الإدارة الأميركية تنأى بنفسها عن اعتقالات السعودية.. سر حماسة ترامب وحقيقة الضوء الأخضر الذي منحه لـ"بن سلمان"

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN NAYEF
ي

بدا مسؤولو إدارة ترامب يوم الثلاثاء وكأنهم يحاولون تخفيف لهجة الدعم الحماسي الذي أعرب عنه الرئيس ترامب، يوم السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، لحملة التطهير التي شنَّها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضد خصومه.

كما أصدر المسؤولون بياناتٍ مُتضارِبة حول الهجوم الصاروخي الذي يُحمِّل السعوديون إيران المسؤولية عنه، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وكانت السعودية قد ذكرت أنها تعتبر الهجوم الصاروخي "عملاً حربياً". وحسبما صدر عن وكالة الأنباء السعودية الرسمية، فإن اجتماعاً وزارياً انعقد الثلاثاء الماضي، 7 نوفمبر/تشرين الثاني، في الرياض، قد وصف الضربة الجوية بأنها "عدوانٌ مفتوح" وأكَّدَ "حق المملكة في الدفاع الشرعي عن أراضيها".

وبسبب تعقُّد المشهد في السعودية بين تصاعد الاضطراب الداخلي والمخاوف من دخول المملكة في صراعٍ مفتوح مع إيران، يسعى بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية إلى خفض حدة التوتر.


نريد العدالة


ورداً على سؤال وُجِّهَ إليه عما إذا كان يعتبر أن سلسلة الاعتقالات في صفوف كبار أفراد العائلة المالكة والمسؤولين ورجال الأعمال البارزين قد عزَّزَت سلطات الأمن القومي في يد محمد بن سلمان، قال جيم ماتيس، وزير الدفاع الأميركي، إنه لا يزال في حاجة إلى مزيد من المعلومات في هذا الصدد؛ إذ صرح للصحفيين المرافقين له في رحلةٍ إلى بروكسل: "سنعاود الحديث في هذا الأمر حين أنتهي من بعض الاتصالات مع المملكة؛ للحصول على مزيد من المعلومات".

أما وزارة الخارجية الأميركية، فقد صرَّحت على لسان المُتحدِّثة الرسمية باسمها، هيذر نويرت: "ما زلنا نراقب الموقف. وقد طمأننا السعوديون بأن أي محاكمات تتم ستتسم بالعدالة والشفافية، ونأمل أن يلتزموا بهذا".

وعكس هذا الحذر، كان ترامب قد صرَّحَ على موقع توتير في أثناء رحلة له إلى آسيا، الإثنين 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، مُعرِباً عن دعمه للقرارات، وذكر أن بعضَ من اعتقلوا كانوا "يحلبون" بلادهم منذ سنوات. وأضاف ترامب أن لديه "ثقة كبيرة" بمحمد ووالده الملك سلمان و"أنهما يعرفان جيداً ما يفعلانه".

من جانبها، اتهمت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إيران -مستشهدةً بمعلومات أوردتها المملكة- بتوفير أحدث الصواريخ قصيرة المدى الموجودة لديها للمتمردين في اليمن، وقالت إن الولايات المتحدة لن تغض الطرف عن تلك الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي من جانب النظام الإيراني.

وقد صرَّحَ المسؤولون السعوديون يوم الأحد 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بأن الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون إلى داخل المملكة السعودية، الصيف الماضي، كان صاروخاً إيرانياً من طراز "قيام"، وهو سلاح جرى اختباره أول مرة في إيران عام 2010. ووفقاً للبيان الصادر عن هالي الثلاثاء الماضي، فإن الصاروخ "لم يكن موجوداً في اليمن قبل بدء الصراع" فيه عام 2015.

وقالت هالي إن الصاروخ الذي أُطلِق واعترضته السعودية بالقرب من مطار الرياض، "ربما يكون من أصل إيراني أيضاً". وشجَّعَت هالي الأمم المتحدة على تحميل النظام الإيراني المسؤولية عن تلك الانتهاكات.

أما نويرت المتحدثة باسم الخارجية، ففد رفضت التعليق على ما سمته "فرضية" الحرب الممكنة مع إيران، وأضافت أن الخارجية الأميركية ليس لديها تقييم كامل لهوية المسؤول عن الهجمات الصاروخية، وأنها لم تبت في هذا الأمر بشكل نهائي.

كما أنكرت أيضاً أن تكون الخارجية الأميركية قد تلقت أي إشعارات مسبقة قبل الاعتقالات التي تمت نهاية الأسبوع الماضي، وقالت إنها لم تَطلع على أي من المحادثات التي يمكن أن يكون غاريد كوشنر -صهر ترامب ومستشار البيت الأبيض- قد عقدها مع المسؤولين السعوديين في أثناء زيارة غير معلنة قام بها إلى الرياض الشهر الماضي.

وقالت نويرت: "لم أتحدَّث إلى السيد كوشنر ولا إلى مكتبه، وهو يصحب الرئيس ترامب في رحلة إلى آسيا تستمر 12 يوماً".


