لماذا تبصق هذه الشعوب؟.. أسباب إهدار هذا السائل الثمين من أجسامنا؟ محلل نفسي يشرح الظاهرة

تم النشر: تم التحديث:
SPIT IN THE ROAD
olaser via Getty Images

من المؤكد أنك صادفت شخصاً يبصق بشكل خرافي، على مرأى من الجميع ودون أن يخجل أو يعير اهتماماً لمن يعتبرون أن الممارسة تعكس نقصاً في التعليم والتحضر.

يفعل ذلك على أرصفة الطرقات، عبر نافذة السيارة، وفي أماكن أخرى. الأمر منتشر بين الرجال بشكل أكبر، فهل هي ظاهرة جسدية أم نفسية؟ وهل يُنتج هذا الشخص كميةً من اللعاب أكبر من غيره؟ أم أن هذا الأمر مجرد تعبير عن الفحولة؟

المحلل النفسي، جواد مبروكي، حلَّل الظاهرة في المجتمع المغربي على النسخة المغربية من هاف بوست، والتحليل ينطبق على كل المجتمعات، إذ تنتشر الظاهرة بمصر وتركيا وبلدان أخرى.

يعتبر اللعاب بمثابة سائل بيولوجي تنتجه الغدد اللعابية في الفم، ويلعب دوراً مهماً في مكافحة الجراثيم وترطيب الفم والشعور بالراحة، وتسهيل عملية المضغ. كما يسهل اللعاب عملية تحرك اللسان من أجل التحدث بطلاقة. فلماذا إذن نقوم بهدر هذا السائل الثمين الذي تفرزه أجسامنا؟

في عالم الحيوانات، للعاب الدور ذاته تماماً مثل الإنسان. ولكن وبالنسبة لبعض الحيوانات، يحتوي اللعاب على سم يتم إلقاؤه على الفريسة أو العدو، بهدف الصيد أو الدفاع عن النفس.

عند وقوع تجاذبات بين الأشخاص، نلحظ قيام البعض بالبصق في وجه خصومهم أو على الأرض. فهل يمثل هذا السلوك وسيلةً من أجل ردع الأعداء؟

في بعض العائلات المغربية، تتواتر عبارة "يخ تفو"، وهي شتيمة، تعتمد غالباً عند احتدام الخلافات بين الأشخاص. ويعتبر التفوه بهذه العبارة بمثابة القيام بعملية البصق لكن شفهياً، وذلك من أجل التعبير عن الغضب والكراهية.

المثير للاستغراب أن الشخص يبصق في الطريق، وفي المقهى، وفي القطار، وفي الحافلة، وعبر زجاج السيارة، سواء كان وحده أو ضمن مجموعة، حتى وإن كان ليس مضطراً فعلاً للقيام بهذا الأمر، حيث لا يكون في الغالب في سياق عدواني.

لكن عندما يكون صاحب هذه العادة السيئة في منزله، يتمكن من السيطرة على نفسه، تماماً كما يقوم برمي النفايات على الأرض في الشارع، إلا أنه يمتنع عن ذلك داخل منزله، من تلقاء نفسه، من أجل المحافظة على نظافته، ولكن نادراً ما يلتزم بهذه الضوابط في الطريق.

خلال السنوات الأخيرة، بات المراهقون والشباب، سواء في الدول العربية أو الغربية، يبصقون في الشوارع بشكل متزايد. ويمكن أن يعزى ذلك إلى رغبتهم في تقليد لاعبي كرة القدم، الذين عادة ما يقومون بهذا الأمر دون توقف في خضم المباريات.

هذه المشاهد تنقلها القنوات التلفزيونية، دون أن تعتبر ذلك سلوكاً غير مسؤول. فهل يتبنى هؤلاء الشباب هذه الممارسة من أجل التشبه بنجوم الكرة؟ علماً أنه الدافع ذاته الذي يجعلهم يختارون قصات شعر غريبة.

المغربي يستخدم عبارة "تفو"، فيما يستخدم المصريون عبارة "اتفو" أو "هـ تفّ عليك"، التي تحمل معنى بصق اللعاب، وذلك بهدف التعبير عن الغضب.

ولكن ضدّ مَن هذا الغضب؟ إذا كان صاحب العادة غاضباً من وضعه، فما الذي يفعله لتغيير هذا الواقع؟ هل يجب أن تتدخل السلطات حتى يلتزم كل مواطن بالمحافظة على لعابه، وعدم قذفه في الشارع؟

في الواقع، يشعر صاحب هذه العادة، حسب المحلل النفسي بالغضب تجاه نفسه، ويرى في نفسه العدو الأول له، في حين لا يطيق ذاته. وربما يكون السبب وراء ذلك نشأته وتربيته التي تتسم بالعنف.

تبدو هذه الشخصية محطَّمة، وتفتقر إلى الثقة في النفس وتشعر بانعدام الأمان. وبالتالي يدافع عن نفسه من خلال إلقاء لعابه لإثناء العدو عن مهاجمته.

بالحديث عن النموذج المغربي، الذي حلل جواد مبروكي الظاهرة فيه، قال المحلل إن التعليم في المغرب يساهم، سواء كان في المنزل أو المدرسة، في تدمير شخصية الإنسان، ويجعلها شبه منعدمة، وذلك نتيجة الضغط المستمر على الطفل وإشعاره بعقدة الذنب، وتحميله مسؤولية كل الأخطاء التي تُرتكب.

وبالتالي، ينتهي الأمر بهذا الطفل عندما يكبر إلى الجنوح نحو العنف والعدوانية، كيف لا وقد دأب على سماع والديه يستخدمان عبارات البصق لشتمِه أو شتم الآخرين.

فضلاً عن ذلك، وفي كل عائلة، عادة ما يكون الطفل شاهداً على كيفية قيام والديه بالتقليل من شأن الآخرين، من خلال استخدام عبارة: "إنه لا يساوي بصقة".

نتيجة كل هذا، يتجذَّر سلوك البصق في وعي الطفل، ليشرع في ممارسة هذه العادة السيئة في كل مكان، من أجل تذكير نفسه بأنه "لا يساوي بصقة"، وفي الوقت ذاته إظهار الاحتقار تجاه الآخرين، وجعلهم يحسون بنفس شعوره. يقول مبروكي.

هذا الموضوع مترجم عن النسخة المغربية من هاف بوست. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا