قد لا تحتاج لرؤية الطبيب أو الاستعانة بالشرطة.. الذكاء الصناعي سيغير حياتك قريباً واستمرار جوجل أصبح خطراً

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

لم يعد هذا مجرد خيال، فقد أثبتت تجارب واقعية أن الذكاء الصناعي قد يكون أكثر دقة في التشخيص من الأطباء، وأكثر مهارة في التنبؤ بالجريمة من رجال الشرطة المخضرمين، بل أقوى ملاحظة من المحللين النفسيين.

تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية عرض المجالات التي بدأ يتوغل بها الذكاء الصناعي، وآثاره الثورية على حياتنا، والنتائج السلبية في الوقت ذاته التي يخشاها البعض من هذا الأمر. يرصد التقرير الدور الهائل الذي بدأ يقوم به الذكاء الصناعي في مجال الطب على سبيل المثال.

فمع تقدم متوسط عمر السكان البريطانيين، من المتوقع أن تزداد أعداد مرضى العيون زيادةً قدرها 50-300%.

ويقول بينغ تي خاو، وهو جراح استشاري في طب العيون: "لدينا أعداد هائلة من المرضى، ونستطيع بالكاد التعامل معهم. علينا أن ننظر إلى سبل جديدة للتعامل مع هذه القضية".

حين يصل مريضٌ إلى مستشفى مورفيلدز، يُجرِي الأطباء على الأرجح مسحاً على العين لالتقاط شريحة عرضية ثلاثية الأبعاد من شبكية عين الشخص. وصحيحٌ أنَّ الصور الناتجة من المسح تكون معقدة وجميلة، ولكنَّها كثيراً ما تُخفي علاماتٍ غامضةً لأمراض العين.

ويتطلب الأمر اختصاصياً خبيراً في علم الأمراض لتحديد الأشياء الشاذة، وماهية العلاج اللازم ومدى سرعة الحاجة إليه.

وهذه العملية ليست سريعة، ولكنَّ الذكاء الاصطناعي على وشك تغيير ذلك. فبالتعاون مع شركة "ديب مايند" للذكاء الاصطناعي التابعة لشركة جوجل، درَّب الأطباء في مستشفى مورفيلدز جهازاً يعمل بالذكاء الاصطناعي على فحص مليون مسحٍ عيني لمرضى حُجِبَت هوياتهم، يمرون بمراحل مختلفة من مرض الضمور البقعي المرتبط بالعمر، حسب تقرير الغارديان.

ويتمثل الأمل من هذه التجربة في أن يتعلم الذكاء الاصطناعي تحديد علامات المرض المُبكِّرة، وتقديم تشخيص في نهاية المطاف.

وقال خاو: "إذا كان أداؤه دقيقاً كالبشر، يُمكن حينئذٍ أداء عملية تشخيص المرض، وفهم ما يجب فعله فوراً وعلى نحوٍ جيد".

وأضاف خاو أنَّ ذلك يُمكنه إحداث فارقٍ هائلٍ لمرضى مستشفى مورفيلدز، ففي بعض الحالات، قد يُنقِذ العلاج المبكر حاسة البصر. مضيفاً أنَّ النتائج التي ظهرت حتى الآن مُبشِّرة، ويمكن بدء تجربة سريرية رسمية في وقتٍ قريب كبداية العام المقبل، 2018.


تهديد للخصوصية


لا يُمثِّل مشروع مورفيلدز سوى غيضٍ من فيض من المجالات التي يبرز فيها تأثير الذكاء الاصطناعي؛ إذ صارت التكنولوجيا تُدمَج في نسيج الحياة لمساعدة الناس على التواصل، والسفر، ومقابلة شركائهم، والحصول على القروض. وذلك فضلاً عن استهداف العملاء لزيادة المبيعات، ومراقبة الموظفين لرصد السلوكيات المشبوهة.

وفي الوقت نفسه، تساعد في خدمات الطوارئ، وأعمال الاختصاصيين الاجتماعيين، والمخططين العمرانيين. وعلى الرغم من كل فوائدها المحتملة، يُحذِّر نقادٌ من أن الانتشار السريع لهذه التكنولوجيا القوية يُشكِّل تهديداً جديداً لبعض حقوق الإنسان الأساسية، والخصوصية، والمجتمع بوجهٍ عام.

إذ يقول كريغ فاغان، وهو مدير السياسات في مؤسسة تيم بيرنرز لي للإنترنت: "ثمة معايير معينة يجب تلبيتها لكي تسير هذه التكنولوجيا على ما يرام. إذ يتعين على الشركات التأكد من أنَّ ما تستخدمه لا يسبب ضرراً اجتماعياً".


