نيويورك تايمز: "مذبحة الأمراء" تفتح الباب لاضطرابات سياسية في السعودية وقد تطيح بمشروع بن سلمان بأكمله

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

جمعت المملكة السعودية، قبل أسبوعين، فقط نخبة رجال الأعمال في العالم بالرياض، ووعدت بتدشين عصر جديدٍ للمملكة الغنية بالنفط، تسعى فيه إلى الاستثمار وتحقيق الأرباح عالمياً.

ولكن في وقتٍ متأخرٍ من يوم السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني، أظهرت المملكة وجهها القديم، المُتمثِّل في مؤامرات القصر، واعتقلت 4 وزراء و11 أميراً، بما في ذلك الأمير الوليد بن طلال، الملياردير الذي يُعد واحداً من أشهر المستثمرين في البلاد.

ويحاول الآن مستثمرون دوليون ورجال أعمال تفسير اللعبة التي جرت في السلطة، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.


توطيد للسلطة


وبالنسبة للبعض، تُبشِّر الاعتقالات بتوطيدٍ سريع للسلطة في ظل ولي العهد الإصلاحي، الشاب محمد بن سلمان، الذي يريد القفز بالبلاد إلى الحداثة.

وبهذه الطريقة، يُنظَر إلى الاعتقالات باعتبارها علامةً على أن ولي العهد سيكون قادراً على المضي قدماً بأجندةِ أعماله الاقتصادية الطموحة، بما في ذلك بيع أسهم من شركة النفط الحكومية العملاقة، "أرامكو".


انهيار للمشروع


وبالنسبة لآخرين، تُشير الاعتقالات إلى احتمال حدوث اضطرابات سياسية يمكن أن تؤدي إلى انهيار مشروعه بأكمله. فالمستثمرون الأجانب يتردَّدون في الدفع بأموالهم إلى بلدٍ يُعرَف بضعف سيادة القانون وسيطرة العائلة الحاكمة فيه على كل شيء.

وقال دراغان فوكوفيتش، رئيس شركة البحر المتوسط الدولية، وهي شركة خدمات نفطية تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "قد يكون لذلك عواقب جيدة على الاستقرار، أو ربما يحدث العكس تماماً. إنَّ ما يحدث خلف الكواليس هو محل شكوك، إنه مجتمع سري جداً".


وقت حرج


وقد جاءت الاعتقالات في وقت محرج للمملكة.

فقد دعا الأمير محمد مؤخراً أكثر من 3500 مستثمر ورئيس تنفيذي وقيادي لمنظمات غير حكومية إلى الرياض؛ وذلك لعقد مؤتمر لمدة 3 أيام يهدف إلى تعزيز فرص الاستثمار في المستقبل.

وقد وعد المسؤولون بأن الطرح العام الأوَّلي لشركة أرامكو الحكومية للنفط سوف يمضي قدماً، وأن صندوق الثروة السيادية سيكون قريباً من بين أغنى صناديق العالم السيادية بأصول تُقدَّر بأكثر من 400 مليار دولار بحلول عام 2020. وتعهَّدوا ببناء مدينة يوتيوبية عملاقة على امتداد الأراضي الصحراوية والتي من شأنها أن تجذب رؤوس الأموال والمواهب من جميع أنحاء العالم.

وأشاد بعض الحضور بطموحات ولي العهد الاقتصادية. وأشاروا إلى أن الطرح العام المبدئي المزمع لشركة أرامكو يمكن أن يوجه رأس المال الحكومي إلى الإنفاق على الاستثمار الحضري وتوفير الوظائف.

وقد تُشجِّع التغييرات الثقافية، مثل منح المرأة حق قيادة السيارات، الشركات الغربية على الاستثمار أو البدء في تدشين أعمالها بالسعودية.

وعلى الرغم من حسن النية، لم يؤيد هذه الجهود بالوقت والمال سوى القليلين. ومن شأن الاعتقالات التي جرت السبت الماضي أن تُعزِّز من هذا التردُّد. ومن الممكن أيضاً أن تتغيَّر بعض التصورات إذا أظهر محمد بن سلمان، في نهاية المطاف، التزاماً أكبر في تغيير هيكل البيروقراطية الملكية الراسخ.


مقامرة


وقال شريف سوكي، رئيس شركة "تيلوريان" للغاز الطبيعي المسال، التي تحاول الآن إجراء صفقات للطاقة مع المملكة: "أعتقد أن هذه الأحداث تُبطئ من وتيرة التغيير، ولكن إذا نجحت هذه المقامرة فسوف تساعد على المضي قدماً".

وفي حديثه عن ولي العهد محمد بن سلمان، قال: "بمجرد أن يُعزِّز سلطته، سيُحقِّق ما يريده، وهو تحديث البلاد والتوجُّه إلى الإسلام المعتدل، وهي أمورٌ جيدة. لكنها قد تُشكِّل خطراً كبيراً، وربما لن تُفلح في تحقيق مسعاها".

