13 يوماً في قبضة المسلحين.. رحلة ضابط الشرطة المصري الذي اختفى بعد مذبحة الواحات وعاد جريحاً

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

كانت الرابعة والنصف تقريباً، مساء أمس الثلاثاء، في منزل المهندس علاء الحايس، والد النقيب محمد الحايس، معاون مباحث قسم أكتوبر، حين دق الهاتف. المتحدث على الطرف الآخر هو مدير أمن الجيزة يبلغه "من موقع الاشتباكات"، أن نجله المختفي منذ 13 يوماً "معي الآن وهو بخير"، ويعطي الهاتف لنجله ليطمئنه بنفسه "أنا بخير يا بابا الحمد لله".

الدكتور "الحايس" لم يصدق نفسه من المفاجأة، بعدما كاد يفقد الأمل في عودته، حسبما يروي شقيقه، وعم الضابط المختطف من قبل العناصر الإرهابية التي نفذت مذبحة الواحات يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، "عبد الغني الحايس"، الذي يقول: "لم نكن نصدق أن نسمع صوت محمد مرة أخرى، وأنه بخير ولم يستشهد، وكنا في حالة قلق وترقب وانتظار المجهول وخوف يتملك الجميع".

ويواصل عم الضباط "عبد الغني الحايس" رواية ما جرى لـ"هاف بوست عربي" وهو يقف على باب حجرة العمليات بمستشفى الجلاء العسكري قائلاً: "ما إن اتصل بنا مدير الأمن، وقال محمد معايا وهو كويس وسمعنا صوته في التليفون، حتى عمت فرحة كبيرة في المنزل، الذي امتلأ بعشرات المهنئين وتحول الحزن الذي أحاط بالمنزل 13 يوماً إلى فرحة كبيرة".

وأمام منزل والد الضابط بحدائق الأهرام، وقف عدد من أقاربه وسيارات الذين حضروا للتهنئة، فيما احتشد عدد من الصحفيين، وعدسات المصورين لرصد كيفية استقبال الأسرة عودة الضباط بعد 13 يوماً من خطفه، وأطلت سيدات من شرفة بالدور الثالث بالزغاريد.

وعبرت أسرة النقيب محمد الحايس عن سعادتها العارمة، بعد عودته سالماً من اختطافه في حادث الواحات الجمعة قبل الماضية.

وكان أبرز المشاهد اللافتة، أن المقاعد التي وضعتها الأسرة للعزاء في نجلها الضابط في ظل فقدان الأمل في عودته، تحولت إلى مقاعد أفراح وتوزيع شربات، ورصدت عدسات الكاميرات الفرحة العارمة التي واجهت أهل محمد الحايس، حيث توافد الجيران والأقارب على المنزل فرحاً بعودته، حيث تبادلوا التبريكات والتهاني، وتحولت حالة الحزن لفرح عارم.

أما والد الضابط، الذي بدا عليه التأثر والقلق فاكتفى بالقول "إنه لا يصدق نفسه"، "احتسبته شهيداً منذ اختطافه، لأنه مش أحسن من اللي راحوا، لكن كان عندي ثقة في قواتنا المسلحة".

وأضاف: "اتصلت بابني وسمعت صوته عقب العثور عليه ونقله إلى المستشفى"، ووجه الشكر لقيادات الجيش والشرطة والرئيس عبد الفتاح السيسي لاستعادة نجله، بعدما كان قد انتقد في وقت سابق الصمت على اختفاء ابنه، وطالب السيسي أن يعيده له حياً أو ميتاً.

وأكد والد الضابط أيضاً أن نجله "يعاني من إصابة في ذراعه وقدمه".

وقبل تداول الأنباء بساعتين، كان والد النقيب محمد الحايس، كتب في منشور على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي: "يا رب ملناش غيرك".

ولخص المهندس حامد الجوهري، زوج عمة النقيب محمد الحايس، حالة الأسرة بقوله: "كنا بنموت كل يوم 100 مرة مستنيين جثته".


