المغرب يطلق نسخته من المشروعات القومية.. فايننشيال تايمز تكشف الثمن الذي يُدفع من أجل هذا التحديث

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

في وقت تبني مصر ما تقول إنها عاصمتها الإدارية الجديدة، وتخطط السعودية لإنشاء منطقة خيالية اطلقت عليها اسم نيوم، والتي تعج بالروبوتات، تكشِف لافتة خارج محطة السكة الحديد الرئيسية في الرباط عما يبدو أنه سيكون نسخة مغربية من حمّى المشروعات القومية التي تجتاح بعض بلدان المشرق العربي.

تظهر اللافتة كيف سيبدو المبنى الأبيض المُصمَّم على طراز أرت ديكو -الكبير والأحدث- عند انتهاء العمل الهندسي لخط القطار فائق السرعة في البلاد، بعد أن تأخَّر كثيراً.

ومن المُقرَّر أن تكون العاصمة المغربية، الرباط، إحدى محطات خط القطار السريع، المُتوقَّع الانتهاء منه العام المقبل 2018، ويُعدُّ الأول من نوعه في إفريقيا، والذي تنفِّذه الحكومة بتكلفة ملياري دولار بدعمٍ ماليٍ من فرنسا ودول الخليج، حسب تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز الأميركية.

وسيُوفِّر الخط طريقاً عالي السرعة رابطاً بين الدار البيضاء، المركز الاقتصادي الرئيسي في المملكة والتي تقع جنوب العاصمة الرباط، ومدينة طنجة الساحلية الواقعة على مضيق جبل طارق، التي تُعد القاعدة الرئيسية لقطاع صناعة السيارات المُتوسِّع. وستخفض القطارات، التي تسافر بسرعة أكثر 200 ميل في الساعة وقت الرحلة بأكثر من النصف، لتصبح أكثر قليلاً فقط من ساعتين.


برنامج ضخم ورفاهية


وتحت حكم الملك محمد السادس، يشارك المغرب في برنامجٍ ضخم للإصلاح الشامل لبنيته التحتية، التي تشمل الطرق، والمطارات، والمتاحف، والإسكان الاجتماعي، والمناطق الصناعية، والاستثمار في مجال الطاقة المُتجدِّدة. ويهدف البرنامج إلى إنعاش قطاع السياحة، وزيادة الصادرات وتنويع اقتصادٍ لا يزال يعتمد بشدة على الزراعة، التى تُعتَبَر رهينة تقلُّبات الأمطار السنوية.

وانتقد ناشطون مشروع القطار، باعتباره نوعاً من الرفاهية التى يُمكِن للمغرب الاستغناء عنه، وجادلوا بأنَّه سيكون من الأفضل إنفاق الأموال على مدارس جديدة، أو على المبادرات الأخرى التي تستهدف الفقر والمناطق الريفية.


رخاء المناطق الساحلية


وشكا البعض أنَّ "المغرب يسمح لقطاع بالنمو أكثر على حساب قطاع آخر"، إذ إنَّ الرخاء والتطور مُركَّزَين في المناطق الساحلية بين الدار البيضاء وطنجة، بينما تتحرَّك باقي المناطق في المملكة ببطء.

ولكن مدافعين عن المشروع يقولون إنَّ تطوير خط القطار والمشروعات الحكومية الأخرى ستساعد في خلق فرصٍ استثمارية ووظائف، وبالتالي من شأنها أن تُحسِّن الحياة للفقراء.

ويقول المُتحدِّث باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي: "إنَّ مثل مشروعات البنية التحتية تلك، تعمل على جذب استثمارٍ أكثر. وإنَّ الناس يتشكَّكون في هذه المشروعات بسبب أنَّ العائد الفوري قد لا يكون واضحاً بالنسبة لهم، ولكنَّها في الواقع تدعم الخطط الاقتصادية الكبرى الأخرى، مثل صناعة السيارات، التي تعتبر الآن أكبر قطاع مُصدِّر في البلاد".

ولكن حتى مع مواصلة برنامج التحديث، فإنَّ النقاد اشتكوا من قلة المناقشات حول الأولويات، في وقتٍ تتوقَّف فيه الإصلاحات السياسية وتقبع فيه حرية الصحافة تحت ضغوط.


مصير مصر وتونس


وعلى خلاف جيرانه الإقليميين مثل مصر، وتونس، وليبيا، فقد تجنَّبَ المغرب اضطراباً واسع النطاق في أعقاب الربيع العربي عام 2011. وبدأت المملكة في إجراء إصلاحاتٍ، رداً على الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد. ونجم عن هذه الإصلاحات تعديلاتٌ دستورية تخلَّى فيها الملك عن بعض السلطات للبرلمان ولحكومة مُنتَخَبَة يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل منذ عام 2011.

لكنَّ بعض النقاد الآن يُدينون تباطؤ عملية الإصلاحات السياسية، هذا التباطؤ الذي نتج عنه مؤسسات مُنتَخَبَة هشَّة وضعيفة.