وحتى قبل الاعتقالات، لم يستقر المستثمرون تماماً على رؤية معينة للمملكة.


ترامب يمتدح


وفي تغريدةٍ للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل ساعاتٍ من الاعتقالات، قال إنَّه سيكون ممتناً في حال طُرِحَت أسهم "أرامكو" السعودية ببورصة نيويورك.

ويوصف طرح جزء من "أرامكو" للاكتتاب العام بأنه أكبر طرح في التاريخ، وإن كانت تقارير إعلامية ذات مصداقية تحدثت عن اتجاه السعودية لإتمام الصفقة مع الصين؛ بسبب مشاكل متعلقة بافتقاد الشركة الشفافية المطلوبة من قِبل أسواق المال ومخاوف من عدم وصولها للقيمة المبتغاة من السعوديين.

وقد امتدح قادة الأعمال المحليون والدوليون ولي العهد ووالده الملك سلمان؛ لوعودهم بعودة المملكة إلى نوعٍ من الاعتدال الديني الذي كان أكثر انتشاراً قبل فترة الاضطرابات الدينية والطائفية في عام 1979، عندما بدأت العائلة المالكة تعتمد على رجال الدين المحافظين لضمان الاستقرار.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن محمد بن سلمان كان لديه من الجرأة ما سمح له بمناهضة الشرطة الدينية والبدء في التراجع عن بعض السياسات الاجتماعية.

ولكن المملكة واجهت أيضاً اضطراباتٍ غير عادية، شملت إبعاد عدد من الأمراء، وحرباً مكلفةً في اليمن، ومواجهةً مع قطر. وقد أدى انخفاض أسعار النفط إلى تضخيم الضغوط المالية في المملكة. وقد اضطرت الحكومة إلى خفض المزايا المالية التي يحصل عليها الموظفون المدنيون الذين يتقاضون أجوراً مرتفعة.


فشل اقتصادي


ولا يزال هناك قدرٌ كبيرٌ من الشك في احتمالية فشل إعادة الهندسة الاقتصادية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الكثير من أفراد العائلة المالكة والحرس القديم قد كوَّنوا ثروةً من مدفوعات "أرامكو" السعودية التي تبقى سجلاتها بصورةٍ كبيرة بعيداً عن أعين العامة.

وهذا هو أحد أسباب الحديث المتزايد عن تحول السعوديين في نهاية المطاف إلى الصين، بدلاً من بورصة لندن أو نيويورك؛ وذلك للالتفاف على المنظمين الغربيين وزيادة رأس مال الشركة.

وقالت نانسي شميت، رئيسة شركة "توم سوك" للاستثمار، وهي شركة متخصصة في الطاقة ويقع مقرها بنيويورك: "لن يتمكَّنوا من جذب المستثمرين ما لم يقدموا سجلات مالية جرى تدقيقها وفقاً لمعايير المحاسبة الغربية. إذا كانت هذه خطوة للوصول إلى ذلك، فهذا أمرٌ جيد. لكنني لا أعرف ذلك؛ لأنني لا أستطيع قراءة مكائد القصر".

وتجعل الاعتقالات خلق مناخ صالح للأعمال أمراً صعباً.

وفُسِّرَت بعض الاعتقالات على أنها تعسفيةٌ ومقلقة. وكان من بين المسؤولين الذين اعتُقِلوا وزير المالية السابق إبراهيم العساف، عضو مجلس إدارة "أرامكو" السعودية. وبالإضافة إلى ذلك، أُقيل عادل فقيه من منصب وزير الاقتصاد السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو الذي صاغ في وقتٍ مبكر مشروع ولي العهد الإصلاحي. وقالت راشيل زيمبا، المديرة العامة للأسواق الناشئة في شركة روبيني العالمية للاقتصاد، وهي شركة أبحاث بنيويورك: "لا أعتقد أن الاعتقالات ترسل إشارةً جيدة للمستثمرين".


هل هناك علاقة بين "أرامكو" والاعتقالات؟


وهناك رأيٌ آخر بين قادة الأعمال والمحللين، يقول إن الاعتقالات كانت جزءاً من محاولة منع تعطيل الطرح العام لشركة أرامكو وغيرها من الإصلاحات.

ووفقاً لهذا الرأي، فإن هذه الأحداث تعد دليلاً على أن ولي العهد لديه القدرة على إنجاز أجندته.

وقال سعد الحسيني، نائب الرئيس التنفيذي السابق لشركة أرامكو: "هذا بالضبط هو التصميم والالتزام المطلوبان".

وكانت حليمة كروفت، رئيس استراتيجية السلع الأساسية في شركة "آر بي سي" لأسواق رأس المال، والتي حضرت مؤتمر الرياض، أكثر حذراً إلى حدٍ ما، وقالت متسائلةً: "هل من شأن ذلك تهديد صندوق المعاشات التقاعدية؟ أو هل يمكن بيع هذه الحصة لخلق الظروف اللازمة للنجاح؟ إنها لعبة عالية المخاطر".