لماذا لا تستطيع السعودية أن تتغيَّر سريعاً؟ بلومبيرغ الأميركية تجيبك عن هذا التساؤل الهام حول المملكة

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

لم يُضِع ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، أي وقتٍ لتنفيذ رؤيته لمستقبل المملكة العربية السعودية. ومنذ تخطَّى الأمير كبار العائلة الملكية في سُلَّم خلافة العرش، منح الأمير المرأة الحق في قيادة السيارات، وحدَّ من قوة الشرطة الدينية.

وأصبح تشغيل الموسيقى في المطاعم، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية، أمراً عادياً، واستبدلت العديد من النساء عباءاتهن السوداء بعباءات مُلونة، وظهرت تناقضات حادة في بلدٍ كانت تقوده نسخة صارِمة من الإسلام على مدى عقود.

مقترحات ولي العهد في مجال الاقتصاد طموحة ومُفصلة في خطة تُسمى "رؤية 2030". ويهدف المُخطط إلى الحد من اعتماد البلاد الشديد على عائدات النفط من خلال تشجيع تطوير صناعات جديدة مثل السياحة والترفيه.

ولتمويل هذا الجهد، يريد الأمير أن يبيع أسهماً في شركة النفط العملاقة "أرامكو"، فضلاً عن خصخصة ممتلكات الدولة، بما في ذلك مطاحن الدقيق، وأندية كرة القدم، والبورصة. وسيجرى توجيه العائدات من المبيعات إلى ما سيصبح أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم.

وتدعو الخطة أيضاً إلى اتخاذ تدابير تقشفية للقضاء على عجزٍ في الميزانية كان قد تضاعف العام الماضي إلى أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي؛ بسبب انخفاض أسعار النفط الخام.

لكنَّ ولي العهد -بحسب بلومبرغ- يجب أن يكون حذراً؛ لأنَّه إذا تحرك بسرعةٍ كبيرة، فإنَّه يمكن أن يثير معارضةً خطيرة لمشروعه من جانب السعوديين المتعاطفين مع الجماعات الإسلامية المسلحة، إضافةً إلى وجود عائلة ملكية تخشى أن تؤدي سياساته إلى تهميشهم. كما أنَّه سيضطر إلى تحقيق التوازن بين مطالبه المتعجِّلة للتغيير ورغبة السكان في التكيُّف معها.

ومن غير الواضح كذلك إذا ما كان القطاع الخاص لديه القدرة على أن يصبح هو المُحرِّك للنمو الاقتصادي بعد عقود من الهبات الحكومية.


تأثير يتجاوز حدود المملكة


يقول لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي لمجموعة غولدمان ساكس، في منتدى بلومبيرغ العالمي للأعمال بنيويورك في سبتمبر/أيلول الماضي: "هذا تحدٍّ ضخم للبلاد، وله آثار كبيرة على العالم".

وبينما يجب أن تكون هناك حاجة مُلحّة، هناك أيضاً حاجة لتوخِّي الحذر؛ حتى لا يؤدي التغيير المطلوب "للاستقرار على المدى الطويل إلى عدم الاستقرار في المدى القصير"، وفقاً لما قاله بلانكفين.

وبالفعل، هناك إشارات إلى أنَّ محمد بن سلمان ربما يتحرك بسرعةٍ كبيرة. وكان الهاشتاغ "الشعب يرفض قيادة المرأة" هو الهاشتاغ العربي الأكثر شعبية على تويتر بعدما أعلنت الحكومة يوم 26 سبتمبر/أيلول الماضي، أنَّ النساء سيكون لهن حق القيادة.

وكانت المملكة قد قررت رفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، لتضع بذلك حداً لعقود من المطالبات والحملات الهادفة لرفع ذلك الحظر المستند -وفقاً للسطات السعودية- لاعتبارات شرعية واجتماعية.

ويستند الحظر الحكومي لقيادة المرأة للسيارات إلى فتوى رسمية مصدقة من المؤسسة الدينية الرسمية إبان قيادة رئيسها الراحل الشيخ عبدالعزيز بن باز والمعروفة باسم "بيان 1411هـ"، (1990م) وتقضي "بعدم جواز قيادة النساء للسيارات، ووجوب معاقبة من يقوم منهن بذلك"، وفق ما ذكرت قناة الجزيرة.

وأدى هجومٌ نادر، يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على قصرٍ في جدة تستخدمه العائلة المالكة، بحسب ما تذكر وكالة بلومبيرغ الأميركية، إلى مقتل اثنين من أفراد الأمن وإصابة 3 آخرين، الأمر الذي يشير إلى أنَّ عائلة آل سعود الحاكمة أصبحت مرةً أخرى هدفاً للجماعات المسلحة مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أو تنظيم القاعدة.

واستباقاً لرد فعلٍ عنيف ضد سياساتها، شنَّت الحكومة السعودية أشد حملات القمع على المعارضة منذ سنوات، واعتقلت رجال دين وناشطين بارزين.

