شيء واحد يمنع الحرب.. سر عدم تحول الصراعات الجارية بالشرق الأوسط لمعركة حقيقية بعد

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN NAYEF
ي

نفقٌ ينفجر تحت حدود قطاع غزة مع إسرائيل، واستقالةٌ مفاجئة تُدخِل لبنان في حالةٍ من الفوضى، وسلسلةٌ من الاضطرابات بالسعودية، وخفوت المعركةٌ ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا والعراق، كل هذا يشي بجولةٍ جديدة من التهديد بتفجُّر حربٍ بين إسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها من الجهة الأخرى.

وينتشر الحديث عن حربٍ بين عناصر التحالف الذي تقوده إيران وكذلك التحالفٍ غير المرجح المناوئ لطهران الذي يجمع إسرائيل والسعوديين، حسب تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية.

لكن، مما يقل احتمالات أي سيناريو معقول لاندلاع الحرب، أن كلاً من أعضاء التحالفين سيودّ أن تندلع الحرب، ولكن بشرط ألا يخوضها بنفسه؛ لأن أيّاًي من أعضاء التحالفين في الوقت الحالي ليس في وضعٍ يكون فيه من مصلحته أن يضطلع بالأمر بنفسه.

وعرض تقرير الصحيفة الإسرائيلية الأطراف التي ترغب في الحرب بالوقت الحالي، طالما أنَّ طرفاً آخر سيقاتل فيها بالنيابة عنه.


إيران


على مدى السنوات الست والنصف الماضية، استثمرت القيادة الثورية بإيران بصورةٍ كبيرة في دعم نظام الأسد بسوريا. واتَّخذ هذا الدعم مجموعة من الصور؛ كـ"المستشارين العسكريين" من فيلق القدس الإيراني، ونشر الآلاف من مقاتلي حزب الله اللبناني، وعمليات نقل جوي مُتكرِّرة لأسلحةٍ تهبط في مطار دمشق، وتجنيد عشرات الآلاف (بالأساس من اللاجئين الأفغان) للقتال ضمن صفوف الميليشيات الشيعية، وعلى الأقل رصيد يبلغ مليار دولار للسماح ببقاء الأسد قادراً على سداد فواتيره.

وأيٌّ من ذلك لم يكن كافياً لتمكين تحقيق النصر النهائي للرئيس السوري، لكنَّها أبقته ناجياً تقريباً حتى وصل الروس في سبتمبر/أيلول 2015. الآن وبعد أن ضمنت بقاء الأسد، تعتزم إيران جني ثمارها في شكل امتيازات تعدين، وحقوق بناء قاعدة جوية على الأراضي السورية، وميناء عسكري على ساحل البحر المتوسط.

وتمارس إسرائيل ضغوطاً دبلوماسية وتُهدِّد باستخدام القوة العسكرية لمنع إيران من تأسيس معقلٍ لها في سوريا. (هذا الضغط يدعمه صراع قوة في طهران، حيث تتجادل الفصائل المختلفة حول ما إذا كانت المليارات الإضافية التي سيحتاجها بناء تلك القواعد يجب أن تذهب لتعزيز اقتصاد إيران في الداخل أم لا).

وليس لإيران أي مصلحة الآن في نشوب حربٍ بين وكلائها وإسرائيل في سوريا ولبنان، والتي من شأنها أن تُهدِّد مكاسبها التي استثمرت فيها الكثير للغاية. وبدلاً من ذلك، ستُفضِّل طهران أن ترى إسرائيل مُشتَّتة في منطقةٍ أخرى، وسيكون المكان الأنسب لحدوث ذلك هي المنطقة على طول حدود إسرائيل الجنوبية مع قطاع غزة.

ويوجد الآن وفدٌ من حركة حماس بطهران، هو الثاني من نوعه في غضون أسابيع. وكان هناك خلافٌ بين إيران وحماس إبَّان الحرب السورية حين كانت إيران تساعد نظام الأسد على قتل مئات الآلاف من السُنَّة السوريين، بما في ذلك حلفاء حماس بجماعة الإخوان المسلمين السورية.

لكنَّ الحرب في طور الانتهاء الآن، ويجري إعادة تأسيس العلاقات. وخلال الحرب، ازداد دعم إيران لمنافِسة حماس في غزة، حركة الجهاد الإسلامي الأكثر تشدُّداً. والآن، ستكون إيران سعيدة لضم حماس والجهاد قواهما لإثارة بعض الفوضى على حدود غزة، وصرف الأنظار عن سوريا.

غزة: على الرغم من مناشدات إيران، فإنَّ لدى غزة مشكلاتها الخاصة، وفي حين أن حماس سعيدة بإعادة تأسيس العلاقات مع طهران، فإنَّ مصالح الحركة تكمن الآن في القاهرة، التي وُقِّع فيها اتفاق مصالحتها مع حركة فتح الشهر الماضي.