أدق من الأطباء


ومن المتوقع أن يصبح الطب في صدارة المجالات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي. إذ يُمكن للذكاء الاصطناعي تشخيص الأمراض من مجموعة علاماتٍ من الأعراض، والأنماط الغريبة في تحليلات الدم، والإشارات الشاذة التي تظهر في الخلايا مع بداية ازدياد قوة المرض.

ووجد الباحثون مراراً وتكراراً أنَّ هناك أنظمة ذكاء اصطناعي تكتشف علاماتٍ مرضية مجهولة بالنسبة للأطباء، مما يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أدق في نتائجها.

وفي وقتٍ سابقٍ من العام الجاري، 2017، جرَّب باحثون في جامعة نوتنغهام العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بأزمة قلبية، ووجدوا أن أداء جميع هذه الأنظمة أفضل من الأطباء.

واستطاعت أنظمة أخرى للذكاء الاصطناعي في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأميركية تعلُّم اكتشاف سرطان الثدي في العينات النسيجية. وعادةً ما يتمكن علماء الأمراض من تشخيصها بعد فحص بضع سمات نسيجية، ولكنَّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تفوقت على المتخصصين في السرطان بدراسة أكثر من 6000 عامل.


العلاج النفسي


وعلى صعيدٍ آخر، فقد بدأ باحثون في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية كذلك. إذ تُجرِّب شركة كوغيتو، التي يقع مقرها في مدينة بوسطن الأميركية، تطبيقاً من تطبيقات الهاتف المحمول يرصد نغمة صوت الشخص لاكتشاف التغيرات المزاجية التي يمكن أن تُشير إلى إصابته بنوبة اكتئاب.

وفي الصين، يريد بعض الباحثين تحديد الأشخاص المُعرَّضين لخطر الانتحار من خلال منشوراتهم على موقع سينا ويبو، وهو موقع لنشر المدونات الصغيرة على غرار موقع تويتر.

وتُعَد أنظمة العلاج ممهدة كذلك لثورةٍ وقودها الذكاء الاصطناعي، إذ يُمكن للخوارزميات المُدرَّبة على فحص أكوامٍ من السجلات الطبية أن تُرشد الأطباء إلى الأدوية الأكثر فاعلية بالنسبة للمرضى، مع الأخذ بعين الاعتبار تكوينهم الوراثي، وظروفهم الأخرى. ويعتمد نجاح هذه الطريقة الآن على إيجاد طرق فعالة لتبادل بيانات المرضى دون تهديد الخصوصية.

واقترح أحد تقارير حكومة المملكة المتحدة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، إنشاء "صناديق بيانات" من شأنها أن تُمكِّن هيئة الخدمات الصحية الوطنية بالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، من تبادل معلوماتٍ حساسة بطريقةٍ آمنة.

وإذا جرى تحقيق ذلك على الوجه الأمثل، ستتمكن هذه الصناديق على الأرجح من منع الاستخدامات غير المشروعة للبيانات، كما حدث حين شارك مستشفى رويال فري في العاصمة البريطانية لندن السجلات الصحية الخاصة بـ1.6 مليون مريض، دون حجب هوياتهم مع شركة ديب مايند لأجل مشروع الذكاء الاصطناعي الخاص بها.


خطر جوجل


ويخشى توبي والش، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة نيو ساوث ويلز، ومؤلف كتاب جديد عن الذكاء الاصطناعي بعنوان Android Dreams، من إمكانية امتلاك بعض شركات التكنولوجيا العملاقة لزمام صحتنا وبياناتنا الأخرى، مما يمنحها سيطرة هائلة على حياتنا.

وقال والش: "سيبدو الوضع مثل رواية 1984، ولكنَّ المسؤولية لن تكون في أيدي حكومةٍ، بل شركة، والشركات أقل مسؤولية من الحكومات. وفي غضون 10 أعوامٍ أو 20 عاماً، إذا لم تُقسَّم جوجل إلى أجزاء منفصلة، ​​سأكون قلقاً للغاية حيال مستقبل الديمقراطية".

ستصل الطفرة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى ما هو أبعد من الطب. إذ زاد استخدام تجار التجزئة عبر الإنترنت للذكاء الاصطناعي من أجل تحقيق أكبر قدر من المبيعات، فضلاً عن استخدام بعض مواقع المواعدة الإلكترونية للتكنولوجيا، لتوصيل الأشخاص بشركاءٍ مناسبين، وهناك مدنٌ مثل مدينة مانشستر البريطانية تستخدم إشارات مرور خاضعة لتحكُّم الذكاء الاصطناعي لتخفيف الازدحام والحد من تلوث الهواء.


