سر العلاقة بين "المواعدة الحلال" وداعش.. بريطانيا تفحص سجلات موقع يضم مليون مسلم ويغير حياتهم الرومانسية

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

كان دافع أديم يونس لإنشاء موقع SingleMuslim.com غريباً، إذ يقول أديم: "حرفياً كنت أعود إلى المنزل وأجد صورةً كبيرةً لبنت عمي الكبرى في باكستان واقفةً أمام الموقد. كانت أمي تقول لي إنها بارعةٌ في إعداد الكعك الهندي (تشاباتيس) وغير ذلك. القصد هنا، أننا لا بد أن نتزوَّج".

قبل 17 عاماً كان يبلغ أديم عشرين عاماً، وكان يدرس التصميم في كلية ويكفيلد، الواقعة غربي مقاطعة يوركشاير في بريطانيا، مع شغفٍ شديدٍ بتكنولوجيا المعلومات. وبالإضافة إلى حبه لأن يكون هو مدير نفسه، ولكن كانت لديه هذه الحاجة الشخصية مُلِحَّةً لإنشاء الموقع أن يتزوج بطريقته وليس بطريقة أبيه وأجداده، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.


بشكل قسري


استقر جد يونس في يوركشاير بعد أن حارب في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، ورتَّبَ لزواج ابنته من أبي يونس، ابن عمها الأكبر. وكان من المُفتَرَض أن يفعل يونس ذلك أيضاً.

وحين قال إنه يريد أن يسلك طريقاً مختلفاً، يحكي يونس أن أمه سألته بقلق: "إن لم تتزوَّج ابنة عمك، فمن ستتزوَّج إذاً؟". ولأنه شابٌّ مُسلِمٌ محترم يرغب في الزواج، وجد أنه ليس الوحيد الذي يُطرح عليه هذا السؤال. فقال: "كان ذلك في وقتٍ تجري فيه الزيجات بشكلٍ قسري ومُرَتَّب، وكان هذا سبباً أساسياً في نشوءِ حالةٍ من التوتُّر والاضطراب. آمنت أننا نستطيع أن نعالج الكثير من تلك المشكلات إذا أعطينا الناس خياراتٍ أكثر".

كان يونس يعمل بدوامٍ جزئي في محل بيتزا بوسط ويست غيت، حيث يبدأ الزحف التقليدي إلى حانات ويكفيلد ليلة كل سبت. وفي مقابل نوبتين إضافيتين، استطاع أن يُقنِع مديره بإعطائه مكتباً فوق المطعم. وهناك أسَّسَ مع صديقه موقعاً بدائياً لزواج المسلمين. حصلوا على أول اشتراك في الموقع على الفور بمجرد إعلانهم عنه. وبدأ الموقع في الازدهار ببطء عن طريق النقل شفاهيةً داخل مجتمعات الطلاب في الأغلب. وخلال المسيرات ضد غزو العراق، بدأ يونس يصرخ بشعاراتِ "اصنعوا الحب، لا الحرب"، ويُوزِّع منشوراتٍ تتحدَّث عن الموقع لكل مسلمٍ يصادفه.

ومنذ ذلك الحين، نما موقعه ليصبح الأشهر في سوقٍ شديدِ التنافس.


لماذا حقق هذا النجاح؟


يقول الرئيس التنفيذي للعمليات في الشركة، ماليك خان: "الطلب مرتفع بشدة". ويعتقد خان أن ذلك مدفوع بحقيقة أن في المجتمعات الغربية تجري المواعدة غالباً في الحانات والنوادي الليلية، مما يُضيِّق المجال على المسلم الملتزم في لقاء شريكه المستقبلي.

ويفخر الموقع البريطاني باشتراك ما يقرب من مليون مستخدم بريطاني نشط، بينما تتوسَّع الشركة عالمياً (تشير تحليلات معدل الزيارات أن الموقع يحظى بما يقرب من 1.4 مليون مشاهدة شهرياً). ولأنه موقعُ زواجٍ وليس مُجرَّد موقع تعارف، فإن ذلك يشير إلى معدل نجاحٍ مرتفع. وتم حتى الآن ما يقرب من 50 ألف زيجة من خلال الموقع، ولا يزال العدُّ مستمراً.

على بُعدِ نصف ميلٍ تقريباً من مطعم البيتزا، احتل مقر الشركة ثلاثة طوابق من مبنى مدني كبير على الطراز الفيكتوري مواجهٍ لقاعةِ ويكفيلد الشهيرة. وبلغ عدد الموظفين أكثر من 30 شخصاً. قال خان: "عندما يأتي الناس إلى هنا، يتوقَّعون لقاء ثلاثة شباب مسلمين تقليديين". في ظهر يوم الجمعة، يختفي نصف عدد الموظفين للصلاة، بينما يهرع الباقون إلى الحانة.

