عادوا من حيث بدأوا.. الأكراد يواجهون انتكاساتٍ بالشرق الأوسط تسحق أحلامهم في وطن مستقل

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

مع انحسار تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، لم يعُد الغرب في حاجة إلى عون الأكراد، الذين يواجهون نكبةً تاريخية مرة أخرى، جزئياً بسبب أخطاء قياداتهم.

خسر الأكراد منجزاتهم التي تحققت في تركيا والعراق في الأعوام الماضية. وفي سوريا كذلك، تواجه المكاسب الكردية مخاطر جديدة، إذ تتعاون الدول القومية في المنطقة لسحق احتمالية قيام وطن مستقل للأكراد في الشرق الأوسط، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

اعتقد كثيرٌ من الأكراد البالغ تعدادهم 30 مليوناً، ما يجعلهم من أكبر الجماعات العرقية في العالم بلا وطن، لمدةٍ قصيرة من الزمن على مدار العامين الماضيين أنَّ التاريخ انحاز إلى صفهم أخيراً، بعد عقودٍ من المجازر والاضطهاد والحرب.

حاز الأكراد سلطةً ونفوذاً لا مثيل لهما في العراق وتركيا وسوريا، ثلاثة دول تضم داخل حدودها الأقاليم الكُردية الرئيسية، وإيران الرابعة.

واستغل إقليم كردستان شمالي العراق هروب الجيش العراقي في 2014 أمام زحف داعش، وسيطروا على إقليم كركوك الغني بالنفط، وأداروا شؤونهم ككيانٍ مستقل.

وقد اهتمت صحف عالمية بأزمة كردستان العراق عقب الاستفتاء الذي جرى يوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي وسط معارضة شديدة من العراق ودول الجوار وأبرزها تركيا وإيران، وقالت إحداها إن كردستان لم تكن جاهزة للاستقلال، في وقت اعتبرت أخرى أن الأكراد عادوا من حيث بدأوا.

وحرمت الانتخابات التركية حزب أردوغان الحاكم (العدالة والتنمية)، من أغلبية المجلس التشريعي، وأعطت الحزب الكُردي الرئيسي، حزب الشعوب الديمقراطي، المركز الثالث من حيث عدد المقاعد في البرلمان، ما منحه فرصة حقيقية للتأثير في السياسة القومية.

وفي سوريا، اجتذب الدفاع المستميت عن بلدة كوباني الكردية ضد هجوم داعش تعاطفاً دولياً مع وحدات حماية الشعب، الجماعة المسلحة السورية الكردية، إضافةً إلى الدعم العسكري من الولايات المتحدة، ليصير السوريون الأكراد في غضون أشهر شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه ضد داعش، ويسيطرون على مساحةٍ واسعة من الأراضي السورية.


مستقبل غامض


الآن، فقد الأكراد هذه المكاسب في تركيا والعراق، ربما لعقودٍ قادمة، ويبدو مصير السوريين الأكراد قاتماً مع دخول الحرب السورية، والحملة ضد داعش بالأخص، أيامها الأخيرة.

ويقول كندال نزان، مدير المعهد الكردي في باريس، وهو المركز البحثي الذي تأسس في 1983 لحشد دعمٍ غربي للقضية الكردية: "نمرّ بفترةٍ صعبةٍ جداً، مع أننا رأينا ما هو أسوأ في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. يخشى الأكراد أن يتخلى عنهم حلفاؤهم مرة أخرى ليواجهوا مصيرهم وحدهم، وأن يسعى كلٌ منهم إلى المساومة على مستقبل المنطقة".

في تركيا، استأنف حزب العمال الكردستاني صراعه المسلح ضد الدولة التركية في يوليو/تموز 2015، بعد مفاوضات سلام استمرت عامين. وتمخض القرار الكارثي من حزب العمال الكردستاني بشن حرب الشوارع ضد الدولة عن تدمير عدة مدن وقرى كردية في جنوب شرق البلاد. وتعتبر كلٌ من الولايات المتحدة وتركيا حزب العمال الكردستاني منظمةً إرهابية.

في هذه الأثناء، دعا رئيس حكومة إقليم كردستان حينها، مسعود بارزاني، إلى استفتاءٍ على الاستقلال في سبتمبر/أيلول، متجاهلاً النصائح الدولية والمُعارضة الداخلية العميقة لحكمه الذي دام 25 عاماً.

وارتد تحرك بارزاني عليه ارتداداً مذهلاً: ففي غضون أيام، فقدت الحكومة الكردستانية كركوك، والكثير من امتيازاتها، وباتت الانقسامات الداخلية تهدد وجودها نفسه ككيان ذاتي الحكم. واضطر بارزاني نفسه إلى التنحي، وبقيت الولايات المتحدة، التي كانت قد حذرته من الإقدام على خطوة الاستفتاء، على الحياد بينما سيطرت القوات الفيدرالية العراقية على مناطق واسعة كانت تحت سيطرة الأكراد منذ عام 2003.

وقال برهم صالح، وهو واحدٌ من كبار المُعارضين السياسيين لبارزاني وتولى سابقاً رئاسة الوزراء بإقليم كردستان وكان نائباً لرئيس الوزراء العراقي: "من منظور أغلب الأكراد، الأسباب الكُبرى للمحنة الحالية هي انعدام الكفاءة، والفساد، والمُحاباة التي أصابت النخبة الحاكمة الكردية. لا شك أنَّ التراجع الذي شهدته كردستان العراقية مؤلم للكثير من أكراد العراق، لكن من الحماقة أن يظنها أحد نهاية الواقع الكردي".

بغض النظر عن هوية المُلام، أثارت الأحداث الدرامية في تركيا والعراق الأجواء في المُجتمع السياسي الكردي بمختلف توجهاته. إذ يقول أرطغرل كركو، أحد كبار قيادات حزب الشعوب الديمقراطي: "في أوساط المفكرين الأكراد والنخبة، ترى أمارات الغضب والكثير من النقد الموجع لكل الأحزاب والجماعات. هذه واحدة من أتعس اللحظات في الأعوام العشرة الماضية بالنسبة لصراع التحرر الكردي، بلا أملٍ كبير عند المفكرين في تحسن الموقف على المدى القصير".

وعلى الجهة الأخرى من الحدود في سوريا، ما زال الأكراد يتمتعون بالزخم حتى اللحظة. إذ سيطرت القوات الكُردية مؤخراً على مدينة الرقة، معقل داعش، وتتقدم حالياً في وادي الفرات بدعمٍ من الولايات المتحدة.

لكن في سوريا أيضاً، يخشى الأكراد أن تعقد واشنطن صفقة مع روسيا، وتركيا، بل والنظام السوري على حساب الأكراد، ما إن تنتهي فائدة وحدات حماية الشعب في مواجهة داعش. فقبل كل شيء، الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب سببٌ كبير في توتر العلاقات الأميركية مع تركيا العضوة بحلف شمال الأطلسي، التي تعتبر الجماعة فرعاً من فروع حزب العمال الكردستاني. وقد بدأت وحدات حماية الشعب بالفعل في التواصل مع موسكو ودمشق بهدف تأمين نفسها.

ويقول كركو: "قد تخون أي قوة من هذه القوى الأكراد في أي وقت، وستسعد موسكو أيما سعادة بفقدان الأكراد سيطرتهم على المناطق السورية بعد تدميرهم المواقع العسكرية لداعش. حينها سيكون الأكراد قد أدَّوا الغرض منهم، ويمكنهم الاختفاء".