تأشيرة الهجرة المتنوعة إلى أميركا.. داخل البرنامج الذي قبل بشخصٍ يُشتبه في كونه إرهابياً

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

سرعان ما تحوَّل الهجوم الإرهابي في نيويورك إلى نقاشٍ حول سياسة الهجرة، بعد أن كشف الرئيس ترامب، الأربعاء الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، أنَّ سيف الله سايبوف، الرجل المتهم بقتل 8 أشخاص، استفاد من برنامجٍ مُلتَبِس يُعرَف باسم تأشيرة الهجرة المتنوعة، حيث وصل سايبوف المولود في أوزبكستان عام 1988 إلى الولايات المتحدة عام 2010 وحصل على إقامة قانونية في الولايات المتحدة، بحسب ما ذكر تقرير لموقع بي بي سي عربية.

وغرّد ترامب على تويتر قائلاً: "جاء الإرهابي إلى بلادنا بما يُعرف باسم (برنامج يانصيب تأشيرة الهجرة المتنوعة). أريد نظاماً قائماً على الكفاءة".

وسلّط تعليق الرئيس ترامب (وهجومه على السيناتور تشاك شومر، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي عن ولاية نيويورك، الذي كان له دور أساسي في إنشاء البرنامج عام 1990) الضوء على برنامج القرعة، وهو جزء صغير من نظام الهجرة الشامل الذي انتقده أعضاء منتمون إلى كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي. في الواقع، كان شومر من بين أعضاء مجلس الشيوخ الذين اقترحوا إنهاءه قبل عدة سنوات، بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ويقدم برنامج القرعة واحدة من أسرع الطرق لإقامةٍ قانونية دائمة بالولايات المتحدة، غالباً في أقل من عامين، ومُنِح نحو مليون شخص بطاقات خضراء (وهي رخصة للإقامة الدائمة بالولايات المتحدة) بمساعدة البرنامج. وعكس المهاجرين الآخرين الذين يسعون إلى الحصول على تأشيرةٍ للولايات المتحدة، لا يحتاج الفائزون في القرعة إلى أن يكون لهم قريب يعيش في الولايات المتحدة، أو لديهم أي مهارةٍ خاصة.

ويشبه البرنامج في حقيقة الأمر مسابقات اليانصيب أو القرعة بصورةٍ ما. وقد تلقى البرنامج في سنوات قليلة ما يقرب من 15 مليون طلب، لكن لا يمكن منح أكثر من 50 ألف تأشيرة.

وخلال فترة التقديم التي تستمر شهراً واحداً في كل خريف، والتي تُصادف هذه الفترة الحالية، يخلق برنامج القرعة حالة من الجنون به باعتباره مَهرباً من الفقر باتجاه الحلم الأميركي.


مساعدة للأيرلنديين


ويعود أصل هذا البرنامج إلى قانون الهجرة لعام 1965، الذي ألغى الحصص المُخصَّصة للبلدان، والتي كانت تحبذ الأوروبيين الغربيين، واستعاض عنها بنظام هجرة يستند أساساً إلى لمّ شمل الأُسر. وبعد دخول قانون عام 1965 حيز التنفيذ، ارتفعت نسبة الهجرة من آسيا وأميركا اللاتينية، في حين انخفض عدد القادمين من إيرلندا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى انخفاضاً حاداً.

في الثمانينيات، صاغ أعضاء الكونغرس من أصول إيرلندية، بزعامة براين دونيلي، وهو نائبٌ ديمقراطي من بوسطن، ترتيباً مؤقتاً، تم إقراره في عام 1986. وقدَّم ذلك حلاً بديلاً للحصول على البطاقة الخضراء لمواطني البلدان "الأكثر تضرراً" من إصلاحات عام 1965، بما فيها إيرلندا.

وفي عام 1990، كان شومر هو الراعي الرئيسي لمشروع قانون من شأنه أن يحوِّل البرنامج من كونه برنامجاً مؤقتاً إلى نظامٍ دائم، وذلك من بين تعديلاتٍ أخرى أدخلها المشروع على شروط الهجرة. وأُدرِج الاقتراح ضمن مشروع قانون جرى تمريره في نهاية المطاف، وأُنشِئ برنامج القرعة.