وقد مَكَّنَت البيانات الغنية، التي تمثل إحدى نتائج موقع الشركة، يونس من إنشاء مشاريع أخرى، أشهرها هي الجمعية الخيرية الإنسانية Penny Appeal، التي جمعت في العام الماضي أكثر من 18 مليون دولار، أغلبها من أعضاء موقع الزواج. وتعمل الجمعية الآن في جهود الإغاثة ضد الكوارث، من حريق برج غرينفل إلى حادث التصادم في هايتي. وبالمشاركة مع رائد الأعمال ونجم مسلسل Dragons’ Den السابق، جيمس كان، سيطلق يونس صندوقاً بميزانيةٍ تُقدَّر بنحو 2.5 مليون دولار، مما سيُوفِّر رأسمال أوَّلياً للمشاريع المُتخصِّصَة في مجالات التقنية.

وفي يوليو/تموز الماضي، حصل يونس على لقب مدير شباب يوركشاير والشمال الشرقي لهذا العام من قبل مركز المديرين في لندن، بريطانيا، نظير عمله في جمعية Penny Appeal.


داعش


ولكن، فجأة جاءت أبرز العناوين الصحفية الأسبوع الماضي لتحمل اسم موقع SingleMuslim.com، للأسف، بسبب محاكمة زوجين مُتَّهَمَين بالتخطيط لهجوم لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بقنبلةٍ منزليةِ الصنع.

واستمعت المحكمة الجنائية المركزية في إنكلترا يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين لمزاعم تفيد بأن منير محمد، وهو بريطاني من أصول سودانية يعيش في ديربي، قد جنَّدَ رويدا الحسن، وهي خريجةٌ دَرَسَت الصيدلة بكلية لندن الجامعية، لمعرفتها بالمواد الكيميائية اللازمة لصنع متفجرات.

التقى الزوجان على موقع SingleMuslim.com، كما ذُكِرَ في المحكمة وفي أوراق الزواج.

وعلى الموقع، قال منير محمد عن نفسه، إنه يبحث عن زوجةٍ وشريكةٍ يبدأ معها حياته العائلية. بينما أشارت رويدا في ملفها الشخصي إلى أنها تحمل درجة الماجستير في الصيدلة، وقالت: "أنا أبحث عن رجلٍ بسيطٍ للغاية وصادق ومستقيم، ويخشى الله قبل أن يفعل أي شيء". بعد أن ارتبطا عبر الموقع، استطاعا التواصل بشكلٍ مباشرٍ عبر تطبيق Whatsapp بين عامي 2015-2016، بحسب هيئة المُحلِّفين.


ماذا فعلت الشرطة مع الموقع؟


وعلم خان ويونس منذ فترة أن القضية كانت في طريقها إلى المحكمة. وبعد القبض على محمد ورويدا، طلبت الشرطة الاطلاع على سجل علاقتهما في الشركة. قال خان: "بالتأكيد طبعنا كل تسجيلات الدخول والرسائل الخاصة بهما. كان سلوكهما طبيعياً على الموقع. لقد تبادلا بعض رسائل الحب، ثم تبادلا عناوين Whatsapp. هذا كل ما في الأمر".

وقال يونس: "إن القضية هي آخر ما نحتاج إليه". لقد فعلوا كل شيء، كما يدعون، لمنع مثل هذا النوع من العلاقات المُتطرِّفة. وقال خان: "لا يمكنك مشاركة الفيديوهات أو الروابط الخارجية". وإذا جاء طلب اشتراك من دول غير مستقرة -اليمن أو نيجيريا على سبيل المثال- فإنه يُحجَب للفحص.

ويدفع مشتركو SingleMuslim.com نحو 40 دولاراً شهرياً (أو نحو 160 دولاراً سنوياً)، ويُؤكِّد خان أن الكثير من هذا المال يُستَثمَر في جعلِ المنصة مكاناً آمناً. فقال: "لا يمكنك حتى أن تتوعَّد شخصاً على موقعنا. نحن نلجأ لجعل كل شيء أوتوماتيكياً قدر الإمكان. ولكن إن ظهر شيء مشكوكٌ فيه، سنتدخَّل دائماً لفحصه بأنفسنا".

وفي كل مرة يحدث هجوم إرهابي في أوروبا -بعد الأعمال الوحشية في لندن ومانشستر هذا الصيف على سبيل المثال- يُقصَف الموقع من قِبَلِ ما يُعرَف بـ"الحسابات الثملة"، بحسب تعبير خان. كما تنهال الرسائل المليئة بالكراهية على مستخدمي الموقع، فضلاً عن الهجمات الإلكترونية الأكثر تنظيماً. تُصفَّى أكثر تلك الرسائل، ولكنهم يتذرَّعون بالقوة البشرية لتعديل الموقع والتأكُّد من بقائه "نظيفاً".

هل يتخيَّلون أن الأمن سيوليهم الكثير من الانتباه الآن؟

وعقَّبَ خان قائلاً: "لا مشكلة لدينا في مساعدة الشرطة في أي طلبات لها".

وأضاف: "ولكنهم نادراً ما يتواصلون معنا. كانت هناك في السابق قضايا قليلة مُتعلِّقة بالهجرة، طلبوا منا تزويدهم بمعلوماتٍ بشأنها. ومن ثم نشارك المعلومات الاستخباراتية من حيث مرسلي الرسائل غير المرغوب فيها والمحتالين".