المشهد الأول: إلى العناية المركزة أولاً


كانت التاسعة والنصف تقريباً مساء الثلاثاء، حين وصلت مروحية عسكرية تحمل الضابط المختطف المصاب، إلى مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة، ليستقبلها على عجل سيارة إسعاف تحمل المصاب وتهرع به إلى حجرة العمليات.

كان الضباط مستيقظاً وعيناه مفتوحتان، حوله زجاجات المحاليل الطبية، والمسعفون يهرولون به من سيارة الإسعاف التي نقلته من الطائرة، ومن السيارة إلى داخل المستشفى على الفور.

"والده رآه واطمأن عليه سريعاً بنظرة عين، ثم انطلق به المسعفون إلى حجرة العمليات فوراً دون انتظار، ولا يزال داخل العمليات حتى الآن"، هكذا قال عم الضابط "عبد الغني الحايس"، لـ"هاف بوست عربي" وكانت الساعة تدق في القاهرة العاشرة والنصف وخمس دقائق، ما يعني مكوث الضابط أكثر من ساعة في العمليات تقريباً.

ولاحقاً -بعد حوالي ساعتين- خرج النقيب محمد الحايس من غرفة العمليات، وتم نقله إلى العناية المركزة.

كما أوضح المهندس علاء الحايس، والد النقيب محمد الحايس، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الحياة اليوم"، على فضائية "الحياة"، مساء الثلاثاء، أن نجله "مصاب في قدمه فوق الركبة وفي كتفه، وفي أصابعه اليمنى واليسرى".

وأشار إلى إجراء عملية جراحية لنجله مرة أخرى بعد 10 أيام، مضيفًا: "الأطباء قالوا إنه يستلزم تنظيف الجرح أولًا لأنه ملوث، لإصابته منذ اليوم الأول للحادث".


المشهد الثاني: نحن الذين أنقذناه


كان المتحدث العسكري خرج ببيان قبل اتصال الضابط المختطف بأسرته وهو بصحبة مدير الأمن، ليعلن "القضاء على عدد من العناصر الإرهابية المشاركة باستهداف عناصر الشرطة على طريق الواحات، وتدمير (3) سيارات دفع رباعي محملة بأسلحة وذخائر".


ثم أوضح بيان ثان للمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، أن النقيب الحايس "وصل بسلامة الله إلى أحد المطارات العسكرية، برفقة عناصر من قوات الصاعقة، وتم نقله إلى أحد المستشفيات العسكرية لتلقيه الرعاية الطبية اللازمة".

وكانت إشارة البيان لـ"قوات الصاعقة" رسالةً واضحة بأن قوات الجيش لعبت دوراً في إنقاذ الضابط.


المشهد الثالث: عندما تحدث الإعلام عن مخطوفين


دراما خطف الضابط من قبل المسلحين المجهولين الذين هاجموا قافلة للشرطة تضم 70 شرطياً، حين تردَّدت أنباء عن قيام المسلحين باختطاف عدد من الضباط خلال عملية الواحات البحرية، وكان أول من ردد هذه الأنباء هو النائب البرلماني مصطفى بكري في عدة تدوينات له على حسابه الشخصي بموقع التواصل "تويتر".

وذكر عضو مجلس النواب، أن الحملة فوجئت بوجود معسكر كامل للإرهابيين لا يقل من فيه عن 100 شخص، يتولى قيادتهم ضابط الصاعقة الإرهابي هشام عيسوي، الذي كوَّن المجموعة من عناصر داعشية، قام بالتواصل معها في ليبيا ويعرف ملفات الصحراء جيداً.

وجاءت أنباء لاحقة تؤكد العثور على جثة النقيب علاء الحايس، إلا أن تصريحات عائلته أكدت حينئذ عدم العثور على جثمانه، أو حتى معرفة مصيره.