في السنوات الأولى، كان معظم الفائزين أوروبيين، لكن الآن، يأتي قرابة النصف من إفريقيا. في عام 2016، كانت نيبال، ومصر، وإيران أكثر المستفيدين، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية. واحتلت أوزبكستان، وهي الدولة التي أتى منها سايبوف في عام 2010، المرتبة الخامسة العام الماضي، وجرى قبول 2378 مُتقدِّماً منها. وعلى العموم، يسهم البرنامج بنسبة نحو 5% من عدد المليون مهاجر قانوني تقريباً الذين يدخلون الولايات المتحدة كل عام.


شهر تزدحم فيه مقاهي الإنترنت


البرنامج متاح للناس في جميع أنحاء العالم، إلا في البلدان التي يهاجر منها أعداد كبيرة من المواطنين بالوسائل التقليدية، بما في ذلك المكسيك والصين والهند.

لا يُشترَط امتلاك المُتقدِم مهاراتٍ خاصة، ويكفي أن يكون حامِلاً لشهادة الثانوية العامة. لا يوجد عدد سنوات محدد للتقديم في القرعة، لكن لا يمكن لأي بلد أن يحصل على أكثر من 7% من مجموع التأشيرات الصادرة في سنةٍ واحدة.

هذا العام، بدأت فترة التقديم في 18 أكتوبر/تشرين الأول، والتي ستنتهي يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني. وتُقدَّم الطلبات إلكترونياً، وفي البلدان التي لا تنتشر فيها أجهزة الكمبيوتر على نطاق واسع، تصبح مقاهي الإنترنت هي مراكز تقديم الطلبات بطبيعة الحال.

في مقهى إنترنت مجهول وسط داكار بالسنغال، يوم الأربعاء، ملأ نحو 12 شخصاً طلبات القبول بمساعدة المالِك، أوسينو ضيوف. دفع العملاء له نحو 10 دولارات أميركية، ما يعادل أجور من يومين إلى 4 أيام عمل، مقابل الاتصال بالإنترنت وتقديمه الإرشادات.

وكان كثيرٌ منهم زبائن متكررين، بما في ذلك فالي سنغور، البالغ من العمر 28 عاماً، وهو مصمم أزياء قال إنَّه كان يتقدم للمرة الثانية، وأضاف أنَّ حلمه هو إضافة "لمحات من الأزياء الإفريقية" إلى صناعة الأزياء في الولايات المتحدة.

لا توجد رسوم للدخول، لكن يجب على الفائزين دفع عدة مئات من الدولارات في صورة رسوم.

في الربيع، يختار كمبيوتر حكومي في ولاية كنتاكي الأميركية 100 ألف متقدم ليمنحهم البطاقة الخضراء. وعند ظهر يوم 15 مايو/أيار، يدخل ملايين الأشخاص حول العالم على موقع وزارة الخارجية؛ لمعرفة ما إن كانوا من بين هؤلاء.

لكن حتى عندئذ، لا يعد الحصول على التأشيرة أمراً مضموناً بعد؛ إذ تُجرى مقابلات مع الفائزين ويخضعون لفحوصات خلفية وطبية، ويُستبعَد كثيرٌ منهم لعدم استيفاء المتطلبات والمواعيد النهائية.

وفي نهاية المطاف، تُمنح تأشيرات الدخول إلى 50 ألف شخص -هم الفائزون في القرعة، إضافةً إلى الأزواج والأطفال القصّر الذين يرغبون في جلبهم- مما يسمح لهم بالانتقال إلى الولايات المتحدة كمقيمين قانونيين دائمين أو حاملي البطاقات الخضراء. وكما هو الحال مع معظم البطاقات الأخرى، يحق لهم التقدم بطلب للحصول على الجنسية بعد 5 سنوات.

فاز أولسي فرابي، وهو محامي هجرة وُلِد بألبانيا، بالقرعة في عام 2003 عندما كان يحمل تأشيرة طالب في جامعة نيومكسيكو.

وقال فرابي، الذي نمت شركته، التي تتخذ من مدينة ألباكركي مقراً لها، لتضم 23 موظفاً في 4 مدن و4 ولايات: "بفضل قرعة البطاقة الخضراء، تمكَّنتُ من البقاء هنا، والالتحاق بكلية الحقوق، والزواج من زوجتي، وتربية 4 أطفال جميلين، وممارسة القانون".

