أسبوعٌ صاخب من الخوف والكراهية والإيمان في ولاية تينيسي الأميركية.. كيف أثرت احتجاجات النازيين الجدد على المسلمين؟

تم النشر: تم التحديث:
1
1

دارت خطبة الجمعة حول موضوعيّ الأمل والخوف، ولم يشهد على هذا الأخير أكثر من قاعة المسجد الخاوية من المصلين.

من المُعتاد في يوم الجمعة أن يزدحم المسجد الصغير على الطريق خارج مدينة شيلبيفيل الأميركية بصفوف الرجال الصوماليين الذين يؤدون صلاة الجمعة وقت استراحة العمل بمصنع الدواجن.

يوم الجمعة الماضي، بدأت الصلاة ولم يكن هناك سوى حوالي عشرة مصلين أو أكثر قليلاً.

وكان رجلٌ بمصنع الدواجن قد نصح زملاءه الصوماليين في اليوم السابق بأن يشتروا احتياجاتهم من البقالة، وينتهوا من غسل ملابسهم، ومشاويرهم، وألا يخرجوا مرة أخرى حتى ليلة الأحد، وفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، الخميس 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وتوجَّهت مجموعةٌ صغيرةٌ من القوميين البيض - الانفصاليين الجنوبيين والنازيين الجدد وآخرون - إلى المدينة للمشاركة في مسيرةٍ لحركة "White Lives Matter".

وقد تكون هذه المسيرة هي الأخيرة في سلسلة من المظاهرات التي انطلقت منذ الربيع في مدن في نيو أورليانز، وبيكيفيل، وولاية كنتاكي، و تشارلوتسفيل في ولاية فرجينيا.

وكان الغرض المُعلَن من المسيرة هو الاحتجاج على وجود اللاجئين، وكثيرٌ منهم من المسلمين في وسط ولاية تينيسي، وإبراز حادثة إطلاق النار في سبتمبر/أيلول الماضي على ثمانية أشخاص من البيض في كنيسة ناشفيل من قبل رجل سوداني المولد كنذيرٍ للمستقبل. ويعتبر المحتجون أنفسهم مدافعين عن العقيدة.

كان الدين هو القاسم المشترك لأيام عطلة نهاية الأسبوع الصاخبة. وربما أثناء وقت شعائر العبادة - الوقت الوحيد الذي يجتمع فيه أصحاب الشأن لتقييم الوضع - يمكن للمرء أن يفهم بشكلٍ أفضل ما حدث؛ الأجواء المتوترة التي سادت صلاة عصر الجمعة في شيلبيفيل، والولاءات العدوانية للقوميين البيض يوم السبت، وانعكاسات الحب والكراهية المكبوتة ليلة الأحد في الكنيسة الصغيرة التي تم جرها إلى كل هذه الأمور ضد إرادتها.


يوم الجمعة: الرهبة في المسجد


ومنذ عقدٍ أو نحو ذلك، ووسط فترةِ ركودٍ اقتصادي ومع دخول مئات اللاجئين، كانت هناك احتكاكاتٌ وخلافاتٌ في المدارس وفي مكاتب التوظيف. ودفع المُشرِّعون بسلسلةٍ من التشريعات المناهضة للاجئين تستهدف المسلمين بشكل خاص. وأُحرِقَ مسجدٌ قريبٌ بأكمله في مقاطعة كولومبيا.

وهناك الآن مؤشراتُ "توظيف" في جميع أنحاء شيلبيفيل، وعدد الصوماليين في المصنع وفي المدينة أصغر بكثيرٍ مما كان عليه. الناس في هذه المنطقة ودودون في الغالب، بينما في الأسبوع الماضي فقط سبَّ رجلٌ في ناشفيل شقيقتين صوماليتين، وهاجم والدهما بسكين.

وقد استمع محمد شكري حسن، 31 عاماً وهو إمام مسجدٍ صومالي كبير في ناشفيل، إلى الاستعدادات التي قام بها الرجال في هذه البلدة، وقال إنَّها "بمثابة إعصارٍ على وشك الهبوب".

وبعدما أم المصلين في صلاة الجمعة شرح الإمام للمصلين كيف يتصلون بالسلطات في حالة حدوث أي مضايقات، وكيف يوازنون بين الثقة في الجار وتوخِّي الحذر منه، وكيف يستخدمون كاميرات الهاتف الذكي كذلك لالتقاط صورة المعتدِ.

وتبادَلَ رجال البلدة أطراف الحديث مع بعضهم البعض قبل أن يتوجهوا إلى منازلهم حيث كانوا يخططون للبقاء يقظين خلف أبوابهم الأمامية خلال اليومين المقبِلَين.

يوم السبت: "اللهم ألق الرعبَ في قلوبِ أعدائك"

"اللهم قدِّس سيفي وقوِّ الذراع التي تحمله"، هكذا بدأت صلاة مايكل هيل، مؤسس رابطة الجنوب. وكان من المُقرَّر أن تبدأ المسيرة في وقت متأخر.

