مسلمون ومسيحيون يصلّون بقبر يهودي! مدينة عراقية تتعايش فيها الأديان في المقدسات فقط.. والسبب شخصي للغاية

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

"مسلمون ومسيحيون يصلّون في المكان ذاته!"، ليس هذا الأمر المفاجئ، ولكنهم الأغرب أنهم يصلون في قبر رجل يهودي! والمفارقة أن هذا يحدث في المنطقة التي شهدت أسوأ مذابح دينية وطائفية خلال السنوات الماضية.

تقع هذه المدينة، التي كانت جميلة وكانت تتميز بمنظرٍ خلَّاب في عُشِّها الشاهق على ارتفاع 4 آلاف قدم (1200 متر) من سطح الأرض بين سلسلتين جبليتين أعلى منها بكثير، في حيٍ سيئ السمعة من ناحية التسامح، حسب وصف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

يتسم سر الشخصية اليهودية المُقدَّسة "هازانا"، الذي يحظى هنا باحترامٍ من أناسٍ منتمين إلى سائر الديانات المحلية، بعمقٍ أكبر مما قد يتسم به في ظروفٍ أخرى.

وتقع مدينة العمادية في إقليم كردستان شبه المستقل، المستهدف من قِبَلِ حملةٍ تشنها العاصمة العراقية بغداد بعد سعيه للاستقلال عن العراق.

ويُزلزِل العنف هذا الجزء من شمال العراق منذ تقدّم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، الذي أجبر مسيحيين على الفرار، واستعبد نساء يزيديات وقتلَ شيعة فور رؤيتهم، حتى تم تطهير المنطقة من التنظيم أخيراً في الشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول 2017).

y


ما ديانة الأغلبية؟ ومن هذا اليهودي؟


ويُمثِّل المسلمون الأكراد في الوقت الحالي، الأغلبية الساحقة من إجمالي عدد سكان العمادية البالغ 9 آلاف نسمة. ولكن في مطلع القرن العشرين، يُقال إنَّ عدد السكان كان يبلغ نحو ثلثي هذا الرقم الكبير، مُقسَّماً بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين واليهود، على الرغم من وجود 10 مساجد مقارنة بكنيستين ومعبدين يهوديَّين آنذاك. لقد كان الجميع مُتكدِّسين في دائرةٍ محيطها ميلٌ ونصف الميل (2.4 كيلومتر).

وكان اليهود جميعهم قد غادروا العمادية بعد إقامة إسرائيل في عام 1948. وغادرها العديد من المسيحيين كذلك وسط اضطرابات إقليمية مُتعاقِبة، لدرجة أنَّ العائلات العشرين أو الثلاثين المتبقية لم تعد قادرةً على الحفاظ على الكنيستين.

واجتمعت الديانات الثلاث هنا على تقديسٍ طويل الأمد لـ"هازانا"، وهو شخصيةٌ دينية يهودية من عصرٍ قديم مجهول، ويوصف وفقاً لرواياتٍ مختلفة بأنَّه ابن داوُد، حفيد يوسف أو أنه فقط نبيٌ غير مشهور، ويقع قبره في العمادية.

وقال محمد عبد الله المُدرِّس المحلي والمؤرخ الهاوي: "يذهب أناسٌ من جميع الأديان الثلاثة إلى هذا القبر للصلاة. فبالنسبة لهم، هذا مكانٌ مُقدَّس. ويُعتقد كل منهم أنه ينتمي إليهم".

y


أصدقاؤنا


وتتسم سيرة "هازانا" بغموضٍ كبيرٍ لدرجة عدم توافر معلومات كثيرة عنه في بحث جوجل. ولا يعرف السكان المحليون الكثير من المعلومات لإضافتها. وقال بهار أحمد، البالغ من العمر 55 عاماً، وهو موظفٌ حكومي متقاعد كان خارجاً من صلاة الظهر في جامع العمادية الكبير بالمدينة مع مجموعة من المصلين المسلمين الآخرين الذين أومأوا برؤوسهم موافقةً على كلامه، إنَّه كان "رجلاً عظيماً وشخصاً نقياً للغاية".

ولم يجد أيٌّ من الرجال غرابةً في أن يصلي مسلمون ومسيحيون كذلك في قبر "هازانا". وأضاف أحمد: "لطالما كان اليهود أصدقاءنا. لم نكن نفكر قط في هويتنا، بل كنا مجرد أناس يعيشون معاً".

وكانت الاتجاهات التي ذكرها سكان محليون للوصول إلى قبر "هازانا" متنوعةً، ولكنَّها جميعاً تؤدي إلى حارةٍ ملتوية وضيقةٍ إلى حدٍ كبير، مما يضطر بعض السكان لاستخدام جسور مشاةٍ تربط الأسطح بعضها ببعض من جانبٍ إلى آخر في وقت الذروة بمدينة العمادية للذهاب إلى المسجد؛ تجنُّباً للزوار في الممرات المكتظة بالأسفل. أو هذا ما يقولونه.