المشهد الرابع: عندي عيال.. لا تقتلوني


ولم تثر عملية خطف المسلحين للضابط محمد الحايس أزمة، بقدر ما أثارها فيديو مسرب بثَّه المذيع المقرب من السلطة أحمد موسى، وتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لطبيب ضابط شرطة يعمل في مستشفى الشرطة.

ويوثق التسجيل المسرب اللحظات الأخيرة لضباط المأمورية التي خرجت بناءً على إخطار ومعلومات لجهاز أمن الدولة، بوجود نشاط إرهابي بالمنطقة، وكيف قتل البعض وهرب البعض الآخر بالمدرعة، مما أثار التساؤلات حول معرفة العناصر المسلحة لمعلومة تحرك القوات لهم.

وكان أخطر ما جاء في التسريب هو نقل قصة غير مؤكدة عن استعطاف الضابط المختطف للإرهابيين لعدم قتله، بعدما أطلقوا الرصاص على رؤوس الضباط، وعلى أقدام وأذرع الجنود، فأخذوه معهم.

وجاء في التسريب الصوتي نقلاً عن أحد الضباط: "نيمونا على الأرض وقالوا لنا ارقد واخدوا سلاحنا وسابوا ضابط مننا، قالهم أنا مليش دعوة عندي عيال سيبوني"، وهو ما تسبب في هجوم من باقي المذيعين المشهورين الموالين للحكومة على "أحمد موسى".

ونفت وزارة الداخلية المصرية صحة التسجيل، وقالت إن التسجيلات "تحمل في طياتها تفاصيل غير واقعية، لا تمت لحقيقة الأحداث التي شهدتها المواجهات الأمنية بطريق الواحات بصلة"، دون مزيد من التفاصيل.

وقد كشف عبد الغني الحايس عم "الضابط محمد الحايس" عن غضبه من أحمد موسى لنشره تسريباً صوتياً عن حادث الواحات، مضيفاً: "تقبلنا اعتذاره وفرحتنا اليوم جعلتنا ننسى كل الأحزان التي تعرَّضنا لها خلال الأيام الماضية".


المشهد الخامس: الإعلام في حفل الدموع والصفعات


احتفى مذيعو الفضائيات المصرية الخاصة المقربون من السلطة بإطلاق الضابط المخطوف، واعتبروه انتصاراً كبيراً للجيش والشرطة، وعيداً، وصفعة لمن شمتوا في خطف الضابط وقتل زملائه، وكرَّر بعضهم عبارة "الجيش درع وسيف" في برامجهم.

وبكى المذيع عمرو أديب على فضائية "ON-E"، حين قال له والد الحايس: "ابني لما شافني قالي مكنتش مصدق إني هشوفك تاني يا بابا" وأشاد بالتحرك الصحيح الذي تم، وإعلان بيانات متتالية لكشف ما جرى عكس ما حدث في المرة الأولى حين سقط قتلى من الشرطة.

واعتبر المذيع أحمد موسى أن القوات المسلحة صفعت إعلام الإخوان، حمزة زوبع ومعتز مطر ومحمد ناصر، بعد أن ثأرت لشهداء الوطن، معلقاً: "كانوا شمتانين فينا".


المشهد السادس: مبروك لكن متى يعود المعتقلون السياسيون؟


رغم ما أعلنته القوات المسلحة بشأن تحرير الضابط وظهوره بالفعل سلمياً، ودخوله المستشفى، إلا أن بعض الأصوات على مواقع التواصل طرحت عدة تساؤلات حول قصة اختطافه وعودته، وتساءلوا: لماذا لم يقتل الإرهابيون الضابط الحايس واكتفوا بإطلاق النار على قدمه وذراعه؟

وشكك البعض في المعلومات والقصة التي قدمتها الشرطة والجيش، لاختفائه ثم إطلاق سراحه، متسائلين: "منذ متى يختطف الإرهابيين ضابطاً ثم يرجعونه مرة أخرى؟!".

استغل نشطاء قضية تحرير الضابط المختطف وظهوره بعد اختفائه ليطالبوا بالمثل بظهور المختفين قسرياً على يد الشرطة.