روث الحيوانات بديلاً لأسطوانات البوتاجاز المنزلية.. صعيدية تتحدى الروائح الكريهة وتُغني المصريين عن الوقوف بالطوابير

تم النشر: تم التحديث:
COW EGYPT
ttatty via Getty Images

"ثروة من الروث".. هل يمكن أن تتحول فضلات الحيوانات من مصدر للروائح الكريهة والأمراض، إلى مصدر دخل أو كنز صغير لأصحابه.

مهندسة شابَّة من صعيد مصر تحدَّت العادات والتقاليد، ولَم تربط نفسها بالوظيفة المريحة، لتخوض مجالاً صعباً بالنسبة للرجال، فما بالك بالنساء.

شيماء عمر المهندسة الكيميائية، ابنة الـ28 عاماً، نجحت في إنتاج غاز طبيعي من روث الحيوانات بطريقة بيئية اقتصادية سليمة، تدرُّ للفلاح البسيط دخلاً ثابتاً، وتسهم في حل مشكلة الغاز، ويمكن أن تكون بديلاً لأسطوانات الغاز، وتساعد على التخلص من تراكم المخلفات العضوية ومقالب القمامة غير الآمنة، والمساهمة كذلك في تخفيض غازات الاحتباس الحراري، الناتجة عن انبعاث غاز الميثان الناتج من تراكم المخلفات العضوية.

كان هذا هو هدف شيماء، عندما بدأت في مشروعها الخاص "بايوميكس" كشركة لإنتاج الغاز الطبيعي، الذي وصل إلى 12 فرعاً في محافظات مصر المختلفة، ولكن حققت أهدافاً أخرى إضافية.


دول سبقت مصر


ازدهرت محاولة إنتاج الغاز من روث الحيوانات قبل حوالي 30 عاماً، وذلك بعد أزمة النفط في سبعينات القرن الماضي، أدت إلى ما يسمى بـ Biogasboom، حيث لقيت فكرة البيوغاز رواجاً عالمياً آنذاك.

ومنذ ذلك الحين تتفنن الشعوب، وخاصة دولة مثل الهند في استخدام بقايا الطعام والنفايات العضوية في إنتاج البيوغاز، لتوفير الغاز المنزلي، حتى إن بعض الإحصائيات تشير إلى وجود 25 مليون وحدة بيوغاز فى الصين وحدها، بينما لم تلق تلك الفكرة اهتماماً في العالم العربي، ولاسيما في مصر على وجه الخصوص.


صعيدية


شيماء عمر الحاصلة على بكالوريوس هندسة، قسم كيمياء، من جامعة المنيا بصعيد مصر عام 2012، وبعد تخرجها حصلت على دورة تدريبية لمدة 3 شهور، اكتسبت بعدها خبرة في مجال الطاقة المتجددة، لتبدأ بخطى جدية في مشروعها الذي خطَّطت له منذ السنوات الأولى بالجامعة، عن طريق إقناع الفلاحين في قرى مصر بفكرتها، وبدأت تجربة الفكرة عملياً لإقناعهم.

لم يكن الأمر باليسير على المهندسة حديثة التخرج، الانتقال من بلدها سوهاج المحافظ بوسط الصعيد لتتجول بأكثر من 12 محافظة افتتحت فيها شيماء مشروعها الحالي.

فقد لاقت شيماء معارضةً كبيرة من أسرتها، قبل أن يخرج مشروعها إلى النور.



s

وتقول عن تلك البدايات لـ"هاف بوست عربي"، إن والدها ترك العمل الحكومي كمدرس في إحدى مدارس سوهاج، واتَّجه إلى العمل الحر والتجارة، "وبالرغم من معارضة أسرتي في البداية لطموحي، فإن والدي تفهَّم مشروعي وهدفي لإنشاء شركة حرة بعيدة عن العمل الحكومي، وخوض تجربة أحبها، وضمن مجال دراستي".

وقالت إنه حين تم فتح باب التقديم في مشروع الطاقة الحيوية التابع لوزارة البيئة، الذي يبحث عن مهندسين لتنفيذ وحدات غاز البيوغاز قدَّمت فيه وتدربت لمدة 3 أشهر.

وأضافت: في عام 2014 أسستُ شركةً باسمي وبمفردي، بتشجيع من والدي، وسمَّيتها شركة "بيوميكس" لحلول الطاقة الجديدة والمتجددة.


أكبر الصعوبات


ولم تقتصر صعوبات شيماء فقط على معارضة أسرتها في البداية، ولكن أيضا رد فعل الفلاحين معها كان أكثر صعوبة، خاصة أنها مهندسة صغيرة السن.

تقول إن أكثر المشكلات التي تواجه مشروعي صعوبة إقناع الفلاحين بفكرة المشروع، وكيف يمكن الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية وتوفير طاقة متجددة وآمنة وبديلة عن البوتاغاز، وتوفير سماد عضوي غني بالعناصر الغذائية الكبرى والصغرى اللازمة لنمو النباتات، ولزيادة خصوبة التربة وبأقل الأسعار.

وتابعت: "ومع الوقت والتجارب العملية، تبيَّن لهم أن تلك النفايات يمكن أن تكون كنزاً لهم".