واستمر مايكل قائلاً: "اجعلني مستعداً لتنفيذ العدالة والرحمة لأهلي وجلب الرعب لأعدائك، يا رب". في هذه الأثناء، كان الرجال والنساء يرتدون علم الكونفدرالية، وخوذاتٍ بأغطية قماشية ونظاراتٍ واقية، وشاراتِ حركة المؤمنين بتفوُّقِ الجنس الأبيض والنازيين الجدد، وكذلك قبعاتٍ سوداء تحمل شعار الحملة الانتخابية لترامب "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، ويقفون بصمتٍ في موقفِ للسيارات وراء مجلس المدينة.

وواصل مصلياً: "انصرنا من أجل شرفك ومجدك. باسم المسيح يسوع، منقذنا، نصلي، آمين!". وبينما كانوا يرددون "آمين!"، بدأ 150 من القوميين البيض أو نحو ذلك في المسيرة التي استمرت لساعة ونصف.

وبشكلٍ مفاجئ أُلغِيَت مظاهرةٌ كان من المُقرَّر تنظيمها بعد الظهر في مدينة مورفريسبورو، ولم يكن مئات المحتجين المُتحمِّسين المنتظرين هناك على علمٍ بذلك. في حين تجمَّع القوميون البيض في نزهةٍ غير مُعلَنة، وتناولوا شطائر برغر مُجهَّزة بالبيت، وذلك تحت سماءٍ مُلبَّدةٍ بالغيوم في حديقة ولاية هنري هورتون.

وكان هناك ضيوف متحدثون، منهم والدا جاكوب غودوين، وهو حالياً في السجن بتهم مبنية على ضربه لرجل أسود في المسيرة في تشارلوتسفيل (الرجل الأسود، داندر هاريس، اُتُّهِمَ هو نفسه في وقتٍ لاحق). وقد قرأ الأب رسالةً كتبها ابنه من السجن، وشكرت أمه، التي كانت ترتدي سترةً تحمل شارة أحد تحالفات القوميين البيض، الحشد على دعمها. واختتمت بترديدِ الهتافِ النازي "Hail victory" أو "سننتصر"، ورد عليها الحشود بالتحية النازية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

بعد ذلك أُعلِنَت خطة المساء، وهي وقفة احتجاجية عند كنيسة بورنيت في حي أنتيوك الهادئ جنوب شرق ناشفيل. وقالت الشرطة في 24 سبتمبر/أيلول إنَّ إيمانويل سامسون البالغ من العمر 25 عاماً قد ظهر في الكنيسة بعد انتهاء قداس الأحد، وأطلق النار على ثمانية أشخاص توفي أحدهم. وكان الضحايا جميعهم من البيض. وكان سامسون من السود، وجاء إلى الولايات المتحدة كلاجئٍ من السودان عندما كان طفلاً. وفي الكنيسة، كانت الخطة عبارة عن وقفة مع الشموع وتأدية الصلاة الثانية للقوميين البيض لهذا اليوم.

ولكن عندما استأنفت المجموعة اجتماعها ذلك المساء في موقف سيارات هوم ديبوت، كانت هناك وقفةٌ احتجاجيةٌ من نوعٍ مختلف قد تجمَّعَت بالفعل عند الكنيسة. كان رجال الشرطة ينتظرون في الظلام البارد، جنباً إلى جنب مع عددٍ متزايدٍ من المراسلين الصحفيين وسيارتين ممتلئتين بالمحتجين المناهضين للعنصرية.

لم تؤدَّ الصلاة. وتفرَّق القوميون البيض؛ ذهبت مجموعة منهم إلى إحدى المطاعم والصالات الرياضية.

وهناك، وفقاً لتقرير مُقدَّم للشرطة، بدأ البعض بالتهكُّمِ على امرأةٍ بيضاء كانت تتناول الطعام مع صديقها الأسود. وانتقل العمل العدائي إلى الخارج. وضرب رجل من القوميين البيض المرأة وأصابها. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه الشرطة، تفرَّقَ أعضاء حركة "White Lives Matter" في الليل.


يوم الأحد: ألم الحب المفقود


بدأ برودريك تشون صلاته يوم الأحد قائلاً: "اللهم نشكرك كثيراً على هذا اليوم الجميل". كان يبدو أنَّ قداس ليلة الأحد غير الرسمي بكنيسة بورنيت جرى بشكلٍ طبيعي على نحوٍ مطمئن للغاية.

ولكن لم تعد الأمور تسير بشكلٍ طبيعي مرةً أخرى، وبالتأكيد بالنسبة لأسرة ميلاني كرو، وهي أم لطفلين تبلغ من العمر 39 عاماً، قُتِلَت بالرصاص على يد إيمانويل سامسون البالغ من العمر 25 عاماً الذي وصل أميركا قادماً من السودان عندما كان طفلاً، وظهر سامسون في الكنيسة في ستبمبر/أيلول وأطلق النار على ثمانية أشخاص وكان الضحايا جميعهم من البيض.

وقال تشون مخاطباً المجموعة الصغيرة المنتشرة في قاعة زمالة دراسة الإنجيل: "أنتم يا رفاق تعلمون بالفعل أنَّنا نتعرض للكثير من الأشياء غير المعقولة التي تجري في الولايات المتحدة الآن. أريد أن أتحدث عن ذلك قليلاً".

