه هذا النمط من قمع المنتقدين الداخليين، أكثر من حالة حركة الصحوة الإسلامية السلمية.

حازت حركة الصحوة، التي ظهرت في مواجهة الاستبداد والدين الذي ترعاه الدولة، شعبيةً غير مسبوقة في أعقاب حرب الخليج 1991.

وشكَّلت التهديد الأطول والأكثر خطورة على سيطرة آل سعود على السلطة. واتخذ كل نظامٍ سعودي أتى منذ ذلك الحين إجراءاتٍ مختلفة لكبح الحركة، بدءاً من الإكراه والاستيعاب وصولاً إلى السجن والترهيب.

وفي الأشهر الأخيرة، سجن نظام بن سلمان الكثيرين من قادته وجنوده على حدٍّ سواء، تحت مُسمَّى القضاء على التطرُّف، في حين أنَّ هؤلاء، في واقع الأمر، معارضون لاستبداد الدولة، وتشيجع الحرب، والفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية، والتجاهل التام لحقوق الإنسان والحقوق السياسية والمدنية في السعودية. ويستعير بن سلمان سياسات سابقيه من خلال تصوير تلك الحرب باعتبارها حرباً بين الحداثة والمحافَظة، من أجل التعتيم على انتقادات المعارضة السياسية.

لقد خلق الجيل الأصغر من حكام آل سعود -مُمثَّلين في ولي العهد المُعيَّن أخيراً- وَهمَ السعودية "الجديدة"، السعودية التي تتميَّز بالشباب، والاعتدال، والتحرُّر.

لكن بدلاً من إحداث قطيعةٍ مع الحكم السعودي "التقليدي"، أصرَّ الجيل الجديد ببساطة على الأساليب المُجرَّبة والمُختبَرة لإدارة السعودية الجديدة.

وكسابقيه، يستخدم النظام الحالي قوةً قمعية كبيرة للحفاظ على حكمه. ويعتمد على برنامج الإصلاح والتحديث ذاته تماماً، من أجل حشد الدعم الدولي، في الوقت الذي يُفاقِم فيه التوترات الطائفية، ويسحق بعنفٍ كلَّ أشكال المعارضة السياسية، بما في ذلك قوى الاعتدال ذاتها التي يزعم دعمها.

ويشير توقيت تلك الإعلانات إلى حاجة النظام الماسّة إلى نصرٍ للتغطية على إخفاقاته الداخلية والإقليمية الكثيرة، وزيادة الثقة في التزام النظام بالإصلاح، وتوفير الموارد من أجل حربه الشاملة على المعارضة الداخلية والمنافسين الإقليميين.

وهذا لا يعني القول بأنَّ التغيير في السعودية مستحيل، أو التقليل من جهود آلاف السعوديين الذين خاطروا بالكثير لتحسين ظروف حياتهم. لكن في ظل حكم ديكتاتوريين قُساة في سياقٍ استبدادي كهذا، يكون "التغيير" في أحسن الظروف أمراً بعيد المنال.