وفي الطريق، مقابل حظيرة دجاجٍ مزوَّدة بسقفٍ مُزيَّن بأوعية نباتاتٍ مُزهِرة، كانت ساران صباح تقف مع ابنتها أمل البالغة من العمر 18 عاماً. وفي الزقاق الجانبي المؤدي إلى منزلها، كانت هناك كومة كبيرة من الحطب استعداداً لقدوم فصل الشتاء. وقالت ساران المسلمة السنّية إنَّها صلَّت لـ"هازانا"، وإنَّ ذلك كان نافعاً، وأكَّدت ابنتها كلامها.

y


السر الخفي لهذه الشعبية


ولم يذكر الرجال أن شعبية "هازانا" كانت تعتمد على قدرته على جلب الخصوبة إلى المُصلين، ولكنَّهم أكدوا ذلك لاحقاً.
وقال برهان سعيد، وهو مواطنٌ مسلمٌ محلي وعاملٌ حكوميٌ متقاعد، إن الناس كانوا يطلبون أشياءً أخرى كذلك. وأضاف: "لقد كان رجلاً متديناً، وكان نقياً وتقياً للغاية".

وبدا تقريباً كما لو كانوا قد اتفقوا على الحقبة التي عاش فيها "هازانا"، ولكن اتضح أن سعيد لم يكن متيقناً منها حتى. وقال: "كان في العصر الذي سبق جدي، هذا كل ما أعرفه".

وأشار سعيد إلى البوابة المعدنية الحمراء العجيبة للمبنى الذي كان معبداً يهودياً قديماً، وكان غير مُغلق وبلا حراسة، وقال سعيد إن الزوار موضع ترحيب. ويتضمَّن المبنى حديقةً من أشجار تين ورُمَّان، وأزهار نبات البوق الزاحف والكركديه، وصحيحٌ أنَّها غير مُهذَّبة ولكن مسقية بعناية. وكانت هناك ملابس أرجوانية وزرقاء للصلاة، كان يستخدمها أولئك الذين جاءوا طلباً لمساعدة "هازانا"، مُعلَّقةً على بعض الشجيرات.

وكانت هناك أكوامٌ من أنقاض، ولبنات حجرية قديمة، وأجزاءٌ من جدران تُمثِّل بقايا المعبد نفسه بعدة أماكن. بالإضافة إلى فتحةٍ في الأرض تقود إلى سُلَّمٍ حجريٍ مؤدٍ إلى قبرٍ تحت الأرض.

وعلى الجدران المغطاة بألواحٍ لاصقة داخل القبر، كانت هناك بعض الزخارف الجدارية الحديثة نسبياً مكتوبةً باللُغة العبرية، وأبيات نشيدٍ ديني، إلى جانب وجهٍ مبتسم مثل الرموز التعبيرية، بالإضافة إلى نجمة داوُد مرسومة على تابوت "هازانا" المستطيل المستوي.

b


سر التسامح الطائفي؟


ويقول سكان المدينة إنَّهم غير متيقنين بالضبط من سبب هذا التسامح الطائفي في المدينة، وكل ما يعرفونه هو أنَّه لطالما كان حاضراً هكذا؛ إذ يقول سعيد: "تربينا بهذه الطريقة. لقد علَّمني أبي دائماً أن أكون هكذا، وأنا أُعلِّم ابني الأمر نفسه".

وتستفيد المدينة جزئياً من عزلتها، فحتى حين شارك الأكراد بحربٍ أهليةٍ في الفترة من عام 1994 إلى عام 1997، لم يصل القتال إلى هنا قط، على الرغم من وجود أشخاصٍ منتمين إلى الفئتين المتحاربتين في المدينة.

ويُرجِع البعض ذلك إلى تاريخ العمادية. فهناك جامع العمادية الكبير، على سبيل المثال، الذي تشير تخميناتٌ إلى أنَّه كان في الأصل معبداً لطائفة الميثرانية الرومانية القديمة.

ويقول سكان محليون إنَّه تحوَّل إلى معبدٍ يهودي على مدار قرون، ثم صار كنيسةً مسيحية على مدار مزيدٍ من القرون، قبل أن يتحوَّل في نهاية المطاف، بعد قدوم الإسلام منذ 800 عامٍ، إلى مسجد.

ولعل ما هو صحيح فيما قيل يقع محل خلاف. فالعمادية مكان استثنائي يبدو أنَّه لم يُدرَس كثيراً.

وسيكون من السهل القول إنَّ جزءاً من سر انسجام العمادية يرجع ببساطة إلى أن معظم الديانات الأخرى لم تعد موجودةً في المدينة حاليّاً، مع أنَّ بعض اليهود زاروها مؤخراً للمساعدة في ترميم قبر "هازانا" والصلاة هناك.

ولكنَّ بعض السكان المحليين يُصِرون على أن ذلك سيكون جائراً. وتحدَّث نافع بولس، حارس الكنيسة الكلدانية، والمحارب القديم في قوات البيشمركة الخاصة الكردية الذي تقاعد حاليّاً بعد سنوات من محاربة تنظيم داعش، كما لو كانت الديانات الأخرى لا تزال موجودة في المدينة بالأعداد التي كانت عليها في الماضي.

وقال: "هذا هو جمال العمادية. ففي هذا المكان الصغير يمكنك أن تجد مسلمين ويهوداً ومسيحيين".

حتى لو لم يكن ذلك صحيحاً في الواقع، حسب تقرير "نيويورك تايمز"، ولكنَّه شعور جميل.