وقال ترامب خلال تصريحات علنية في اجتماع للإدارة يوم الأربعاء، إنَّ سايبوف كان "نقطة الاتصال الأساسية لـ23 شخصاً -مبدئياً- قد جاءوا بصورةٍ منفصلة عنه، أو ربما جاءوا معه حتى". ويمكن لحامل البطاقة الخضراء أن يرعى أقارب الدرجة الأولى كي يحصلوا على بطاقاتهم الخضراء الخاصة، لكن لم يتضح بعد ما الذي يعنيه الرقم 23 الذي أشار إليه ترامب.


دعوة لإنهاء برنامج القرعة


وكان البرنامج قيد التدقيق حتى قبل وقوع الهجوم الإرهابي.

وقد ادَّعى المنتقدون منذ فترةٍ طويلة، أنَّ البرنامج يشكل مخاطر أمنية، ويجلب مهاجرين من ذوي المهارات المنخفضة؛ وهو أمر غير عادل؛ لأنَّه يسمح للأشخاص الذين ليس لهم صلة بالولايات المتحدة بدخولها بسهولةٍ أكبر من غيرهم.

وقال ستيف ييل-لوهر، أستاذ قانون الهجرة في كلية كورنيل للقانون، إنَّ "القرعة هي طريقة مجنونة لإدارة نظام الهجرة. لا توجد دولة أخرى تختار المهاجرين على أساس القرعة".

ومن بين مؤيدي البرنامج أعضاءٌ في "كتلة النواب السود بالكونغرس"، الذين يُؤكِّدون أنَّه يساعد الأفارقة الذين لن تتاح لهم الفرصة للقدوم إلى الولايات المتحدة.

وفي معرض تناوله المسائل الأمنية، أشار تقرير دائرة أبحاث الكونغرس في عام 2011 إلى حالة مهاجر مصري أطلق النار على شخصين وقتلهما في عام 2002 بمطار لوس أنجلوس الدولي، وكان قد حصل على البطاقة الخضراء بصفته زوج إحدى الفائزات بالقرعة. وأشار التقرير إلى أنَّه في عام 2004، حذَّر نائب المفتش العام بوزارة الخارجية الأميركية من مخاطر منح تأشيراتٍ للفائزين من الدول التي لها صلات بالإرهاب. لكن في عام 2007، كما جاء في التقرير، لم يعثر مكتب المحاسبة الحكومي على أي دليلٍ على أنَّ الفائزين بتأشيرات الهجرة المتنوعة يُشكِّلون تهديداً على الولايات المتحدة.

وكان البرنامج مشوباً بالغش. ففي إحدى السنوات، أدخل مقدم واحد أكثر من 2000 طلب، فيما باع فائزون آخرون أنفسهم للزواج من أجل جلب زوجٍ إلى الولايات المتحدة.

وقال ترامب، الذي دافع عن الهجرة القائمة على الكفاءة التي تهدف إلى اجتذاب العمال من ذوي المهارات الفائقة، يوم الأربعاء، إنَّه يؤيد مشروع قانونٍ بمجلس الشيوخ من شأنه أن يُقلِّص الهجرة القانونية وينهي برنامج القرعة.

وهاجم ترامب شومر أيضاً. وبينما رعى السيناتور شومر ما أصبح برنامج التأشيرات المتنوعة، وكان أيضاً جزءاً مما يُسمى "مجموعة الثمانية"، وهم مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين والديمقراطيين، تضمَّن قانون الهجرة الشامل الذي اقترحوه في عام 2013 أحكاماً للقضاء على برنامج التأشيرة المتنوعة وتخصيص التأشيرات على أساس الكفاءة. لكنَّ مشروع القانون أُبطِل وسط معارضة الجمهوريين في مجلس النواب للبند الذي يقضي بمنح للمهاجرين الذين لا يحملون الوثائق المطلوبة طريقاً للحصول على المواطنة.

وقال شومر يوم الأربعاء، إنَّ الرئيس يُسيِّس المأساة، فكتب في تغريدةٍ على تويتر: "يجب على الرئيس ترامب عوضاً عن تسييس وتقسيم أميركا، وهو ما يفعله دائماً في أوقات الكوارث الوطنية، أن يجمعنا معاً".

وغرَّد عضو آخر في مجموعة الثمانية، جيف فليك، السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا والذي انتقد الرئيس انتقاداً متكرراً، دفاعاً عن شومر: "في الواقع، لو كان مجلس النواب قد مرَّر قانون مجموعة الثمانية، لكان أنهى برنامج تأشيرة الهجرة المتنوعة لتحل محلها التأشيرات القائمة على الكفاءة".