يكره الناس في الكنيسة عموماً سؤالهم عن مسيرة عطلة نهاية الأسبوع، فهم لم يريدونها. بيد أنَّ عدداً من المتفوقين البيض قد حضروا في وقت سابق ذلك اليوم. ومع انتهاء قداس العاشرة صباحاً، وقفوا في موقف للسيارات يحملون لافتة مكتوب عليها: "دافعوا عن أميركا + احفظوا عقيدتنا .. اللاجئون قتلة". وتم استدعاء الشرطة ومطاردتهم.

ينظر القليل هنا إلى سامسون كلاجئ، بالطريقة التي من الصعب فيها أن تصنف شخص تعرفه ضمن فئة واحدة. قبل عدة سنوات، كان سامسون منتظماً في التردد على الكنيسة. والناس يتذكرونه كشخص ودود طلق المحيا، حتى إنَّه تعمد في هذه الكنيسة. الأمر كله لا يمكن تفسيره.

وفي جلسة استماع في المحكمة الأسبوع الماضي، شهد أحد محققي ناشفيل بأنَّ السيد سامسون ترك رسالة غامضة في سيارته قال فيها شيئاً شبيهاً بأنَّ "ديلان روف كان أقل من لا شيء"، في إشارة إلى المتفوق الأبيض الذي أطلق النار وقتل تسعة من السود في كنيسة في تشارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية.

وكان السيد تشون، 38 عاماً، يعرف السيد سامسون وكان يعرف جميع الضحايا، وتطوع لأداء قداس ليلة الأحد بعد إطلاق النار.

ولم تكن الكنيسة، كما ذكرت بعض التقارير، "كنيسة للبيض". لم يكن الأمر كذلك تماماً. معظم الأبرشية، وتقريباً العشرين شخص أو نحو ذلك والذين حضروا قداس ليلة الأحد، كانوا من البيض. ولكنَّ الكنيسة لديها أعضاء آسيويين، وأعضاء لاتينيون وأعضاء سود- مثل السيد تشون.

وقال السيد تشون لأبناء الإبرشية: "أنا من شيلبيفيل. لذلك هذا يعني شيئاً مختلفاً قليلاً".

تحدث قليلاً عن جده، الذي كان نصف أبيض ونصف أسود. بعض هذه الأمور لم يتحدث عنها علناً من قبل. ثم توقف عن الحديث.

وبدأ مجدداً قائلاً: "لقد وقعت في الحب مرتين فقط في حياتي". كانت المرة الثانية والدائمة، بطبيعة الحال، مع زوجته، أشانتي.

وواصل قائلاً: "الأولى كانت إليزابيث". كانت إليزابيث في فرقة المدرسة الثانوية معه. وكانت بيضاء.

وأضاف: " أمي لم يعجبها الأمر بسبب أشياء مثل التي جرت نهاية هذا الأسبوع". تذكرت والدته مسيرات جماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية المتطرفة التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض، أيام شبابها. وجدير بالذكر أنَّ مسقط رأس جماعة كلان يقع على بعد ساعة بالسيارة من شيلبيفيل، ومن ثمَّ كانت تتصور والدته مدى خطورة الأمر.

ولم تحب جدة إليزابيث الأمر مُطلَقاً. وقد ظلوا سوياً لأكثر من عام، لكن الضغوط تزايدت. وفي الأيامِ الأخيرة من سنةِ تخرُّج تشون، أخبَرَته إليزابيث من خلال وسيط أن العلاقة قد تنجح.

قال تشون، ببطءٍ في حديثه: "حين أقول لك إني مجروحٌ، فهذا تهوينٌ من الأمر". وأضاف: "لقد أحبَبتها للغاية".

كانت الغرفة هادئة تماماً، إلا من طنين مصابيح الفلورسنت.

عاد إلى دروسِ الكتاب المُقدَّس، حيث قصة برج بابل في سفر التكوين. وقاده هذا إلى النقاشِ حول أسباب الله في خلقِ أعراقٍ مختلفة، وتنوُّعِ الكنيسة الأولى، انتهاءً بمشكلاتِ العصر الراهن.

وقال تشون: "أنت لا تعلم حقاً المدى الذي يصل إليه هذا الأمر، والخطورة التي يُسبِّبها". وأضاف: "علينا أن نكون حريصين في التعامُلِ مع بعضنا. لابد أن نحب بعضنا".

بعد ذلك سُمعت ترنيمتان، وتُلِيَت الصلاة الربَّانية في الختام. وجاءت مرأتان كانتا لا تزالان تُجفِّفان الدموع من عيونهما، واحتضنتا تشون. وفي تلك الإبرشية التي هوجِمَت بعنفٍ، ومن ثم تحوَّلَت ضد إرادتها إلى رمزٍ لعطلةٍ أسبوعيةٍ من الكراهية، تحوَّلَت المحادثة إلى كعكة غلوريا ريتشز المُغطاة بالشوكولاتة، كما لو أنها هي أهم شيءٍ في هذا العالم.