يقول بول بيلار، الأستاذ بجامعة جورج تاون الأميركية في واشنطن والمسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA): "قام النظام بما يكفي من التحركات ضد المعارضة ليكون واثقاً -أكثر مما كان قبل ذلك ربما- بأنَّه يمكن أن يُثبِّت هذا النوع من التغيير السياسي المثير للجدل نوعاً ما"، في إشارةٍ إلى قرار السماح للمرأة بقيادة السيارات.

قد تردَّدت أصداء تخفيض في الإنفاق الحكومي بالاقتصاد؛ إذ شهدت الشركات التي توفر الأجهزة الطبية هبوطاً في المبيعات؛ بسبب تقليص شراء الرعاية الصحية. ويتعين على شركات البتروكيماويات أن تدفع أسعاراً أعلى للمواد الأولية؛ لأنَّ الدعم الحكومي انخفض.

وقد تأثر قطاع البناء بشدة في ظل اعتماده على العقود الحكومية. وتُظهِر البيانات الرسمية أنَّ النمو في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي جاء أقل من 1% في كلٍ من الربعين الأولين من عام 2017، متراجعاً من مستوى قمة بلغت نحو 10% عندما كان النفط يصل ثمنه إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

وقد تعثَّرت الجهود الرامية إلى فرض التقشف على القوة العاملة الضخمة في القطاع المدني. وبعد انقطاع واسع النطاق، أعادت الحكومة البدلات والمكافآت لموظفي الدولة الذين يشكلون ثلث السكان.


هنا تكمن المشكلة


وأعرب علي علي رضا، العضو المنتدب لشركة الحاج حسين علي رضا وشركاه، وهي شركة سعودية تبيع كل شيءٍ بدءاً من شاحنات النفايات وحتى سيارات أستون مارتن، عن موافقته على أنَّ الاقتصاد يحتاج إلى تغيير، لكن لديه مباعث قلق من أنَّ التغيير أكبر من اللازم في مدةٍ قصيرة للغاية، وقال: "المشكلة تكمن في الإطار الزمني الذي سيجرى فيه معالجة هذه الأمور".

وليست الشركات المحلية وحدها هي التي تحذِّر من الأمر؛ إذ حذَّر صندوق النقد الدولي صانعي السياسة السعودية من أنَّ الاندفاع نحو الإصلاح قد يشل الاقتصاد. وبينما كان وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، في واشنطن، أكتوبر/تشرين الثاني الماضي؛ لحضور المؤتمر السنوي الأول للصندوق، صرَّح بأنَّ الحكومة لديها بعض المساحة للتنفس؛ لأنَّها تسير على الطريق الصحيح لخفض العجز في الميزانية إلى ما دون 10٪ من إجمالي الناتج المحلي هذا العام. وقال إنَّ السلطات لا ترى ضرورة "الانتقال من 10% إلى صفر فى غضون عامين".

وقد يَضعُف التزام الحكومة بإصلاح الاقتصاد في عام 2018 إذا ما ارتفعت أسعار النفط الخام السعودي. وقال جيمس ماكورماك، الرئيس العالمي لوحدة التصنيفات السيادية بوكالة فيتش للتصنيف الائتماني، في إحدى الفعاليات التي أُقيمت بالرياض في أكتوبر/تشرين الأول: "حين تُطلق البلدان برامج الإصلاح في الوقت الذي تكون أسعار النفط فيه منخفضة، تتراجع الحماسة أحياناً عندما ترتفع أسعار تلك السلعة".


سمعة الأمير


ويمكن أيضاً أن يضر التأخير في بيع حصة بشركة أرامكو أو حدوث كارثة في الحرب باليمن، حيث لم تتمكن القوات المدعومة من السعودية من السيطرة على المتمردين الشيعة بعد أكثر من عامين من القتال- بسُمعة الأمير، الأمر الذي سيعوق قدرته على المضي قدماً في التغييرات.

وبدلاً من ذلك، فإنَّ الأمير يرى أنَّه سيكون أكثر قوةً في حال تخلى والده الملك سلمان عن العرش. ومن شأن ذلك أن يسمح له بتوجيه الانتقال الاقتصادي بنفسه، إلى جانب قمع المعارضة من أفراد العائلة المالكة الآخرين، وفقاً لما ذكرته شركة أوراسيا غروب في تقريرٍ لها، صدر في سبتمبر/أيلول الماضي.

وعلى كلٍ، من الواضح أنَّ مستقبل "رؤية 2030" مُعلقٌ على رجلٍ واحد. وتقول إميلي هوثورن، محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمؤسسة "ستراتفور" الاستشارية في تكساس، إنَّ الأمير محمد يُدرك في نهاية المطاف أنَّ الإصلاحات ليست "شيئاً يمكن أن ينقله إلى شخصٍ آخر"، فالتغيير الاقتصادي "هو مشكلة تخصه".