وتريد مصر من حماس أن تحافظ على السلام في غزة والتأكُّد من عدم تحوُّل القطاع إلى مركزٍ لوجيستي لمقاتلي داعش في سيناء.

وإن كان هناك أي شك، خصوصاً من جانب إسرائيل، في أنَّ المصالحة ليست سوى مجرد عملية أخرى محكوم عليها بالفشل، فهنا أتى التدمير الإسرائيلي في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2017 لنفقٍ هجومي تابع لحركة الجهاد الإسلامي عابر للحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة، والذي أسفر على الأقل عن مقتل 14 من أعضاء الجهاد وحماس تحت الأرض.

ففي الماضي، عملية كتلك كانت ستنتهي بشكلٍ ما بالانتقام من جانب حركتي حماس والجهاد. لكن عوضاً عن ذلك، وبعد مرور أكثر من أسبوع بعد ذلك، لم نرَ إلى الآن أي تصعيد. وأجبرت حماس حركة الجهاد على الإبقاء على الهدنة غير الرسمية السارية مع إسرائيل منذ صيف عام 2014.


حماس


لم تتحوَّل الحركة التي تحكم قطاع غزة إلى الصهيونية، حسب تعبير هآرتس، لكنَّ الحصار المستمر لغزة وتدهور الوضع الاقتصادي -الذي عزَّزته العقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية التي تُهيمن عليها حركة فتح في الأشهر القليلة الماضية- قد أوصلا "رئيس وزراء" حماس الجديد في غزة، يحيى السنوار، إلى استنتاجٍ لا مفر منه بأنَّه يتعين عليه إيجاد سبيل جديد في الوقت الراهن للتعاون مع كلٍ من مصر المجاورة والسلطة الفسطينية. وكان أمامه إمَّا ذلك، وإما فقدان أي قدرة متبقية للحفاظ على السيطرة في القطاع.

والسنوار، هو شخصٌ مُتشدِّد مكث في السجون الإسرائيلية سنواتٍ طويلة، لكنَّه وُلِد في غزة ويفهم أوضاعها السياسية المحلية. ولا يمتلك صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، وهو منافس السنوار ورئيس وفد الحركة الموجود في طهران، أي مسؤولية عن غزة.

ولن تتخلى حماس عن ترسانة صواريخها أو شبكة الأنفاق بالقطاع، لكنَّها في حاجةٍ مُلحّة لتخفيف الظروف الإنسانية هناك، والسبيل الوحيد لذلك هو عبر تحالفٍ مع مصر وتقاربٍ مرتبك وغير مستقر مع السلطة الفلسطينية.

ومن شأن جولةٍ أخرى من الحرب المُدمِّرة مع إسرائيل أن تُعرِّض الاتفاق للخطر، ولن يسمح السنوار، في الوقت الراهن، بحدوث ذلك، ويمنع في الوقت نفسه حركة الجهاد من الرد. وذلك بغض النظر عمَّا تريده إيران.


مصر


قبل وقتٍ ليس ببعيد، كان سيجري اعتبار مصر العنصر العربي الرئيسي في التحالف الإقليمي المناوئ لإيران. لكنَّ ضعفها السياسي والاقتصادي المستمر أجبرها على الحد من مخططاتها الأوسع والتركيز أساساً على مصادماتها مع داعش في سيناء، حيث لا يزال بضع مئات من مقاتلي التنظيم المُتشدِّد يُكبِّلون جزءاً كبيراً من الجيش المصري الضخم والمُجهَّز جيداً.

ومصر هي الدولة الوحيدة ربما التي على وشك الخسارة بسبب القضاء على معاقل داعش في العراق وسوريا؛ إذ تنتقل بقايا داعش إلى ليبيا المجاورة، وقد يُركِّز التنظيم مزيداً من موارده الباقية على سيناء. وكانت ستصبح سعيدة لرؤية الآخرين ينقلون الحرب أبعد، فيما تُركِّز هي على أمور أقرب إليها، كغزة على سبيل المثال.

لقد تنازلت مصر عملياً عن مهمتها التاريخية في قيادة المعسكر العربي السُنّي، تارِكةً المهمة للسعوديين.


السعودية


صدمت أحداث الأيام القليلة الأخيرة في الرياض المراقبين المُخضرمين لبيت آل سعود. فالاعتقالات العديدة على خلفية مزاعم بالفساد لمسؤولين سابقين، من بينهم عدد من أمراء الأسرة الحاكِمة؛ وتعيين رجال تابعين لمحمد بن سلمان في مناصب رئيسية؛ وحادثة غامضة لتحطُّم إحدى المروحيات؛ واستدعاء تابعين للسعودية كرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي اختار إعلان استقالته السبت من الرياض، والرئيس الفلسطيني محمود عباس- كل ذلك دفع الخبراء لمحاولة إيجاد دافعٍ مشترك، بعيداً عن مجرد كونه تحرُّكاً آخر من جانب بن سلمان لترسيخ قبضته على المملكة.