التنبؤ بالجريمة


ويساعد الذكاء الاصطناعي الشرطة بالفعل في علاج مشكلة الجرائم. وتُعَد شرطة مقاطعة كِنت البريطانية رائدةً في مجال نشاطات حفظ الأمن التنبؤية في بريطانيا. فبعد تجربة أداة بريدبول، وهي منتج تجاري أميركي، واعتمادها في عام 2013، اكتسبت قوة الشرطة خبرةً أكثر من معظم دوائر الشرطة الأخرى.

وبعدما كانوا متشككين في البداية، قدم الضباط الأداة بعد تجربةٍ كشفت أن بريدبول أفضل من مُحلِّلي الشرطة بنسبة 60% في اكتشاف الأماكن المحتملة لوقوع الجرائم. وقال جون سوتون، وهو رئيس إدارة التحول والأداء والتحليل في شرطة كِنت: "لم يكن بإمكاننا فعل شيء أدق من ذلك".

تستخدم أداة بريدبول الذكاء الاصطناعي لمعرفة أنماط الجريمة من السجلات التاريخية. ودُرِّبَت الأداة باستخدام بيانات الجرائم التي حدثت في خمس سنوات، ويجري حاليَّاً تحديث هذه الخوارزمية يومياً بأحدث ثلاث سنواتٍ من سجلات الشرطة.

وبعد تحليل البيانات، يُنتج نظام بريدبول قائمةً يومية مكونة من 180 منطقة ساخنة، تبلغ مساحة كل واحدةٍ منها 250 ألف قدم مربعة (0.02 كم مربع)، تزداد فيها احتمالية وقوع الجرائم طبقاً لتوقعاته.

نحو 80% من هذه المناطق لا تتغير أبداً، فبعض المناطق تجتذب الجرائم بنسبة أكبر من غيرها دائماً. ولكنَّ بقية المناطق تتغير وفقاً للأنماط التي عرفها نظام بريدبول من بيانات الجرائم التي تدرَّب عليها.

وتتسم بعض الأنماط بالوضوح، وتتبع تغير التوقيت اليومي أو المواسم. فأكثر المشاجرات تقع بالقرب من الحانات والنوادي ليلاً، وتقع حوادث أكثر حول شواطئ كنت في ذروة الصيف. وبعضها الآخر أكثر دقة وغموضاً، ويعكس توجهاتٍ معينة في الجرائم، وتحركات العصابات، أو نقاط الضعف الجديدة في أحياء محددة.

تُغطي المناطق الساخنة الخاصة بنظام بريدبول نحو 0.1% من إجمالي مساحة مُقاطعة كِنت، ولكنَّ هذه المناطق تشهد وقوع نحو 17% من الجرائم، و21% من السلوكيات المعادية للمجتمع.

ولا يُرسل الضباط لتغطية جميع المناطق الساخنة. ولكن تتلقى الشرطة، ومعها ضباط الدعم المجتمعي والمواطنون ممن يشاركون في أنشطة مراقبة الأحياء، معلوماتٍ عن هذه المواقع، وتُجري دورياتٍ في المنطقة حين تستطيع ذلك.

وقال سوتون: "إنَّه واحدٌ ضمن عدة أدواتٍ لمنع الجريمة، ولكنَّ ضباطنا اعتقلوا مجرمين في مناطق يقولون إنَّهم لم يكونوا ليتواجدوا فيها لولا بريدبول. ونحن لا نراه كترياقٍ سحري. فهو لا يحل محل المهارات، والمعرفة، والخبرة".


انتقادات


ومع ذلك، فهناك من ينتقدون عمليات حفظ الأمن التنبؤية. إذ وجدت دراسةٌ أجريت مؤخراً في جامعة يوتا أن هذه الأدوات قد تؤدي إلى دوائر مغلقة من المعلومات والتغذية الراجعة، يُرسَل بسببها الضباط إلى الأحياء نفسها، التي غالباً ما تكون فقيرة، مراراً وتكراراً.

تنشأ المشكلة حين تعتقل الشرطة مجرمين في منطقةٍ ساخنة، مما يدفع البرنامج إلى تصنيف المنطقة على أنَّها أكثر عُرضة لخطر وقوع جرائم في المستقبل، ومن ثَمَّ يرسل المزيد من رجال الشرطة إليها في اليوم التالي، بغضِّ النظر عن معدل الجريمة الحقيقي.

ووفقاً لمراجعة الحكومة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، فإنَّ زيادة معدلات انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي قد وضعتنا على عتبة بداية حقبة جديدة تحمل تأثيراتٍ عميقة على المجتمع والاقتصاد.

وقالت ويندي هال، وهي أحد من ساهموا في إعداد التقرير: "ربما تتحسن جودة الحياة للغاية. وبالنسبة لحل المشكلات الكبيرة بدءاً من التغير المناخي إلى إمدادات الطاقة، ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يكون قادراً على المساعدة".