ويقول عمر هياني، وهو عضوٌ في المجلس المحلي في الرباط، والذي يُمثِّل تحالفاً للأحزاب اليسارية: "هناك شعورٌ شائعٌ بأنَّ حالة التحرُّر السياسي كانت فترة فاصلة دامت لعام أو عامين، وقد انتهت الآن".

وظهر حزب العدالة والتنمية مرةً أخرى بصفته أكبر حزب في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2016، لكن عندما حاول عبد الإله بنكيران، رئيس الوزراء السابق، تكوين ائتلاف مع أحزاب مقربة من العائلة المالكة، واجه مأزقاً لمدة ستة أشهر.

وكان الملك محمد قد جاء بسعد الدين العثماني بدلاً منه، في مارس/آذار 2017، وهو مسؤولٌ آخر في حزب العدالة والتنمية، نجح في تشكيل الحكومة بعد الموافقة على إدراج حزب كان بنكيران قد رفضه. وهو يرأس الآن تحالفاً سياسياً ثقيلاً، جرى فيه تخفيف نفوذ حزب العدالة والتنمية.


كيف انعكس انهيار الربيع العربي على المغرب؟


يقول محمد مصباح، وهو مُحلِّل وزميلٌ مُشارِك في معهد تشاتام هاوس بلندن: "هناك تراجع في الديمقراطية في المنطقة العربية، لذا لم يكن هناك حافزٌ للنظام لتنفيذ الإصلاحات".

وأضاف: "أعتقد أنَّ النظام رأى أيضاً أنَّ الانفتاح سيؤدي إلى استمرار قوة حزب العدالة والتنمية، وأنَّ الإسلاميين سيتفوَّقون على الأحزاب التي تدعمها الدولة".

ويقول مُحلِّلون إنَّ اندلاع احتجاجات كبيرة هذا الصيف في ميناء الحسيمة المُطِل على البحر المتوسط في منطقة الريف الشمالية، أكَّدَ على عجزِ النظام السياسي عن الاستجابة بصورةٍ مناسبة لمظالم المواطنين الساخطين. وقد هُمِّشَت المنطقة على مدار عقودٍ في عهد الملك الحسن الثاني، والد الملك الحالي، الذي توفي في عام 1999. ووضع الملك محمد المصالحة مع المنطقة ضمن أولوياته، لكن مع ذلك، يبدو أنَّ مجموعة كبيرة من الاستثمارات الحكومية التي وعد بتنفيذها في عام 2015 لم تتحقق.

وكان الغضب قد بدأ في الاندلاع في الحسيمة، في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عندما سُحِقَ صيادٌ محلي حتى الموت، بعدما قفز إلى مكبس القمامة لاسترداد ما اصطاده من سمك أبو سيف، الذي صادره أفراد أمن، لأنه قد حصل عليه بطريقة غير قانونية، وتبع ذلك شهورٌ من التظاهرات التي مثَّلَت أسوأ اضطراباتٍ في البلاد منذ عام 2011.

وتصدَّرَت حركةٌ شكَّلَها مواطنون محليون تسمى "الحراك الشعبي" الاحتجاجات، وأوضحت أنَّها لا تثق في الحكومة.

وفي مايو/أيار 2017، اعتقلت السلطات ناصر الزفزافي، زعيم الحركة، وعشرات آخرين. ولا يزال نحو 180 شخصاً مُحتَجَزين، فيما يواجه الزفزافي اتهاماتٍ خطيرة بتقويض أمن الدولة، في حين لا تزال الحسيمة تقبع في ظلِّ تواجدٍ أمني مكثف.

لكن الملك محمد السادس أقال فى الأيام الأخيرة ثلاثة وزراء، بعد إجراء تحقيق في تأجيل إطلاق مشاريع الحسيمة. إنَّ الجمع بين القسوة تجاه المتظاهرين والاعتراف بالمظالم، كما يقول مصباح، قد لا يكون كافياً.

حسب التقرير: "فإن النظام بالمغرب غير ديمقراطي، لكن هناك أيضاً درجة من المرونة. ومع ذلك، فإنَّ مطالب الناس وتوقعاتهم الآن أعلى بكثير، إنَّهم لا يقارنون وضعهم بليبيا أو سوريا، لكن بأوروبا".

وطلب الملك في أكتوبر/تشرين الأول 2017 "مراجعةً لنموذج التنمية" لتضييق الفوارق بين المناطق. وفي الوقت نفسه، يمكن للسلطات المغربية أن تشجعها الأرقام الاقتصادية التي تحسَّنَت هذا العام شيئاً ما. وساعدت الأمطار الغزيرة على انتعاش القطاع الزراعي بعد الجفاف الذي تعرَّض له العام الماضي، فيما ازداد عدد السُّيَّاح الوافدين.

يقول جيسون توفي، وهو خبير اقتصادي في مؤسسة "كابيتال إكونوميكس"، وهي شركة استشارية مقرها لندن: "مقارنةً بمصر وتونس، حقَّقَت الحكومة المغربية تقدماً أكبر فيما يتعلَّق بالإصلاحات الاقتصادية". ويضيف: "لا تزال البطالة مرتفعة، لكننا نأمل أن تبدأ في الانخفاض على مدار العقدين المقبلين".