وتتمثَّل إحدى النظريات الرائجة حول استقالة الحريري في أنَّه قد فرَّ إلى الرياض، أو أُمِر بذلك؛ حتى لا يُقحَم في هجومٍ عسكري إسرائيلي وشيك على لبنان، بدعمٍ سعودي، أو هجومٍ على وكيل إيران الرئيسي في بيروت، حزب الله.

وعزَّزت حقيقة اتهام حزب الله بمحاولة اغتيال الحريري تلك النظرية. وبالتأكيد، سيودّ السعوديون أن يُعاقَب منافسوهم الإيرانيون في هذه المرحلة بطريقةٍ أو بأخرى، وسيكون حزب الله هدفاً جيداً.

والنظام بالرياض ليس في وضعٍ يسمح له بشن حربٍ بنفسه ضد إيران. وعلى مدار العامين ونصف العام الماضية، انخرط السعوديون في حربٍ ضد الحوثيين المدعومين من إيران باليمن، وهي الحرب التي لم تكن ناجحة لدرجة أنَّ الحوثيين كانوا قادرين مساء الجمعة الماضي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، على إرباك السعوديين بإطلاقهم صاروخاً باليستياً على مطار الرياض.

ويُستبعَد أن يخاطر السعوديون بهجومٍ عبر الخليج على الإيرانيين الأقوى كثيراً، خصوصاً في الوقت الذي ينهمك فيه بن سلمان للغاية في السياسة الداخلية بالمملكة. لكن، هل سيردّ حزب الله بأي شكل على تلك الاتهامات؟.


إسرائيل


هناك شيءٌ وحيد أكيد، وهو أنَّه حتى لو اعتقد الحريري والسعوديون أنَّ هجوماً إسرائيلياً على لبنان وشيك، فإنَّ ذلك لن يحدث في الأسابيع القليلة المقبلة.

فإسرائيل تستضيف حالياً أكبر مناورات عسكرية دولية تحدث في البلاد على الإطلاق، تشارك فيها 7 من القوات الجوية الأجنبية من 3 قارات مختلفة. ويُعَد هذا عرضاً للدبلوماسية العسكرية الذي استمر التخطيط له على مدار سنة، وليس لدى سلاح الجو الإسرائيلي متسع من الوقت الآن لأي شيءٍ آخر.

لكنَّ إسرائيل مهتمة في الوقت الراهن بالحفاظ على السلام حول غزة: فنظام الدفاع الجديد المُوجَّه ضد أنفاق حماس والجهاد لا يزال في طور النشر، ولن يعمل بصورةٍ كاملة قبل 12 شهراً. وإلى جانب ذلك، لا ترغب إسرائيل في التدخُّل بمحاولات مصر لاختبار وتهدئة القطاع.

والوضع مع حزب الله على طول حدود إسرائيل الشمالية أكثر تعقيداً. وتهاجم إسرائيل بانتظام أهدافاً سورية، تتمثَّل عادةً في قوافل لحزب الله تحاول تهريب أسلحة متطورة إلى لبنان، أو منشآت بحثية عسكرية.

وحاولت سوريا في عددٍ من المرات مؤخراً، إطلاق صواريخ غير فعالة على الطائرات الإسرائيلية، لكن بخلاف ذلك لم يكن هناك رد من نظام الأسد أو حزب الله. وهناك بعض الأصوات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تؤيد ضربةً استباقية ضد مواقع صواريخ حزب الله في لبنان بالوقت الحالي، لكنَّهم يُمثِّلون أقلية.

ويأبى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بكل خطابه المعادي لإيران، توسيع الأعمال العدائية مع وكيل إيران الرئيسي (حزب الله) إلى ما هو أكثر من بعض العمليات الجراحية الدقيقة.

إذ لا تزال دروس 2006 حاضرة في أذهان المُخطِّطين العسكريين الإسرائيليين، وعلى أي حال فإنَّ نتنياهو شخص متجنِّب كثيراً للمخاطر بخلاف صورته العدوانية، ولم يكن قط معجباً بالعمليات واسعة النطاق التي تتطلَّب تعبئة الجيش بأكمله.

وسيكون بالتأكيد أكثر من سعيد لرؤية طرفٍ آخر يناطح إيران رأساً برأس -كالأميركيين على سبيل المثال- لكن في حين لم تدَّخِر إدارة ترامب هي الأخرى جهداً فيما يتعلَّق بالخطاب المعادي لإيران، فلا يبدو أنَّ هناك رغبة في واشنطن للذهاب أبعد من حربٍ كلامية.

وقال وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري، في معهد تشاتام هاوس بلندن الإثنين الماضي 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، إنَّ قادة إسرائيل، والسعودية، ومصر جميعهم حثَّوا الرئيس باراك أوباما على ضرب إيران في بداية عهده. لكنَّ أيَّاً منهم حاول القيام بالأمر بنفسه. ويبدو أنَّ الوضع لا يزال كذلك.