هل حصل السعوديون على ضوء أخضر من ترامب؟


وقد شكّل كوشنر علاقة وثيقة مع ولي العهد السعودي، البالغ من العمر 32 عاماً، وأدى دوراً بارزاً في تنظيم زيارة ترامب إلى المملكة في أول رحلة خارجية له الصيف الماضي. وقد صرَّح مسؤولٌ سابق بالخارجية الأميركية، على درايةٍ بطريقة تسيير الأمور في الإدارة الأميركية، بأن ولي العهد السعودي وكوشنر، وكلاهما من ذوي السلطة السياسية والمالية، شديدا التشابه.

وقد اشترط المسؤول عدم الكشف عن اسمه؛ ليتمكَّن من تقديم تقييم صريح للأمور، وقال إن المسؤولين عن السياسة خارج أروقة البيت الأبيض انتابهم قلقٌ من أن كوشنر، الذي تتمركَّز خبرته الأولية بالمنطقة في إسرائيل ويولي اهتماماً أكبر لها، غير مؤهَّلٍ للتعامل مع ديناميات الشرق الأوسط المُعقَّدة.

وفي حين خمّن بعض الخبراء الخارجيين أن كوشنر وبن سلمان ربما قد ناقشا خلال زيارة الشهر الماضي، (أكتوبر/تشرين الأول) 2017، خطَّطَ الأمير لشنِّ حملة داخلية، يرى المسؤول الأميركي السابق أن السعوديين لا يحتاجون الضوء الأخضر من البيت الأبيض للقيام بأعمال على شاكلة موجة الاعتقالات التي جرت نهاية الأسبوع الماضي؛ إذ يرى المسؤول أن السعوديين يتوقعون بداهة أن البيت الأبيض سيدعمهم فيها.


من الهجوم للتزلف


ومنذ زيارة ترامب، يُبدي الرئيس تزلُّفاً واضحاً في دعمه للملك سلمان، في حين أن الأخير لا يجامله كثيراً، حسب وصف تقرير "واشنطن بوست".

وعلى مر السنين، انتقد ترامب دعم الجيش الأميركي للسعودية، التي قال إنها لا تدفع ما يكفي لتحصل على حماية الجيش الأميركي. وقد سبق له أن صرح في مقابلة مع مجلة بلاي بوي عام 2004 بأن الحكومة السعودية ستسقط في غضون 15 ثانية إذا لم تكن المملكة في حماية الولايات المتحدة. وبعد ذلك بـ4 سنوات، نعت ترامب الرئيسَ الأميركي الأسبق، جورج بوش، بالـ"غبي"؛ لأنه "يذهب إلى السعودية ويحتضن هؤلاء الناس ويخبرهم بأن الولايات المتحدة تحبهم".

بيد أن ترامب، الذي قال بعد زيارته الأولى إلى السعودية إنه لم يكن ليذهب لولا وعود السعودية بعقد صفقات شراء كبيرة للأسلحة الأميركية وعقد صفقات استثمارية مع الولايات المتحدة، قد أبرم اتفاقية مع المملكة، التي طالما تصدَّرَت قائمة مشتري الأسلحة الأميركية، لشراء أسلحة بـ110 مليارات دولار أميركي. وبالإضافة إلى السعي للحصول على الأموال والدعم من السعودية في عملية السلام، من الواضح أن الإدارة الأميركية تعتبر السعودية لاعباً رئيسياً في خططها، التي لا تزال قيد الإعداد لكبح التأثير الإيراني.


مشاعر مختلطة


ويثير بن سلمان وسلطاته المتنامية مشاعر مختلطة؛ فالإصلاحات التي أجراها، بما في ذلك التنويع السريع لاقتصاد المملكة النفطي والتخفيف من القيود الدينية والثقافية، قد لاقت استحساناً محلياً ودولياً واسعاً.

وتشيع أخبار منتظمة بأن والده سيتنازل له قريباً عن السلطة بأكملها، على الرغم من أن هذا مُستَبعَد قبل أن يزور الملك سلمان الولايات المتحدة كما وعد في النصف الأول من العام المقبل.

ولا يحظى متمردو الحوثيين في اليمن إلا بالنذر اليسير من التعاطف في معركتهم للاستيلاء على البلاد، وثمة شكوك في أن الكثير من نجاحهم في التماسك أمام ضربات السعوديين يرجع الفضل فيه أساساً إلى المساعدة الإيرانية.

غير أن القلق من الطريقة التي يدير بها بن سلمان، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الدفاع، المعركة من الجانب السعودي يتزايد مع تزايد سلطته. وفي هذا السياق، يتساءل المسؤول الأميركي السابق: "ما مقدار الثقة التي يجب أن نضعها بشاب في الحادية والثلاثين من عمره لا يولي تركيزاً حقيقياً إلا على الوضع الداخلي في بلده؟ وهل سنسمح له بأن يُحدِث كارثة في المنطقة؟".