النتيجة


وبعد كفاح مضن، خاصة في البداية، أصبح لدى شيماء الآن، لشركة "بايومكس" التي تمتلكها 12 فرعاً في 12 محافظة مختلفة، ويصل إيرادها السنوي لنحو 200 ألف جنيه مصري.

التمويل والدعم الاقتصادي كان أحد العوائق التي واجهت شيماء عند بداية تأسيس مشروعها، إلى أن انتشرت الفكرة، وبدأت تحقق نتائج مبشرة، فوافق عدد من المنظمات على المساهمة معها.

وعن المنافسات من المشاريع المشابهة، تقول "لا ينافسني سوى مشروعات الطاقة الشمسية، وهي مشروعات مهمة ومفيدة للمجتمعات المختلفة، وأقول لأقراني من الشباب لا تنتظروا الوظيفة الحكومية، وسارعوا بالتفكير السليم وتبنِّي فكرة مشروع صغير، فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة".


كيف يحول الروث لثروة؟


يتم الحصول على الغاز الحيوى من خلال عملية عضوية، حيث يتم وضع روث الحيوانات مع الماء في بيئة خالية من الأكسجين، وينتج عن هذا التفاعل خليط من غازات الميثان وثاني أكسيد الكربون، ومجموعة من غازات أخرى لا تتجاوز 5%، منها الهيدروجين وكبريتيد الهيدروجين وبخار الماء، وهو غاز يشتعل في الهواء مكوناً لهباً أزرق باهتاً شديد الحرارة، لا يلوث البيئة.

وتوضح شيماء حول كيفية استخراج الغاز من المخلفات، فتقول "ببساطة، فإن الفلاح الذي يمتلك من 3 إلى 4 رؤوس أبقار أو جاموس، يمكنه أن ينتج ما يوازي أسطوانتي غاز شهرياً، بالإضافة إلى السماد العضوي عالي الجودة، الخالي من الميكروبات والحشائش الضارة، الذي يتم استخراجه بعد انتهاء عملية استخراج الغاز، إذ تنتج الوحدة حوالي 7.5 طن سماد عضوي سنوياً، وما يوازي "شيكارة" 50 كيلوغراماً، سوبر فوسفات، ونصف "شيكارة" من اليوريا شهرياً.



s

ومن مخرجات الغاز الحيوي أيضاً سماد سائل خالٍ من البكتيريا والمواد الضارة، وغنيٌّ بالكالسيوم والفسفور، يصلح للاستخدامات الزراعية كافة.

وكشفت أن استخدام الفلاح روث الماشية لإنتاج البيوغاز يوفر عليه عناء البحث عن أسطوانة غاز البوتاجاز، مع تجفيفه الروث كذلك لاستخدامه في تسميد التربة الزراعية.

وتحلم شيماء أن يستخدم الريف المصري بالكامل هذا الأمر، بعدما تم نشره في نجوع الفلاحين بالفيوم.


قرى بأكملها


بلال الكيلاني المدير التنفيذي لشركة بيوميكس قال لـ"هاف بوست عربي" إن حجم الأعمال قد وصل حتى الآن لأكثر من 100 وحدة بيوغاز في 12 محافظة، بأحجام مختلفة السعة، استخدمتها المنازل على مستوى القرى المصرية، كما قامت الشركة بإنشاء وحدات البيوغاز لأهداف صحية مع منظمة العمل الدولية ومؤسسة العربي، إضافة لتدريب خريجين مهندسين وفنين على تنفيذ وحدات البيوغاز، كما نفذت وحدة بيوغاز بحثية في كلية الزراعة بجامعة المنوفية.

وعن المراحل القادمة للمشروع، قال المدير التنفيذي، إن المشروع في طور التطوير للتوسع باستهداف المزارع الكبيرة وإنشاء وحدات مركزية تخدم قرى كاملة، وفي حال تنفيذ تلك الوحدات الكبيرة سوف يتم إنتاج الغاز والكهرباء والسماد العضوي، الذي من خلاله يتم الحصول على غذاء صحي وآمن خال من المواد الكيميائية الضارة تماماً، نتيجة تسميد المحاصيل الزراعية بالسماد غير الكيماوي.


هل هو خطير؟


باسل علي، مهندس زراعي، وصاحب إحدى شركات الإنتاج الحيواني بمحافظة دمنهور، قال إن عملية توليد الغاز من مخلفات الماشية والمعروفة بـ"غاز البيوغاز"، مشروع هام للغاية، ويجب على الدولة الاهتمام به، فهو أحد المشروعات التي تساعد في تخفيف أزمة نقص أسطوانات البوتاجاز.

وقال إن الغاز الناتج من هذه العملية وهو الميثان، لا يمثل خطورة على حياة وصحة الإنسان كالخطورة التي يمثلها غاز البوتاجاز في حالة تسريبه.

وأوضح المهندس لـ"هاف بوست عربي"، أن إنتاج هذا الغاز يوفر عليه الكثير من النفقات بالنسبة لسكان القرى، ويمكن أن يستخدم في تشغيل فرن خبز بلدي بجانب البوتاجاز المنزلي، وما على المزارع سوى وضع كمية من مخلفات الماشية باستمرار، في خزان خاص، حتى يتم إنتاج غاز الميثان بصفة يومية.