تهديدات بالقتل


وعندما أسَّسَ يونس موقعه رسمياً، ظهرت المشكلات من قبل الأصوليين. فقال يونس: "لقد تلقينا تهديداتٍ بالقتل في ذلك اليوم. كلها من قراصنةٍ مجهولين. ذهبوا جميعاً إلى مثل: "حرام أن تضع صورة امرأة". لقد رأى الناس أخواتهم على موقعنا".

لم يكن يونس مستقراً. يقول إنه لم يعد يسمع صوتَ أيٍّ ممن كانوا يعارضونه، لأنه يعتقد ببساطة أن "كل شخصٍ يعرف شخصاً آخر ساعده الموقع"، بحسب تعبيره.

بعد تأسيسه الموقع بوقت قصير، دعته سيدةٌ كبيرةٌ ذات شأنٍ في المجتمع المسلم لمنزلها لمقابلته. وبمُجرَّد أن جلس على أريكتها بدأت في انتقاد موقعه. وبعد مرور ستة أشهر، بحسب يونس، دعته نفس السيدة مرة أخرى، ولكنها قدمت له الشاي والكعك هذه المرة، وقالت له: "يونس، أنت لديك تلك الآلة، ولدينا أخ في دائرتنا ربما يمكنك مساعدته". وقال يونس: "بعد ستة أشهر، كان ذلك الشاب متزوجاً".

ليس عليك أن تقضي وقتاً طويلاً على SingleMuslim.com لتدرك أنه ليس مثل موقع Tinder. يطلب منك الموقع أثناء إنشاء الملف الشخصي بعض الخيارات، مثل مدى تديُّنك (متدين جداً/متدين بعض الشيء/أُفضِّل ألا أقول)، وطائفتك (شيعي/سني/فقط مسلم)، وتفضيلات المظهر (حجاب؟ لحية؟).


من أين جاء اسم المواعدة الحلال؟


يقول يونس: "ما لا نُقدِّمه هو خدمات المواعدة السريعة". ويضيف: "يطلق الناس عليها "المواعدة الحلال" وهذا حسن. وتعني "حلال" أن تكون صحيحاً وحقيقياً في إيمانك".

ويشرح خان أن نحو 10% من المستخدمين يشتركون كأسرة. في تلك الحالات، تستخدم الأمهات أو الجدات الموقع للتوفيق بين الأزواج. ومع ذلك، فإن الشركة، في الغالب، تزيد الفرصة لتوسيع نطاق هذا البحث إلى أقصى حد ممكن.

وتُسلِّط دراسات الحالة على الموقع الضوءَ على الأزواج الذين تجاوزوا العقبات العرقية والقومية ليتزوَّجوا. قال يونس: "لسنا مثل SingleShia.com أو SinglePakistanimuslim.com. هناك سلطة قوية في هذا، ونُصرُّ على أن يظهر الوجه كاملاً في الصور".

ويقول خان: "لا تلج النساء المنتقبات إلى معارض الصور في موقعنا. لا منطق في وضع صورة لا يظهر منها إلا العينان".

وفي غرفةِ اجتماعاتهم، هناك جدارٌ تغطيه أزهارٌ بيضاء ناعمة يعج بإطاراتِ صورِ أزواجٍ سعداء. صورة يونس فقط هي الغائبة عن الجدار، على الرغم من إمكانية وضعها. لقد أجابت شركته أخيراً عن سؤال أمه: "إن لم تتزوَّج ابنة عمك، فمن ستتزوَّج إذاً؟"، وهو السؤال الذي بسببه بدأ كل شيء.

ففي عام 2005، وبعد الكثير من المحاولات الفاشلة، جاء يونس إلى مكتبه ليعلن: "يا رفاق. لقد وجدتها!".

نظر إليه زملاؤه، وقالوا له بسخرية: "حسناً يا مدير. هل سنغلق الموقع الآن؟".

يقول يونس إن زواجه -البعيد كل البعد عن كونه نهاية عمله- هو ما ألهمه لما أتى بعد ذلك. إذ يقول: "زوجتي طبيبة عامة. لقد ترعرعت في مجتمع مختلف في ميدلاندز. إن لم يكن هناك ذلك الموقع، لم نكن لنلتقي قط".

لديهما الآن أربعة أطفال يُذكِّرونهم يومياً بسحر عالمه الخوارزمي. إنه يُخطِّط أن ينشر هذا السحر، فيقول: "بدأنا بويكفيلد، وسنتوسَّع عالمياً". توسَّعَت عضوية الموقع لتشمل الولايات المتحدة الأميركية وكندا، والخطوة المقبلة هي التوسُّع في الهند وباكستان.

قال يونس: "اعلم أن العرس الإسلامي يتكلَّف ما يقرب من 50 ألف دولار. اضرب هذا الرقم في 50 ألفاً، وستعلم ما يمكن أن نُحدِثه من تأثيرٍ في الاقتصاد".